كانت المشكلة التي واجهت السلاجقة عقب وفاة السلطان ملكشاه هي مسألة اختیار خلف، وقد برزت هذه المشكلة في أواخر عهد السلطان المتوفي، لكن وفاته المفاجئة حالت دون الوصول إلى حلّ حاسم فيها، وانحصر التنافس على العرش بين بركياروق، الابن الأكبر للسلطان المتوفي، والبالغ ثلاثة عشر عاماً العمر، وكان في أصفهان، وتلقى تأييداً ومساندة من أتباع الوزير نظام الملك، وبين أخيه الأصغر محمود، البالغ من العمر أربعة أعوام وبضعة أشهر وكان في بغداد يوم وفاة والده وهو ابن تركان خاتون الزوجة المحبوبة ذات النفوذ الواسع، وتلقى تأييداً ومساندة من الوزير تاج الملك أبي الغنائم الشيرازي . وهكذا انقسم السلاجقة على أنفسهم إلى فريقين متنازعين كل منهما يجاهر الآخر بالعداء.
وعندما توفي السلطان ملكشاه كتمت زوجته نبأ وفاته حتى تُرتب أمور اعتلاء ابنها العرش، والواقع أن هذه السيدة كانت تسيطر على مقدرات الأمور في عهد زوجها وتهيمن على الشؤون المالية، فأغدقت الأموال على الجند واستقطبتهم فبايعوا ولدها محمود، ثم أرسلت أحد القادة الأتراك، ويُدعى قوام الدين كريوغا، إلى أصفهان ومعه خاتم السلطان ملكشاه للقبض على بركياروق وإبداعه السجن؛ لأنها خشيت أن ينازع ولدها على السلطة، كما أرسلت إلى دار الخلافة تطلب أن يعهد الخليفة المقتدي بالسلطنة لابنها محمود بن ملكشاه، وأن تكون الخطبة باسمه، فرفض الخليفة ذلك بحجة أن ابنها صغير السن لا يليق بالملك، فهددته بابنه الأمير جعفر، من خاتون ابنة السلطان ملكشاه وكان يعيش مع جده في أصفهان، فاضطر الخليفة عندئذٍ إلى الاستجابة لطلبها لكنه اشترط:
- إعادة ابنه إليه .
- أن تكون السلطنة لولدها والخطبة له.
- يتولى الأمير أنر، وهو أحد أمراء العسكر، تدبير الجيوش ورعاية البلد.
- يتولى تاج الملك أبو الغنائم الشيرازي جباية الأموال وترتيب العمال (1). ويبدو أن تركان خاتون رفضت في بادئ الأمر شروط الخليفة، فقد كانت تريد أن تكون الأمور بيد ولدها إلا أن الخليفة أصر على موقفه وقال: (هذا لا يجيزه الشرع)، وكان الإمام أبو حامد الغزالي يتولى الوساطة بينهما، فأقنعها بعدم جواز ولاية ابنها؛ لأنه طفل صغير دون الخامسة من عمره فوافقت على شروط الخليفة (2).
وخُطب المحمود بالسلطنة على منابر بغداد في (22 شوال 485هـ / 25 تشرين الثاني 1092م)، ولقب بناصر الدنيا والدين، ومنحه الخليفة الخلع السلطانية وأرسلها إليه مع عميد الدولة ابن جهير فأفاضها عليه وأبلغ والدته بتهنئة الخليفة، وتم تعيين تاج الملك أبو الغنائم وزيراً على أن يختص أنر بتدبير الجيوش ورعاية البلاد (3).
........................................................................
(1) الراوندي: ص 215، 216.
(2) ابن الأثير: جـ 8 ص 363.
(3) المصدر نفسه.