باستعادة كلمات فرنسيس بيكون التي ربما نكون قد مددنا نطاقها إلى ما يتجاوز مقاصد قائلها حتى جعلناها تبدو كنبوءة: لن نصل إلى أعم بديهيات العلم إلا في الخواتيم، وحينذاك سوف نرى أنها ليست أفكارا خادعة بل هي مفاهيم محددة بدقة حتى أن الطبيعة ستتبين أنها مبادئها الأولى، الماثلة في صميم الأشياء وماهياتها. هل من الممكن في يومنا هذا وفي خضم كل هذا التوتر أن نجاهر بتلك الكلمات - أن العلم بات قادرا على توليد فلسفة جديدة؟
ليس هذا التساؤل مجرد اقتراح بسيط وما قلناه فعلا بخصوص ميكانيكا الكوانتم يكاد يدفعنا إلى السير قدما. هذا العلم، على قدر ما هو متفرد وكاشف، يحمل في صلب مبادئه أدوات تأويله وتفسيره. وبالمثل هل ينبغي أن يكون العلم بأسره قابعا على مقربة من قلب الأشياء وماهيتها حتى تُوُلد الفلسفة الخاصة به؟ إنها فلسفة المعرفة قطعا، أوليست متطلبا شرطيا وقبليا لأي مشروع فلسفي، وليس هذا موضع شك أو جدال بطبيعة الحال؟
لقد قطع العلم طريقا طويلا. ارتحل من العقل إلى الرموز المطلقة للرياضيات، ومن الأشياء العادية إلى قوانينها الكلية. في البداية عمر الجهل والظلام كل شيء، غمر اللغة ذاتها وهي أداة العقل، وغمر الأشياء المحيطة بنا. أجل، في البداية أخفت الأشياء المحيطة بنا سرها وظهرت واضحة، غير قابلة للرد. والآن نراها بشكل مختلف، هو في الحقيقة شكل أفضل، ومنابع العقل هي الأخرى بدأت تتجلى وتظهر في عالم يسوده النظام، وعن عملية كيميائية تولدت الحياة التي راحت تتطور وترتقي، نحو المزيد من التعقيد والقوة، حتى وصلت إلى المخ البشري، العضو الذي يدرك النظام لاتزال العديد من الروابط مفقودة، وذروة العملية بأسرها. المخ البشري، فقط بدأ يكشف عن ذاته، ولم ندرك فعلا إلا بضعة تخطيطات مقتضبة. هكذا نرى العلم يبدأ من المجهول، وفي خضم هذا الظلام الحالك يبلغ هي البداية حيث يغمرها الضوء الكثيف، إنها البداية التي جرى من قبل التسليم بها بغير تساؤل. يعود العلم إلى أصله الأصيل، كدائرة لعلها مهيأة لكي تكون مكتملة، بيد أن مثل تلك الدائرة، حتى لو كانت مكتملة. ستظل دائرة بلا بداية وبلا نهاية أي من دون المبدأ الهادي الخاص بها. أو بعبارة أخرى من دون فلسفة. لهذا السبب يجب علينا أن نشقها، لعلها نقطة تأتينا بالثمار. أن نشق الدائرة يعني أن نجد ما لا تستطيع في حد ذاتها أن تعلمه عن ذاتها. إنه إيجاد مبدأ مؤسس للعلم لا يستطيع العلم في حد ذاته أن يقدمه. وعندئذ فقط يمكن أن تبدأ الميتافيزيقا.
لقد تطور العلم بالتعارض مع الميتافيزيقا، وكان يجب عليه أن يفعل هذا، فثمة حين من الدهر يرى الكثيرون أنه حين يشمل عصرنا هذا اعتقد فيه الناس أن الميتافيزيقا قضت نحبها، واختفت إلى الأبد. لقد سخر منها هيوم وسحقها سحقا، لكنه افترض لنفسه استباحات كانت هي ذاتها ميتافيزيقية الاستحالة المطلقة لبلوغ منابع النظام الداخلي للأشياء، والآن نعرف أنه بخصوص هذا كان على خطأ بين ما الذي نعنيه هنا بالميتافيزيقا؟ نحن نعرف الأصل اللغوي للكلمة: «ما وراء الطبيعة». ربما كان هذا الاسم - كما يرى الدارسون – لا يحمل المعنى العميق الذي نتوقعه، ولكنه اسم نشأ مرتبطا بالعرض والتصنيف. لم يكن ثمة عناوين لكتب أرسطو على أي حال ليست كتبه جميعها هكذا). واحد منها كان عنوانه «الفيزيقا»، هذا العنوان نفسه (في الطبيعة) وضعه كثير من المؤلفين الأسبق على كتبهم. والكتاب الذي يتلوه على رف الكتب أعطي له عنوان هو «الميتافيزيقا» حرفيا تعني هذه الكلمة ما بعد الطبيعة، أي ما يأتي بعد الطبيعة، ولعلني اتخذ المغزى الذي يبدو أن هذه الكلمة تحمله نتيجة التأملات التي تؤدي إليها معرفة معينة بالفيزيقا، بالطبيعة. ولعلني أضيف أيضا مغزى المقطع القبلي «ميتا» [ما بعد أو]، فالمقطع نفسه موجود في المنطق فيما بعد اللغة metalanguage: طريقة اقتحام ما لا يمكن إنجازه بشكل كاف باللغة في حد ذاتها. صفوة القول إن الأمر بأسرة متعلق بمحاولة التعلم... محاولة بلوغ الأشياء التي يحملها العلم في سياقه ولكنه لا يستطيع في حد ذاته أن يبلغنا بأمرها. وعلى هذا أزعم أن العلم في وقتنا الراهن أصبح ناضجا بما يكفي لأن يسمح بالكشف عن ميتافيزيقا. من الواضح أن مثل هذا الزعم لا يمكن أن يكون محصلة لبرهان ولكنه على أفضل الفروض قد يكون اقتناعا. وهو أيضا تعبير عن مبتغى، عن تشجيع موجه لفلاسفة المستقبل، الذين سوف يجيلون النظر في تواني وإهمال فلاسفة العصر الراهن، ويتلمسون لهم المغفرة. ويسعدني وأنا أتحدث عن هذه المغامرة الجديدة أن أستعير كلمات بيكون عن العلم هذا الإحياء بلا جدال سوف يتجاوز ظروفنا التي تقضي أن البشر فانون، لأنه لا يفترض أن العمل يمكن أن يكتمل تماما في غضون جيل واحد، بل يشترط أن يضطلع بالعمل جيل إثر جيل.
لعل هذا قصارى ما أستطيع أن أقوله، لأن موقعنا الراهن في هذه الرحلة مفعم بالمفاجآت والإمكانيات لدرجة أنه لا يمكن أن نتوقعها جميعا. ومع هذا سوف أواصل المسير، منبها القارئ إلى ألا يرى فيما هو آت أي شيء يتجاوز المخطط العام والمحيط الفضفاض الأفكار مبدئية.
ربما يكون من الحكمة أن نتوقف هنا عند هذا القدر من مناقشاتنا لوضع التساؤل المطروح، لأني أرى أن إسهام بعض الكتاب المعاصرين في الإبستمولوجيا، ونفر منهم يتمتعون بشعبية وشهرة أوسع، سوف يكون مربكا أكثر منه مضيئا أو كاشفا. بطبيعة الحال لا تنطبق هذه الملحوظة على الأعمال الدسمة والمهمة للمؤرخين، وعلى بعض الكتب الأسبق التي تستحق مزيدا من الاهتمام حتى لو كان وضع العلم في أوان كتابتها قد حكم عليها بأن تكون مهجورة. ومما هو جدير بالذكر من ضمن هذه الكتب أعمال باشلار Bachelord التي قدم فيها لمسة يحتاج المرء كثيرا إلى أن يجدها في كل موضع، وهي اللمسة التي حاولت أن أقدمها هنا ولم يحالفني النجاح لمسة الشاعر، وهي كل ما يبقى من المعرفة الماضية، يرافقها في هذا لمسة الحالم.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في الفيزياء وفلسفة العلم
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة