عين السلطان سنجر، بعد وفاة محمد خوارزمشاه ابنه أتسز حاكماً من قبله على إقليم خوارزم كما ذكرنا، فنهج في بادىء الأمر نهج والده في علاقته السلطان السلجوقي القائمة على التعاون المثمر، فشارك في حملة السلطان العسكرية ضد حاكم سمرقند أرسلان خان بن محمد بن سليمان الذي ثار على الدولة السلجوقية في عام (524هـ / 1130م) ، كما شارك في الحملة السلطانية ضد غزنة في عام (429هـ / 1135م) لتأديب حاكمها بهرام شاه وظل طوال مدة الحملة ملازماً للسلطان ورافقه في عودته حتى مدينة بلخ، وهناك استأذنه بالعودة إلى ولايته، فأذن له(1).
غير أن التنافس بين كبار أمراء السلطان سنجر بدل هذه العلاقة الجيدة إلى علاقة عدائية، ذلك أن أتسز تعرّض لمؤامرة من جانب كبار رجال الدولة الذين أثارتهم مكانته لدى السلطان، وتقربه منه، فحاكوا مؤامرة ضده، وأوغروا صدر السلطان عليه. لم يكن موقف السلطان واضحاً تجاهه، ومع ذلك فإنه أضحى بين مُصدِّق لما يشيعه المتآمرون والوشاة ضد تابعه أتسز وبين مكذب لأقوالهم، ويبدو ذلك واضحاً من امتعاض أتسز وشعوره بتغير السلطان عليه، فاستأذنه بالعودة إلى ولايته، وودعه السلطان بعبارات استشف منها أن ما قاله المتآمرون قد وقر في صدره.
وظلت العلاقة بين السلطان وواليه على خوارزم جيدة بعد عودة أتسز إلى مقر ولايته، فلم يبد السلطان سنجر أي تصرُّف يُسيء إلى أتسز، وفي المقابل بقي أتسز على ولائه له لكن بدت في الأفق السياسي بعد ذلك بعض المؤشرات المشجعة لأتسز لنبذ طاعة السلطان والاستقلال بحكم خوارزم، نذكر منها (2):
- شعر أتسز بأن السلطان يُصغي لوشايات بعض قادته ضده، فخشي أن يتغير موقفه منه ما يؤثر على علاقته الجيدة به وقد يُقدم على عزله عن ولاية خوارزم و انتزاع هذا الإقليم المهم من يد أسرة أنوشتكين.
- فرض زحف القراخطائيين باتجاه الغرب إخلالاً بتوازن القوى في بلاد ما وراء النهر، فقرر أتسز أن يستغل هذا التغير لصالحه، فتطلع نحو الاستقلال بولايته، وطمح في توسيع رقعة أراضيه في خراسان على حساب السلاجقة.
- عمد أتسز في علاقاته مع القبائل البدوية التي تقطن المناطق الشمالية المجاورة لإقليم خوارزم مثل القبجاق والقنقلي واليمك إلى إدخالهم في صفوف قواته، وقد اشتهر هؤلاء بالفروسية والمهارة في القتال، ما قوَّى قدرته العسكرية، ورأى بأنها تمكنه من فرض سياسته التي ينوي انتهاجها.
- اتساع رقعة أراضي إمارته بحيث شملت المناطق السفلية لنهر جيحون، بما فيها مدينتي جند، وأوترار ما شجّعه على الاستقلال عن الدولة السلجوقية.
- إن الغزوات التي قادها ضد القبائل الشمالية الوثنية، أكسبته شهرة واسعة في الأوساط الإسلامية التي أطلقت عليه لقب غازي، كما التف حوله أهل خوارزم وفضلوا حكمه على حكم السلطان سنجر.
- تفكك دولة السلاجقة العظام التي كانت حدودها تمتد من نهر سيحون في أقصى الشرق إلى البحر الأبيض المتوسط في الغرب، ومن بحر آرال وجبال القوقاز في الشمال إلى نهر السند في الجنوب، وأضحت بعد تفككها دويلات عدة في أقاليم صغيرة يقاتل بعضها بعضاً، وجعلت مهمة السلطان سنجر في إعادة توحيدها مستحيلة.
........................................................
(1) الغامدي، سعد حذيفة: الفتوحات الإسلامية لبلاد الهند والسند ص 495 – 498
(2) الغامدي، سعد حذيفة: الفتوحات الإسلامية لبلاد الهند والسند ص 495 - 498.