وقد انتشر الإصلاح الديني في أوروبا الشمالية وفي ألمانيا الشمالية والجنوبية في حياة مارتن لوثر نفسه، ثم في إنجلترا التي توطدت دعائم الإصلاح الديني فيها على أسس لوثرية في جوهرها. كما انتشرت اللوثرية في الدنمارك والسويد.
ويرجع السبب في عدم ذيوع اللوثرية في كل أوروبا، إلى صعوبة فهم العقيدة اللوثرية، خصوصا فيما يتصل بتناول القربان والتبرير بالإيمان واعتماد لوثر على تعضيد الأمراء، مما جعل السواد الأعظم من الناس ينفضون من حوله. وعدم اهتمام لوثر بتجديد وتعريف العقيدة الجديدة، وعدم اهتمامه بنشرها في خارج ألمانيا.
والمهم هو أن النجاح الذي لقيه الإصلاح الذي نادى به لوثر بالطرق السلمية لم يلبث أن شجع على ظهور مصلحين آخرين، في طليعتهم أولريك زفينجلى (1484 - 1531م) Ulrich Zwingli الذي ظهر مذهبه في سويسرا وألمانيا الجنوبية، وجون كلفن John Calvin (1509 - 1564م) الذي انتشر مذهبه في الجزء الباقي من أوروبا الوسطى والغربية، وخصوصا في فرنسا والأراضي المنخفضة.
وقد خالف زفنجلى آراء لوثر وآراء الكنيسة الكاثوليكية على السواء في مسألة القربان، حيث اعتبر سر الشكر أو «الأفخاريستا» حفلة تذكارية محضة، واعتبر الكنيسة مؤسسة ديمقراطية لكل المسيحيين الذين يشتركون بواسطة هيئة معينة منهم في الفصل في كل المسائل المتعلقة بالكنيسة والتعيين في الوظائف الكنيسية وغيرها، على حين اعتبر لوثر أن أمير البلاد هو الرئيس الأعلى للكنيسة. وقد قتل زفنجلى في الحرب التي دارت بين الكاثوليكي والبروتستانت في أكتوبر 1531م.
أما جون كلفن John Calvin الفرنسي الأصل، فقد اتفق مع المسائل اللوثرية في الاعتماد على الكتاب المقدس وحده في جميع الدينية، والتبرير بالإيمان، وأن السيد المسيح وحده هو الذي يشفع لدى الله، ولكنه اختلف عن اللوثرية في مسألة الغفران الذي اعتبره من الأمور المقدرة منذ الأزل، ولا ترتبط بأعمال الانسان، كما اعتبر القصاص أيضا من الأمور المقدرة. ويعرف هذا المذهب بمذهب القدرية Predestination.
كذلك اختلف كلفن عن لوثر في مسألة القربان، فقد اعتبر العشاء الرباني الأخير حفلة تذكارية، وزاد على هذا بأن قال إنها ضرورية لإسداء الحمد والشكر لله أيضا. ولم يعترف كلفن الابسرين فقط من أسرار الكنيسة السبعة ـ وهي الشكر أو الأفخاريستا، والمعمودية، والمسيحية المقدسة أو الميرون، والزيجة الكهنوت، ومسحة المرضى، والتسوية - وهذان السران هما الشكر أو الأفخاريستا، وسر المعمودية.
وعلى الرغم من اقتناع كلفن بضرورة وجود «الحكومة العلمانية المدنية أو الزمنية، اقتناعه بضرورة وجود «الحكومة الكنسية»، فإنه أباح الانقلاب والثورة ضد الحكومة الزمنية إذا أقدمت على شيء يعتبر مخالفا لكلمة الله. ومن هنا ثار أتباع كلفن ضد سلطان الحكومة الزمنية في فرنسا والأراضي المنخفضة.
وقد أتيحت الفرصة لوضع تعاليم كلفن موضع التنفيذ في جنيف، ولكن الناس نفروا منها بسبب شدة وصرامة نظام الكنيسة التي أراد كلفن تأسيسها، وعنف التعاليم التي أراد تطبيقها، فاضطر إلى مغادرة جنيف سنة 1538م، ولكنه لم يلبث أن عاد في استدعاء شعبها له، وبقى فى جنيف حتى مات بها 1541م بسبب في 27 مايو 1564م.
وقد انتشرت الكنيسة الكالفينية في فرنسا والأراضي المنخفضة وإسكنديناوه، وتعرض البروتستنت في فرنسا (الذين عرفوا بالهيجينوت) Huguenots لاضطهادات كبيرة ومذابح مثل مذبحة يوم بارثولوميو Saint Bartholomew's Day ، وأجبر ألوف منهم على الخروج من فرنسا إلى المنفى، ولم يسمح للهيجينوت بالحرية المدنية والدينية إلا فى عام 1789م على يد الثورة الفرنسية.