بدأ ظهور الأتراك على المسرح السياسي في القرن الثالث الميلادي، وقامت صلات غير مباشرة بينهم وبين العرب، إذ كان العنصران يعملان في الجيوش الفارسية والبيزنطية، وبرز الدور التركي واضحاً منذ القرن السادس الميلادي بعد غزوات القرن الرابع الميلادي الكبرى التي بلغت امتداداتها أوروبا مع أتيلا (1) حين راح الأتراك يضغطون على مناطق الحدود الفارسية حول بحري قزوين، الخزر، والأسود، واستطاع خانات الترك في منتصف القرن المذكور توحيد آسيا الوسطى تحت سلطانهم، وشكلوا دولة اتحادية وتغلبوا على الهياطلة وغيرهم من العناصر الطورانية، لكن دولة الأتراك لم تلبث أن انقسمت على نفسها في القرن الثامن الميلادي إلى مملكتين شرقية وغربية وقد مرَّتا بمراحل القوة والضعف استفاد منها المسلمون والصينيون.
ابتدأت العلاقات المباشرة بين المسلمين والأتراك منذ الفتوح الإسلامية الأولى في عهد الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب (13) - 23هـ / 634 - 644م). فبعد أن فتح المسلمون بلاد فارس وضموها إلى الأملاك الإسلامية أضحوا وجهاً لوجه مع العناصر التي تسكن بلاد ما وراء النهر، ومعظمها عناصر تركية ووجدوا أنفسهم أمام عدد كبير من الإمارات التركية الصغيرة المتصارعة أبداً مثل طخارستان (2)، والختل (3)،
والصغانيان (4)، وخوارزم (5) وغيرها، ما شكل خطراً عليهم وبخاصة أن حدود بلادهم في خراسان (6) قد تاخمت هذه الإمارات ودفعهم للعمل على وضع. حد لحال الفوضى في هذه البلاد بضمها إلى الدولة الإسلامية.
حاول المسلمون في بادئ الأمر دعوة الأتراك إلى الإسلام، لكن الذين استجابوا كانوا فئة قليلة وجاهرت الغالبية بعدائها للمسلمين ما اضطرهم إلى القيام بهجمات عدة على بلاد ما وراء النهر في العهد الراشدي (11 - 40هـ/ 632 - 661م) لم يُحققوا خلالها أي انتصار جدي على الأتراك يسمح لهم بفتح المدن والاستقرار فيها. ثم توقفت حركة الفتوح في أعقاب مقتل عثمان بن عفان عام (35هـ / 656م) الاضطرابات الداخلية التي شهدتها دولة الخلافة الراشدة، واستؤنفت في العهد الأموي بهدف تحقيق غايتين:
الأولى: وضع حد للنزاعات الداخلية الدائمة بين الإمارات التركية.
الثانية: نشر الدين الإسلامي بين الأتراك.
وقد حقق الفاتحون هاتين الغايتين، فقد ثبتوا أقدام المسلمين في بلاد ما وراء النهر بعد فتحها، وانتصروا على الأتراك الوثنيين، كما نشروا الإسلام في ربوع هذه البلاد، ودخل الكثير من سكانها في دين الله أفواجاً.
وساند الأتراك الدعوة العباسية بسبب تشدُّد الأمويين العربي وانفتاح العباسيين على العنصر الأعجمي، وانضموا إلى حركة أبي مسلم الخراساني، كبير الدعاة العباسيين في خراسان.
وشهد المشرق الإسلامي في العصر العباسي الأول اضطرابات سياسية على جانب كبير من الخطورة، تمثلت بقيام الحركات الفارسية المناهضة في أعقاب مقتل أبي مسلم الخراساني على يد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور (136 - 158هـ / 754 ــ 775م)، وثورات العرب المعادين للعباسيين لا سيما العلويين، بالإضافة إلى طمع بعض الولاة بالاستقلال بما تحت أيديهم واستعانتهم بالأتراك، وقد شكل ذلك بداية تدخل هؤلاء في شؤون المسلمين الداخلية.
وبرز التدخل التركي واضحاً في شؤون الخلافة العباسية في عهد الخليفة المعتصم (218 - 227 هـ / 833 - 841م) الذي بويع في ظل الصراع العنيف بين العرب والفرس واختلال في التوازن بين العناصر التي تكونت منها الدولة العباسية، وبدأت ثقة المعتصم بالفرس تضعف في الوقت الذي فَقَدَ ثقته بالعرب نظراً لكثرة تقلبهم واضطرابهم وقيامهم ضد الخلفاء، بالإضافة إلى أنهم فقدوا كثيراً من مقومات قوتهم السياسية والعسكرية حتى أضحوا أقل خطورة وأضعف شأناً.
حملت هذه المعطيات المعتصم على أن يوكل أمر سلامته الشخصية إلى فرقة من العنصر التركي الذي توافقت طباعه النفسية وصفاته الجسدية، من حيث القوة والشجاعة ومتانة الجسم، مع صفات أخواله الأتراك كأمة بربرية محاربة شديدة البأس، ثم استخدم الأتراك في الجيش على نطاق واسع وجعلهم تحت إمرة قادة مسدّداً بذلك ضربة عنيفة للقادة والجند العرب وأضحى لهذا العنصر أثر كبير في الحياة السياسية والاجتماعية على الرغم من أن الأتراك لم يكونوا أهل حضارة كما أضحى الحرس التركي يُمثل إحدى دعائم الخلافة خلال أيام حكمه. وكون الأتراك، مع مرور الزمن، كياناً خاصاً بهم وطمعوا في الاستئثار بشؤون الحكم في بغداد بعد أن أدركوا أن الخلافة لا يمكنها الاستغناء عن خدماتهم، فهيمنوا على مقدراتها وأحكموا سيطرتهم على الأقاليم وأحاطوا بالخليفة يراقبون تحركاته، ويشاركون في المناقشات السياسية، ثم راحوا يتدخلون في عزل واختيار الخلفاء، ولكن هؤلاء لم يخضعوا بسهولة للنفوذ التركي وقاوموه بشدة، وحاولوا التخلص من صانعي الخلفاء غير أنهم افتقروا إلى القوة المادية لمواجهة هذا النفوذ الطاغي.
......................................................
(1) أتيلا زعیم قبائل الهون البربرية الآسيوية وهم من الجنس التركي، انطلق من جوف آسيا باتجاه الغرب ووصل في زحفه إلى إيطاليا في عام 452 م ووجدت روما نفسها تواجه خطره الداهم ما دفع البابا ليو العظيم أن يخرج بنفسه لمفاوضته، ثم اضطر إلى الجلاء عن إيطاليا عندما علم بأن جيشاً رومانياً بقيادة أيتيوس كان في طريقه لإنقاذ روما، ولم يلبث أن توفي في بانونيا في عام 454م.
(2) طخارستان ولاية واسعة كبيرة تشتمل على عدة بلاد وهي من نواحي خراسان وتقع غربي نهر جيحون الحموي: جـ4 ص 23.
(3) الختل كورة واسعة كثيرة المدن تقع خلف نهر جيحون على تخوم السند، وقصبتها هلبك. المصدر نفسه: جـ 2 ص 364.
(4) الصغانيان ولاية عظيمة بما وراء النهر متصلة الأعمال بترمذ الحموي: جـ3 ص 408،
409.
(5) خوارزم اسم ناحية كبيرة واسعة تقع غربي الصغد وقصبتها الجرجانية، وأهلها يسمونها گر کانج سكانها من أصل تركي، وهي ذات خيرات ونهرها جيحون وهو يصب في بحيرة تحمل اسمها، مناخها قاس شديد المصدر نفسه: جـ 2 ص 395 - 398.
(6) خراسان بلاد واسعة أول حدودها مما يلي العراق أزاذوار قصبة جوين وبيهق وآخر حدودها مما يلي الهند: طخارستان وغزنة وسجستان وكرمان وليس ذلك منها، إنما هو من أطراف حدودها، وتشتمل على أمهات المدن منها نيسابور وهراة، ومرو، وكانت قصبتها، وبلخ وطالقان ونسا وأبيورد وسرخس وما يتخلل ذلك من المدن التي دون جيحون، ويدخل بعض الجغرافيين أعمال خوارزم فيها المصدر نفسه: ص 350 - 354.