قيام الدولة السلجوقية في خراسان
المؤلف:
أ.د. محمد سهيل طقوش
المصدر:
تاريخ السلاجقة في خراسان وإيران والعراق
الجزء والصفحة:
ص52 ــ 53
2025-06-10
634
كان لهذا الصلح واعتراف السلطان مسعود رسمياً بنفوذ للسلاجقة في خراسان أثر كبير في بعث القوة والاستقرار لهؤلاء، وصار أمرهم يعلو في نطاق الدهاقين الولاة بمرور الأيام، وأخذوا في توسيع رقعة أراضيهم التي ضاقت بهم في ظل ابتعاد السلطان الغزنوي عن خراسان، فاشتد بأسهم وازدادت، قوتهم، وتهيأت لهم الأسباب لتدعيم نفوذهم وبسط سلطانهم، وإقامة سلطنة لهم في ربوع خراسان تكون نداً للغزنويين.
ويبدو أن السلطان مسعود استدرك الواقع السياسي الذي استجد بعد ذهابه إلى الهند، فعندما عاد إلى غزنة في عام 429 هـ / 1037 - 1308م) وعلم بعلو شأن السلاجقة وتمكنهم من خراسان؛ شعر بخطرهم الذي بات يُهدد الدولة الغزنوية، فكتب إلى الحاجب صوباشي بوجوب محاربتهم وإبعادهم عن خراسان (1)، فرد عليه: إن أمر السلاجقة قد علا بحيث لا أستطيع أنا ولا غيري أن نقاومهم (2)، ولكن السلطان ألح عليه القيام بذلك، فانصاع للأمر وذهب إلى الحرب على رأس جيش يُقدر بخمسة عشر ألف فارس وخمسة آلاف راجل. وجرى اللقاء بین الطرفين على باب مدينة سرخس، وجرت بينهما رحى معركة ضاربة استمرت من الصباح إلى العصر، وأسفرت عن انتصار واضح للسلاجقة، وفرَّ الحاجب صوباشي من أرض المعركة بعد أن أصيب بسهم، وغنم السلاجقة متاعه وتجهيزاته (3).
شكلت معركة سرخس انعطافة لصالح القضية السلجوقية، فقد كان انتصار السلاجقة والفراغ الذي أحدثه خروج القوات الغزنوية من خراسان حافزاً لهؤلاء على الإسراع في إعلان قيام دولتهم فبادر طغرلبك إلى السير على رأس جيشه إلى نیسابور، فدخلها واستولى عليها وجلس على عرش السلطان مسعود معلناً نفسه سلطاناً، وذلك في ذي القعدة (429هـ / آب 1038م) وتلقَّب بلقب (السلطان المعظم ركن الدنيا والدين أبو طالب محمد)، وأمر أن تُقرأ الخطبة باسمه على منابر المدينة، وأعطى أهلها الأمان، كما أمر أن تُضرب النقود باسمه في البلاد الواقعة تحت سيطرة السلاجقة فخُطب باسمه في مرو وسرخس، وكانت بلخ أقوى قواعده في الشرق(4) في حين كانت نيسابور أهم مراكزه في الغرب.
ويُعد التاريخ المذكور بداية قيام الدولة السلجوقية في خراسان نظرياً على الأقل؛ لأن السلطان السلجوقي بحاجة إلى تفويض شرعي من الخليفة العباسي لحكم البلاد التي استولى عليها، وليضفي على حكمه صفة الشرعية أمام المسلمين على الرغم من كونها موافقة شكلية.
وهكذا، أضحى للسلاجقة كيان سياسي قوامه رقعة كبيرة من الأرض، وحاكم له الزعامة السياسية وشعب اعترف بهذه الزعامة، وتقبلها وهي مقومات قيام الدول وفتحت منذ ذلك التاريخ صفحة جديدة سياسياً وعسكرياً لمنطقة خراسان وما وراء النهر بخاصة وللمشرق الإسلامي بعامة.
.....................................................
(1) الراوندي: ص 157.
(2) المصدر نفسه.
(3) البيهقي: ص 535، 536، 590 - 593، 600.
(4) إن انتقال بلخ نهائياً إلى حكم السلاجقة وبالتالي انقطاع الصلة بين الغزنويين وإقليم ما وراء النهر، لم يحدث إلا في عام (451 هـ / 1059م) وذلك وفقاً لنصوص معاهدة تمت. والسلطان الغزنوي إبراهيم انظر ابن الأثير: جـ 8 ص 164، 165. بارتولد: ترکستان ص 450.
الاكثر قراءة في التاريخ
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة