الاسم :
الايميل :
رقم الهاتف :
المحتوى
6y4T

النشاطاتُ العِبادِيّةُ وهرموناتُ السَّعادَةِ
815   2020/11/27

يستَغرِبُ البعضُ مِن أنَّ ممارسةَ النشاطاتِ العباديّةِ كالصّلاةِ والصّومِ والزّكاةِ والحَجِّ والعُمرَةِ والسَّعيِّ في تقديمِ المَعونَةِ للآخرينَ وغَيرِها تُحفِّزُ هرموناتِ السَّعادَةِ وتجعَلُنا نشعُرُ بالرِّضا والهدوءِ ورَاحَةِ الضَّميرِ والسَّعادَةِ، ولكِنَّهُ لا يستَغرِبُ مِن إدراجِ جُملَةِ مُمارَساتٍ يعتَبِرُها مُحَفِّزَةً لهرموناتِ السَّعادَةِ كالرّياضةِ واليُوغَا والضَّحِكِ وغَيرِها.

فماهيَ هرموناتُ السَّعادَةِ؟ وما عَلاقَتُها بحالاتِنا النّفسيّةِ؟

تُشيرُ الأبحاثُ الطبِّيةُ والدراساتُ الى أنَّ هناكَ عِدَّةَ هُرموناتٍ في الدِّماغِ تكونُ مسؤولةً عَن حالَتِنا النفسيّةِ وتحديدِ موقِفِنا ومشاعِرِنا مِن ناحِيَةِ الاكتئابِ واضطرابِ المزاجِ وتَقَلُّباتِهِ وانخفاضِ مُستوى الحَماسِ والرَّغبةِ في مُزاوَلَةِ النَّشاطاتِ الحياتيّةِ المُختَلِفَةِ.

هُناكَ مجموعَةٌ مِنَ الهرموناتِ والنَّواقِلِ العَصبيّةِ الكيميائيّةِ المسؤولَةِ عَن شعورِنا بالسَّعادَةِ، أهَمُّها: السيروتونين، الإندروفين، الدوبامين، والأوكسيتوسين.

وذكرتْ بعضُ الأبحاثِ أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها تأثيراً مُعيَّناً على إحساسِنا بالسَّعادَةِ أو الحُزنِ والحُبِّ والاكتئابِ؛ فـالدوبامين  يعمَلُ على إبقائِكَ مُتَيَقِّظًا عَقليّاً ويُساعِدُكَ أيضًا على التّركيزِ، و السيروتونين الذي حينَما يتَدفَّقُ تشعُرُ بالرِّضا ، وإذا كانَ هُناكَ نَقصٌ في هذا الهرمونِ في جِسمِكَ فأنتَ أكثرُ عُرضَةً للشُّعورِ بالوَحدَةِ والاكتئابِ، و الإندروفين يَتِمُّ إنتاجُهُ عندَ التمرينِ والنَّشاطاتِ البَدَنيّةِ ، و كُلَّما زادَ إندروفين جِسمِكَ ، كُلَّما قَلَّ شعورُكَ بالقَلَقِ ، والأوكسيتوسين هوَ هرمونُ الحُبِّ ، الذي يَبني عَلاقاتٍ قويّةً وصِحّيةً ، و يَتُمُّ إصدارُ هذا الهرمونِ بشَكلٍ مَلحوظٍ أثناءَ العَلاقَةِ الوثيقَةِ مع شريكِ حياتِكَ وأثناءَ الولادَةِ ويتحفَّزُ أيضاً عندَ مُعانَقَةِ أحبائِكَ.

فإذا بَذَلَ المؤمِنُ جُهداً بَدَنيّاً عِبادِيّاً مَقروناً بِنيَّةٍ صادِقَةٍ وخَالِصَةٍ فإنَّ هذا سَيُحَفِّزُ تلكَ الهرموناتِ وسيتعمّقُ شعورُهُ بالسَّعادَةِ والصَّفاءِ وزوالِ القَلَقِ، وقد أشارَ الكتابُ العزيزُ الى هذهِ الحقيقَةِ: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} ولا يخفى عليكَ عزيزيَ المؤمِنَ : أنَّ ذِكرَ اللهِ لَهُ سُبُلٌ كثيرةٌ؛ منِها العِبادَاتُ البَدَنيّةُ والفِكريَّةُ ، التي تنعَكِسُ على القَلبِ والعَقلِ مِمّا يجعَلُ النَّفسَ المؤمِنَةَ مشحونَةً بالطَّاقَةِ الإيجابِيّةِ والشُّعورِ بالسَّكِينَةِ والاطمِئنانِ، غيرَ أنَّ ذلكَ لا يَتحقَّقُ إلا بعدَ مُراعَاةِ شرائِطَ كُلِّ فِعلٍ عِبادِيٍّ مِمّا هُوَ مَذكورٌ في مَحَلِّهِ، والديمومَةِ والاستمرارِ بصورَةٍ جَادَّةٍ وقَصدٍ واقِعِيٍّ ...

فالصَّلاةُ نشاطٌ عِبادِيٌّ يَجعَلُنا في تَفاعُلٍ معَ الماءِ أوّلاً، الذي يرمُزُ لمعاني السَّعادَةِ كالحياةِ والصَّفاءِ والنَّقاءِ ...، ثُمَّ نتفاعَلُ معَ أفعَالِ الصَّلاةِ بأركانِها وحَرَكاتِها التي تتضَمَّنُ إيحاءً روحيّاً يُثيرُ الخُشوعَ في القَلبِ فيسمو ويَتَسامَى فتنتَشِي النَّفسُ سَعادَةً وراحةً، لذا كانَ رسولُ اللهِ-صَلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ- إذا حضرَ وقتُ الصَّلاةِ يقولُ لمؤذِّنِهِ بلال : "أرِحنَا يا بِلال" ، بَل كانَ رسولُ اللهِ-صَلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ- يَعتَبِرُ الصَّلاةَ مَحبوبَتَهُ وقُرَّةَ عَينهِ؛ لِما تَصنَعُهُ (الصَّلاةُ الخاشِعَةُ ) في باطِنِ الإنسانِ المؤمِنِ مِن تَغيُّراتٍ إيجابيّةٍ كبيرةٍ .

وكذلكَ الصَّومُ حِينَما نتفاعَلُ معَ نِظامِهِ فهوَ يَحظُرُ عَلينا الرَّغباتِ المُعتادَةَ ليُثيرَ في أنفُسِنا تساؤلاتٍ كثيرةً، ونُحَلِّقَ بخَيالِنا نحوَ آفاقٍ رُوحانِيَّةٍ لَذيذَةٍ -خصوصاً إذا اقترَنَ ذلكَ بمُناجَاةِ الخالِقِ العَظيمِ-فإنَّ الشُّعورَ بالرِّضا والسَّكينَةِ لا يوصَفُ كمَا ويتخَلَّصُ المؤمنُ مِن آفاتٍ نفسيّةٍ كالحَسَدِ والغِلِّ والكراهِيَةِ، وهيَ مِن بواعِثِ الاكتئابِ والقَلَقِ والحُزنِ ...وهكذا سائرُ العبادَاتِ الأُخرى تؤثِّرُ أثَرَها الإيجابيَّ أيضاً.