0

بمختلف الألوان
(نحن أمواج من ذات البحر) بضع كلمات كتبت على صناديق مفردات طبية أرسلها الصينيون لإيطاليا لتساعدهم على مصارعة وباء بات يضرب بالكثير من بقاع الأرض. ولعل هذا الموقف جاء مماثلاً للمبادرة (الإنسانية) التي جسدها اليابانيون حين أرسلوا مواد طبية الى الصين لحظة تفشي الوباء عندهم، كتبوا على صناديقها بيتاً من... المزيد
أخر المواضيع


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
من شارع الفراهيدي إلى مؤسسات الدولة: قراءة نقدية في "القوة مقابل القوة" وخطاب التنمية البشرية

منذ 60 دقيقة
في 2026/10/09م
عدد المشاهدات :21
من شارع الفراهيدي إلى مؤسسات الدولة: قراءة نقدية في "القوة مقابل القوة" وخطاب التنمية البشرية
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
09/10/2026
يُعد كتاب "القوة مقابل القوة" للطبيب والكاتب الأمريكي ديفيد ر. هوكينز واحدًا من الكتب التي حققت انتشارًا واسعًا في دوائر التنمية الذاتية والخطاب الروحي المعاصر، وأثارت في الوقت نفسه اعتراضات علمية ومنهجية جوهرية على الأسس التي أقام عليها مؤلفه ما أسماه "مقياس الوعي". فالكتاب لا يكتفي بالحديث عن حالات إنسانية مألوفة، مثل الخوف والغضب والشجاعة والحب والسلام، وإنما يرتبها على سلم رقمي يمتد إلى 1000، ويجعل من الرقم 200 نقطة فاصلة مركزية بين مستويات مختلفة من الوعي والقوة. ويقوم عنوان الكتاب الأصلي على التمييز بين نوعين من القوة: قوة يراها المؤلف أصيلة ونابعة من الحقيقة والوعي، وقوة تقوم على الضغط والسيطرة وفرض الإرادة.
لكن فهم "القوة مقابل القوة" لا يكتمل من دون التوقف أولًا عند المسار الفكري والروحي لمؤلفه؛ فالأفكار التي انتهى إليها هوكينز لم تولد دفعة واحدة، وإنما جاءت في سياق تحولات عميقة مر بها منذ شبابه. فقد نشأ في بيئة مسيحية، لكنه يروي عن نفسه تجارب مبكرة دفعته إلى إعادة النظر في التصور الديني التقليدي. وفي مرحلة من شبابه قاده تأمله في حجم المعاناة الإنسانية إلى رفض فكرة الإله كما تقدمها العقيدة الدينية التي عرفها، فانتقل إلى الإلحاد، ثم إلى اللاأدرية، واتجه خلال دراسته وحياته المهنية إلى العقل والتحليل النفسي والبحث في طبيعة العقل والوعي. ولم يكن ابتعاده عن الدين التقليدي، وفق روايته، نهاية بحثه عن المسألة الروحية، بل بداية لمسار آخر فصل فيه تدريجيًا بين "الدين" و"الروحانية".
وبعد الحرب العالمية الثانية اتجه هوكينز إلى دراسة الطب ثم الطب النفسي والتحليل النفسي، وعمل سنوات طويلة في هذا المجال. ويذكر في سيرته الذاتية أنه ظل خلال تلك المرحلة لاأدريًا، وأن المحلل النفسي الذي تدرب على يديه في جامعة كولومبيا كان هو الآخر لاأدريًا، وأن كليهما كان ينظر نظرة نقدية إلى الدين التقليدي. لكن التحول الأكبر، بحسب روايته الشخصية، وقع عندما بلغ الثامنة والثلاثين ومر بأزمة مرضية حادة اعتقد معها أنه يقترب من الموت؛ عندها لجأ إلى الله طالبًا العون، ثم وصف ما أعقب ذلك بأنه تحول داخلي هائل اختفت فيه، بحسب تعبيره، الذات الفردية لتحل محلها خبرة روحية بـ"حضور" لا متناهٍ. وهذه تجربة ذاتية يرويها هوكينز عن نفسه، وليست واقعة علمية قابلة للتحقق المستقل، لكنها مهمة لفهم المنطلق الذي تشكلت منه فلسفته اللاحقة.
ومن هنا أخذ مساره يتحول من الطبيب النفسي والباحث في العقل إلى صاحب مشروع روحي يسعى إلى بناء تصور شامل للوعي الإنساني. ولم تكن عودته إلى الإيمان عودة بسيطة إلى الانتماء الديني التقليدي الذي ابتعد عنه، وإنما اتجه إلى تصور روحي يتجاوز، في نظره، الحدود العقائدية والمؤسسات الدينية. ومن هذا المناخ الفكري والروحي نشأت لاحقًا محاولة ترتيب حالات الوعي الإنساني و"معايرتها"، وصولًا إلى المشروع الذي ظهر في "القوة مقابل القوة"، الذي صدر عام 1995 بعد ما وصفه هوكينز بأكثر من عشرين عامًا من البحث في الوعي.
غير أن هذا التحول الفكري والروحي يفتح بابًا آخر للنقد، يتعلق بالأسس العقدية والفلسفية التي تقوم عليها رؤية هوكينز للإنسان والوجود والحقيقة الإلهية. فهو لا يكتفي بالدعوة إلى تهذيب النفس والارتقاء الأخلاقي، بل يقدم تصورًا روحيًا قائمًا على وحدة الوعي واللاازدواجية، ويصف حالة التنوير بأنها انتقال من إدراك الذات الفردية المحدودة إلى إدراك الذات اللامتناهية، حيث تتلاشى ثنائية الأنا والآخر، ويرتبط الوعي الخالص بالمصدر الإلهي للوجود. وهذه التصورات تثير إشكالًا عقديًا جوهريًا عند مقارنتها بالتصور القرآني وفكر أهل البيت عليهم السلام؛ إذ يقوم التوحيد على تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه، وعلى عدم جعل الذات الإنسانية امتدادًا وجوديًا للذات الإلهية أو مساوية لها في حقيقتها. قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى: 11)، وقال سبحانه: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (الإخلاص: 4). ولا يعني ذلك الجزم بأن هوكينز يقرر اتحاد الخالق والمخلوق بالمعنى العقدي الحرفي، وإنما أن لغته الفلسفية في وصف الوحدة والذات اللامتناهية تتجاوز مفهوم الارتقاء الأخلاقي إلى تصور ميتافيزيقي يصعب التوفيق بين بعض دلالاته وبين التوحيد القرآني القائم على التمييز بين الخالق والمخلوق.
ويمتد الاختلاف إلى مصدر المعرفة ومعيار الحقيقة؛ إذ يمنح هوكينز اختبار العضلات وظيفة تتجاوز قياس القوة العضلية إلى الكشف عن صدق الأقوال ومعايرة مستويات الوعي، بل يستعمله في منظومته للحكم على قضايا لا تتصل بالوظيفة العضلية أصلًا. وفي المقابل، يؤكد القرآن الكريم ضرورة قيام المعرفة على العلم والدليل، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (الإسراء: 36). ولا يعني ذلك استبعاد الملاحظة والتجربة من مصادر المعرفة، وإنما رفض منح وسيلة غير مثبتة القدرة على الفصل في مسائل تتجاوز مجالها. وهنا يصبح الاعتراض على منهج هوكينز اعتراضًا معرفيًا، فضلًا عن كونه اختلافًا في المنطلقات العقدية.
ويمتد النقاش إلى المسؤولية الأخلاقية؛ فتصنيف الخوف والغضب والذنب ضمن مستويات متدنية من الوعي لا يكفي وحده للحكم على الإنسان أخلاقيًا، لأن هناك فرقًا بين المشاعر التي تنشأ استجابة للظلم وبين الأفعال التي يرتكبها الإنسان بإرادته. فالقرآن الكريم يجعل الاختيار والعمل والمسؤولية عناصر أساسية في تقييم السلوك الإنساني، كما في قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ۝ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (الشمس: 7–8)، وهو معنى ينسجم مع المبدأ المروي عن الإمام الصادق عليه السلام: "لا جبر ولا تفويض، ولكن أمر بين أمرين". وهنا ينبغي ألا يتحول تصنيف الحالات النفسية إلى بديل عن التمييز الأخلاقي بين الظالم والمظلوم، أو بين الفعل المسؤول والاستجابة النفسية التي يولدها ذلك الفعل.
ويظهر اختلاف آخر في مفهوم الكمال الإنساني؛ فبينما ينتهي سلم هوكينز إلى مستويات عليا ترتبط بالتنوير الروحي، لا يجعل التصور القرآني كمال الإنسان نتيجة بلوغه مرتبة رقمية، بل يربطه بالعبودية والتقوى والعمل الصالح والمسؤولية الأخلاقية. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56). ومن ثم فإن موضع النقد ليس سعي الإنسان إلى تهذيب نفسه والارتقاء الروحي، وإنما تقديم هذا الارتقاء ضمن منظومة رقمية تدعي تحديد مستويات الوعي من دون إثبات علمي معتبر لصلاحية القياس. وهكذا فإن فلسفة هوكينز تثير، إلى جانب الاعتراض العلمي على أدواتها، أسئلة عقدية ومعرفية وأخلاقية مهمة عند النظر إليها من منظور القرآن الكريم وفكر أهل البيت عليهم السلام.
وهنا ينبغي الفصل بين أمرين كثيرًا ما يختلطان عند قراءة هوكينز: حق الإنسان في أن تكون له تجربة روحية خاصة، وأن يبني عليها فلسفته الشخصية، شيء؛ وتحويل تلك التجربة إلى منظومة قياس تدعي تحديد مستويات الوعي الإنساني بأرقام محددة شيء آخر تمامًا. فالتجربة الروحية، مهما كانت عميقة بالنسبة إلى صاحبها، تظل خبرة ذاتية؛ أما حين تتحول إلى أرقام ومقاييس وادعاءات قابلة للتعميم على البشر، فإنها تدخل ميدانًا مختلفًا، ويصبح من المشروع إخضاعها لشروط الإثبات العلمي.
ومن هذا الاختلاف في المنطلقات الفلسفية والعقدية ننتقل إلى السؤال العلمي: هل يمتلك هوكينز أصلًا أداة صالحة لقياس ما يسميه مستويات الوعي؟
فعندما نتحدث عن الحب والخوف والغضب والشجاعة بوصفها حالات إنسانية أو مفاهيم أخلاقية ونفسية، فإننا نتحرك في مجال يمكن للفلسفة وعلم النفس والأخلاق أن تناقشه كل بأدواته. لكن عندما نضع لهذه الحالات أرقامًا محددة، فإننا ننتقل من الوصف والتأمل إلى الادعاء بالقياس. والقياس في العلم ليس استعارة لغوية، وإنما عملية تقتضي تحديد ما الذي يُقاس، وتعريفه إجرائيًا، وتحديد أداة القياس ووحدته، ثم تمكين باحثين مستقلين من تكرار العملية والحصول، ضمن حدود الخطأ المعروفة، على نتائج متقاربة.
ومن هنا تبرز الأسئلة التي يصعب تجاوزها: ماذا يعني علميًا أن تكون حالة إنسانية عند 200، وأخرى عند 500، وثالثة عند 600؟ وما الكمية التي تمثلها هذه الأرقام؟ وما وحدتها؟ وبأي جهاز قِيست؟ وكيف يمكن لباحث مستقل أن يعيد القياس ويتحقق من النتيجة؟
يعتمد هوكينز في جانب أساسي من منظومته على اختبار العضلات بوصفه وسيلة للوصول إلى إجابات تتجاوز، في تصوره، المعرفة الواعية للفرد. وهنا ينبغي التمييز بين اختبار القوة العضلية في مجاله العضلي والهيكلي، وهو مجال له استخداماته السريرية المعروفة، وبين نقله إلى مجال مختلف تمامًا ليصبح أداة للكشف عن "الحقيقة" أو معايرة الوعي أو الحكم على قضايا لا تقيسها العضلة في الأصل. فالدراسات التي اختبرت مثل هذه الاستخدامات غير العضلية لم توفر أساسًا تجريبيًا موثوقًا يسمح بتحويل استجابة عضلية إلى أداة لقياس الحقيقة أو تحديد مستويات الوعي الإنساني. والفارق هنا جوهري بين قياس وظيفة عضلة وبين تحميل استجابتها معنى معرفيًا وروحيًا يتجاوز ما تستطيع التجربة العلمية إثباته.
ومن ثم فإن الاعتراض على "القوة مقابل القوة" لا ينبغي أن يبدأ من رفض القيم التي يتحدث عنها الكتاب. ليس الاعتراض على القول إن الحب أفضل من الكراهية، أو إن الشجاعة أفضل من الخوف، أو إن السلام الداخلي قد يكون أفضل للإنسان من العيش في حالة غضب دائم. فهذه أفكار أخلاقية وفلسفية سبقت هوكينز بقرون طويلة، ويمكن مناقشتها وقبول بعضها أو رفض بعضها من دون الحاجة إلى سلم يبدأ من الصفر وينتهي بألف.
المشكلة تبدأ عندما تُمنح هذه الحالات أرقامًا محددة، ثم تظهر هذه الأرقام كما لو أنها نتائج قياس موضوعي.
فالرقم لا يصنع العلم.
يمكن لأي منظومة فكرية أن ترتب الفضائل والرذائل وأن تضع بعضها فوق بعض، لكن تحويل الترتيب إلى سلم عددي لا يمنحه تلقائيًا صفة القياس العلمي. وإذا قيل إن الشجاعة تقع عند 200، والحب عند مستوى أعلى، والسلام عند مستوى أعلى منه، فإن السؤال العلمي ليس: هل نحب الشجاعة والحب والسلام؟ بل: ما التجربة التي أثبتت أن هذه الحالة تقع عند هذا الرقم تحديدًا؟ ولماذا ليست عند 190 أو 240 أو 517؟ وما الذي تعنيه المسافة العددية أصلًا بين حالة وأخرى؟
وهذه ليست ملاحظة شكلية، لأنها تمس الأساس الذي يمنح منظومة هوكينز جزءًا كبيرًا من مظهرها العلمي.
غير أن الإشكالية تصبح أكثر خطورة عندما تغادر هذه الأفكار مجال التأمل الروحي والفردي وتدخل مجال تفسير المجتمع.
فالإنسان يستطيع أن يراجع نفسه، وأن يتعلم السيطرة على غضبه، وأن يحاول تجاوز الخوف والكراهية، وأن يبحث عن السلام الداخلي. وقد تكون لهذه الممارسات قيمة نفسية أو أخلاقية بالنسبة إليه. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول فلسفة إصلاح الذات إلى فلسفة لتفسير البطالة والفقر والفساد والعنف والظلم وسوء الإدارة.
عندها ينبغي أن نسأل: أين تنتهي مسؤولية الفرد وأين تبدأ مسؤولية النظام؟
لنفترض أن شابًا تخرج في الجامعة ولم يجد فرصة عمل. يمكن أن يُقال له إن عليه تغيير نظرته إلى الحياة، والتخلص من الأفكار السلبية، وزيادة ثقته بنفسه، وربما يساعده بعض ذلك نفسيًا. لكن أي قدر من التفكير الإيجابي لا يستطيع أن يلغي السؤال الاقتصادي: هل توجد فرص عمل أصلًا؟ ولا السؤال السياسي: ما السياسات التي أنتجت البطالة؟ ولا السؤال المؤسسي: هل توجد علاقة سليمة بين التعليم وسوق العمل؟
وإذا دخل مواطن مستشفى ولم يجد الدواء، فقد تساعده حالته النفسية الجيدة على تحمل المرض، لكنها لن تخلق الدواء المفقود في صيدلية المستشفى.
وإذا عاش في مدينة تعاني انقطاع الكهرباء أو الماء أو تردي الخدمات، فإن تدريبه على السيطرة على غضبه لن ينتج ميغاواطًا واحدًا من الكهرباء، ولن يصلح محطة توليد، ولن يمد أنبوب ماء.
هنا يظهر الخطر في نقل فلسفة إصلاح الذات إلى تفسير المجتمع: أن تتحول المشكلة العامة إلى مشكلة فردية، وأن ينتقل السؤال من المؤسسة إلى المواطن، ومن السياسة إلى النفس، ومن المسؤول عن الفشل إلى المتضرر منه.
ويمكن دفع هذا المنطق إلى اختبار أخلاقي أكثر قسوة.
إذا تعرض إنسان أو أحد أفراد أسرته لاعتداء أو اغتصاب، فمن الطبيعي أن يولد ذلك الخوف والغضب والرفض. فإذا أصبحت المشاعر السلبية في ذاتها علامة على مستوى أدنى من الوعي، بينما ارتبط القبول والتسامح بمستويات أعلى، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس عن "طاقة" الضحية، بل عن طبيعة المعيار الذي نقيسها به: هل نقيس استجابة الضحية إلى الاعتداء، أم نبحث أولًا عن المعتدي ونحاسبه؟
وهذا المثال ليس قولًا لهوكينز، ولا ينبغي أن يُنسب إليه. إنه اختبار نقدي لمنطق الفكرة عندما ندفعها إلى نتائجها الممكنة خارج المجال الفردي الذي نشأت فيه.
وهنا يصبح العراق مختبرًا شديد الدلالة لهذا السؤال.
فالعراقي الذي عاش عقودًا من الحروب والحصار والاحتلال والعنف والإرهاب والأزمات الاقتصادية والفساد وضعف المؤسسات لا يعيش داخل مختبر نفسي معزول عن التاريخ والسياسة والاقتصاد. وما تعرض له المجتمع العراقي لا يمكن اختزاله في مجموع الحالات النفسية لأفراده.
عندما يغضب المواطن من الفساد، لا يكفي أن نسأل كيف يدير غضبه؛ ينبغي أن نسأل أيضًا لماذا يوجد الفساد ومن المسؤول عنه.
وعندما يحتج على تردي الخدمات، لا يكفي أن نصنف حالته النفسية؛ ينبغي أن نسأل: هل الخدمات التي يطالب بها حق؟ ومن المسؤول عن توفيرها؟
وعندما يعترض الخريج على البطالة، فإن تحليل إحباطه لا يغني عن تحليل الاقتصاد.
وعندما يحتج المجتمع على الظلم، فإن الغضب ليس بالضرورة حالة ينبغي التخلص منها؛ فقد يكون، في بعض الظروف، استجابة أخلاقية لوجود ظلم ينبغي تغييره.
وهنا يوجد فارق جوهري بين تهذيب الغضب وإلغاء أسباب الغضب.
الأول شأن نفسي وأخلاقي وفردي، أما الثاني فشأن سياسي واقتصادي ومؤسسي. والخلط بين الاثنين قد يسمح بتحويل فلسفة تطوير الذات، ولو من دون تصريح بذلك، إلى وسيلة لنزع السياسة من المشكلات السياسية، ونزع المسؤولية من المؤسسات وإعادتها إلى الفرد.
ومن هذه الزاوية تحديدًا ينبغي النظر إلى الطريقة التي تجد بها أفكار "القوة مقابل القوة" طريقها إلى المجتمع العراقي.
فالمفارقة التي تستحق التوقف عندها أن كتابًا تواجه مرتكزاته الأساسية، ولا سيما "مقياس الوعي" وإسناد قيم عددية محددة إلى الحالات الإنسانية والاعتماد على اختبار العضلات، اعتراضات علمية ومنهجية جوهرية، يجد في العراق أرضًا خصبة للترويج لأفكاره، لا في فضاءات القراءة الشخصية فحسب، بل تحت مظلة "التنمية البشرية"، وعبر نشاط يصل إلى داخل مؤسسات الدولة.
وهذا ليس استنتاجًا قائمًا على متابعة بعيدة أو افتراض نظري، ولا يتعلق بمحاضرة خاصة أو لقاء مغلق. فقد حضر كاتب هذه السطور، في شارع الفراهيدي في البصرة، محاضرتين عامتين مفتوحتين للجمهور، الأولى مساء الجمعة 25 أيلول/سبتمبر 2026، والثانية مساء الجمعة 2 تشرين الأول/أكتوبر 2026، في الساعة الثامنة مساءً، ضمن سلسلة من المحاضرات التي تعقد في المكان نفسه أيام الجمعة. وكان كتاب "القوة مقابل القوة" وأفكاره محورًا للترويج والنقاش في هاتين المحاضرتين تحت مظلة "التنمية البشرية".
وتكتسب هذه الواقعة دلالة أكبر من مجرد حضور محاضرتين؛ إذ أوضح المحاضر نفسه أن هذا النشاط لا يقتصر على المحاضرات العامة في شارع الفراهيدي، بل أشار إلى تقديم مثل هذه الندوات داخل مؤسسات الدولة أيضًا. وبذلك لا نكون أمام قارئ أعجبه كتاب فقرر مناقشته مع مجموعة من المهتمين، ولا أمام محاضرة فردية معزولة، وإنما أمام نشاط ترويجي متكرر، بحسب ما أقر به أحد القائمين عليه، يجد طريقه من الفضاء العام إلى فضاءات مؤسساتية يفترض، بحكم طبيعتها، قدرًا أكبر من التدقيق فيما يقدم تحت سقفها.
وهنا تظهر مفارقة أكثر عمقًا: فالأفكار التي لا تستطيع اكتساب شرعيتها من الاختبار العلمي قد تكتسب لدى الجمهور شرعية بديلة من المؤسسة التي تستضيفها.
حين يسمع المتلقي حديثًا عن "مقياس الوعي" و"مستويات الطاقة" داخل مؤسسة رسمية، وتحت عنوان يبدو حديثًا وجذابًا مثل "التنمية البشرية"، فقد لا يسأل عن المختبر الذي أثبت هذه الأرقام، ولا عن قابلية المقياس للتكرار، ولا عن الدراسات المستقلة التي تحققت منه؛ لأن اسم المؤسسة ومكان انعقاد الندوة قد يمنحان الفكرة في ذهنه سلطة معرفية لم تحصل عليها من البرهان العلمي نفسه.
وهنا يصبح السؤال العراقي أكثر إلحاحًا: كيف تجد منظومة تواجه اعتراضات علمية ومنهجية أساسية أرضًا خصبة للترويج داخل مجتمع ومؤسسات يفترض أنها تحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى ترسيخ التفكير العلمي والنقدي؟
ومن ينظم هذا النشاط؟ ومن يختار موضوعاته ومحاضريه؟ ومن يتيح له الدخول إلى مؤسسات الدولة؟ وما المعايير العلمية التي تخضع لها المادة قبل تقديمها؟ ومن يمول هذه الأنشطة إن كان لها تمويل؟ ولماذا يحظى هذا النوع من الخطاب بهذا الحضور المتكرر؟
إننا هنا لا نستنتج وجود الترويج من مضمون الكتاب، بل نتحدث عن نشاط عاينه كاتب هذه السطور بنفسه في مناسبتين متتاليتين، وعن امتداده إلى مؤسسات الدولة استنادًا إلى ما صرح به المحاضر نفسه. أما تحديد الجهات المنظمة، ومصادر التمويل إن وجدت، وطبيعة الأهداف التي تسعى هذه الأنشطة إلى تحقيقها، فيحتاج إلى تتبع مستقل. لكن عدم معرفتنا حتى الآن بمن يقف في نهاية السلسلة لا يلغي حقيقة وجود السلسلة، ولا يعفينا من السؤال عن الغاية من استمرارها واتساعها.
والسؤال عن وظيفة هذا الخطاب يمكن طرحه حتى قبل معرفة مموله.
فإذا كان هذا الخطاب يدفع الإنسان باستمرار إلى البحث عن أصل المشكلة في داخله، ويجعل تغيير الذات المدخل الأساسي لتغيير الواقع، فإن نقله إلى مجتمع يعاني أزمات بنيوية يفرض سؤالًا لا يمكن تجاهله: ماذا يحدث عندما يقال للمواطن الذي يعاني البطالة والفقر وضعف الخدمات والفساد إن عليه أن يبدأ بتغيير نفسه ووعيه وطريقة استجابته للواقع؟
هل يؤدي ذلك إلى مواطن أكثر قدرة على تغيير واقعه، أم إلى مواطن أكثر قدرة على التكيف معه؟
وهنا ينبغي رسم خط واضح بين تنمية الإنسان وترويضه.
فالتنمية الحقيقية توسع معرفة الإنسان، وتنمي قدرته على التفكير النقدي، وتساعده على فهم الأسباب التي تصنع واقعه، وتمنحه أدوات أفضل لاتخاذ القرار والمشاركة في تغييره.
أما الخطاب الذي ينقل مركز المشكلة من المؤسسة التي أخفقت إلى المواطن الذي تضرر من إخفاقها، فقد يؤدي، بصرف النظر عن النيات المعلنة لمن يقدمه، وظيفة مختلفة تمامًا: أن يتعلم الإنسان كيف يتكيف مع الخلل بدل أن يسأل عمن صنعه وكيف يمكن إصلاحه.
ومن هنا لا يعود السؤال عن انتشار هذه الأفكار داخل مؤسسات الدولة سؤالًا ثقافيًا هامشيًا.
فالدولة ليست مسؤولة عن تحديد الكتب التي يقرأها مواطنوها، ولا ينبغي لها أن تكون كذلك. والناس أحرار في قراءة هوكينز أو نقده أو الإعجاب به أو رفضه. لكن الأمر يختلف عندما تدخل المادة إلى مؤسسة رسمية وتقدم عبر نشاط منظم؛ فالمؤسسة عندها لا تمارس رقابة على أفكار الناس، وإنما تتحمل مسؤولية مهنية عن المادة التي تمنحها منبرًا وغطاءً مؤسساتيًا.
والأمر نفسه ينطبق على منظمات المجتمع المدني التي تقدم مثل هذه البرامج. فصفة "منظمة مجتمع مدني" لا تمنح المحتوى حصانة من النقد، كما أن عنوان "التنمية البشرية" ليس شهادة علمية. وكل جهة تقدم مادة إلى الجمهور مطالبة بأن تميز بين الرأي الفلسفي والادعاء العلمي، وبين التأمل الروحي والقياس التجريبي.
المشكلة، في نهاية المطاف، ليست في دعوة هوكينز الإنسان إلى تجاوز الخوف أو الكراهية، وليست في بحث الإنسان عن السلام الداخلي أو المعنى الروحي لحياته. ولا ينبغي للنقد العلمي أن يتحول بدوره إلى سلطة تمنع الإنسان من التأمل أو الإيمان أو البحث عن المعنى.
المشكلة تبدأ عندما يرتدي التأمل الفلسفي ثوب القياس العلمي من دون أن يمتلك شروطه.
وتصبح أكثر خطورة عندما تنتقل هذه اللغة من تفسير الفرد إلى تفسير المجتمع.
وتصبح أكثر حساسية عندما تجد طريقها، تحت عناوين براقة، إلى مؤسسات يفترض أن تكون منابر للمعرفة والتفكير النقدي.
وفي العراق يصبح السؤال أكثر وضوحًا:
هل نحتاج إلى مواطن أقل غضبًا، أم إلى أسباب أقل تدفعه إلى الغضب؟
السؤال لا يعني تمجيد الغضب. فالغضب الأعمى قد يهدم، والكراهية قد تدمر صاحبها ومجتمعه. لكن بين تمجيد الغضب وتجريمه مساحة واسعة اسمها الوعي النقدي: أن يعرف الإنسان لماذا يغضب، وما الأسباب التي أنتجت المشكلة، وعلى من تقع المسؤولية، وكيف يحول اعتراضه من انفعال عابر إلى فعل مدني وقانوني واعٍ يسعى إلى الإصلاح.
وهنا يمكن إعادة طرح مفهوم "القوة" نفسه.
فقوة المجتمع لا تقاس باختبار عضلة، ولا برقم على سلم يمتد إلى ألف، ولا بقدرته على احتمال الخلل وهو يقنع نفسه بأنه تجاوز المشاعر السلبية.
قوة المجتمع تقاس أيضًا بقدرته على معرفة أسباب أزماته، ومساءلة مؤسساته، ومحاسبة من يسيء استعمال السلطة، والدفاع عن حقوق أفراده، وتحويل الغضب من انفعال مدمر إلى وعي ومشاركة وإصلاح.
فالوعي الذي لا يرى الظلم ليس بالضرورة وعيًا أعلى.
والسلام الذي يتحول إلى تعايش مع الفساد ليس بالضرورة فضيلة.
والقبول الذي يعفي المسؤول من المسؤولية ليس قوة.
وفي مجتمع يبحث منذ سنوات عن دولة قادرة على حماية حقوق مواطنيها وتوفير شروط الحياة الكريمة لهم، ربما يكون أخطر تحول يمكن أن يصيب مفهوم التنمية هو أن تتحول من أداة تمنح الإنسان القدرة على تغيير واقعه إلى خطاب يقنعه بأن كل ما يحتاج إليه لتغيير العالم هو أن يغير نفسه، بينما يبقى العالم الذي صنع معاناته كما هو.


اعضاء معجبون بهذا

التنسيق بين السياسة المالية والنقدية في مواجهة تداعيات ارتفاع سعر صرف الدولار في العراق
بقلم الكاتب : د. ضياء احمد حسين
لمواجهة الأسباب الفعلية للأزمة الاقتصادية والحد من تداعياتها تبرز ضرورة تبني سياسات اقتصادية متكاملة قادرة على معالجة الاختلالات التي تنعكس بصورة مباشرة على مستوى معيشة المواطن العراقي إذ إن آثار سياسات (الجهات الحكومية) و ( البنك المركزي) الاقتصادية لا تقتصر على الآثار الآنية وإنما قد تمتد لفترات... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

في صباحٍ بغداديٍّ مثقلٍ برائحة الغبار والدخان، دخل إلى دار الأستاذ هشام طفلٌ لا... المزيد
شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن ... المزيد
كانت غرفته في الفندق تشبه عمرًا منسيًا؛ جدران باهتة، أثاث متهالك، سرير يئنّ كلما... المزيد
لم يرغبوا في إيقاظها اليوم كما أشار عليهم خالهم، علّها تستغرق في النوم كي ترتاح... المزيد
في غياهبِ تلكَ الناحيةِ العتيقة، كان يربضُ "البيتُ العظيم"؛ صرحٌ باذخٌ يمتدُّ على... المزيد
لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا... المزيد
قالَ له: - لماذا لا تحضر مجالس الإمام الحسين عليه السلام .. لقد ذُكـرت في المحاضرة روايات كثيرة...
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر، يتقشّر...
على مقعد خشبّي عتيق في زاوية مخفية من "مقهى الأسطورة"، جلس الأربعيني يلوذ بصمتِ الجدران. كان...
الواحد هو مفتتح العدد (واحد، اثنان، ثلاثة)، ويدل على التفرّد مع إمكانية وجود ثانٍ من جنسه...


منذ 3 ايام
2026/10/06
يُعد خزن مياه الأمطار من الأساليب المهمة في استثمار الموارد المائية، لأنه يسمح...
منذ 3 ايام
2026/10/06
الأرق ليس مجرد عدم القدرة على النوم، بل هو حالة تتداخل فيها الكيمياء العصبية مع...
منذ اسبوعين
2026/09/28
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء مائة وثمانية عشر: مبدأ التكافؤ الضعيف: من سقوط...