0

بمختلف الألوان
(ان الاشياء القابلة للتسويق شملت أكبر من المنتجات والخدمات، اذ يمكن أن يسوق الانسان، الناس والافكار والتجارب والمنشآت). الى هنا تنتهي عبارة الاب الروحي للتسويق الحديث فيليب كوتلر في كتابه الشهير "كوتلر يتحدث عن التسويق" ، وليست هذه الرؤية بمنعى من المعاني الا تجسيداً لما يجري في العالم ، ولا... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
الآثار الوضعية للذنوب... براءة النبيّ الأكرم من سيء الخلق (72)

منذ 1 ساعة
في 2026/10/07م
عدد المشاهدات :12

حسن الهاشمي
لم يكن رسول الله محمد (ص) معلّمًا للأحكام فحسب، بل كان مدرسةً متكاملةً في بناء الإنسان، وكان خُلُقه الشريف ترجمانًا حيًّا لرسالته، حتى شهد له القرآن الكريم بقوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) القلم: 4. فكان (ص) رحمةً تمشي بين الناس، وحلمًا عند الغضب، وعفوًا عند المقدرة، ولينًا في المعاملة، حتى اجتمعت حوله القلوب، وائتلفت به النفوس.
ومن هنا نفهم عظمة قوله (ص): (ثلاث من لم تكن فيه فليس منّي، ولا من الله عزّ وجلّ، قيل: يا رسول الله، وما هنّ؟ قال: حلم يردّ به جهل الجاهل، وحسن خلق يعيش به في الناس، وورع يحجزه عن معاصي الله عزّ وجلّ) الخصال للصدوق، ص146. إن هذا الحديث يرسم ملامح الشخصية التي يريدها الإسلام؛ فالحِلم يواجه جهل الجاهل، وحسن الخلق يجعل الإنسان صالحًا للعيش مع الناس، والورع يحجزه عن حدود الله، وإذا كان النبي الأكرم قد جعل حسن الخلق في هذا المقام من مقومات الانتماء إلى منهجه، فإن سيئ الخلق يقف على الضفة المقابلة لهذا الهدي؛ إذ كيف يقتدي الإنسان برسول الرحمة، ثم يجعل بيته ومجتمعه ميدانًا لغضبه وغلظته وأذاه؟
الحديث الشريف من النصوص البليغة في بيان مقومات الشخصية المؤمنة، ولا سيما أن النبي الأكرم جعل حسن الخلق واحدًا من ثلاثة أمور تبلغ من الأهمية أن فاقدها يكون بعيدًا عن خط الرسالة، وهذه الخصال الثلاث ترسم للإنسان المؤمن ثلاثة حواجز تحفظ شخصيته ودينه وعلاقاته:
أولها: الحِلم؛ فهو القوة التي تمنع الإنسان من الانفعال أمام إساءة الجاهل، فلا يقابل الجهل بالجهل، ولا الغضب بالغضب، بل يملك نفسه ويضع الأمور في مواضعها، ولذلك قال (ص): "حِلمٌ يَرُدُّ به جهلَ الجاهل".
وثانيها: حُسن الخُلق؛ وهو الذي يجعل الإنسان قادرًا على العيش مع الناس بسلام ومودة واحترام، فليس الدين صلاةً وصيامًا فحسب، وإنما يظهر أثره في طريقة تعامل الإنسان مع أهله وأصدقائه وجيرانه وزملائه، ولذلك جاء التعبير النبوي الدقيق: "وحسن خلق يعيش به في الناس"؛ لأن الإنسان لا يعيش منعزلًا، وإنما يعيش في شبكة من العلاقات، وحسن الخلق هو الذي يحفظ هذه العلاقات من التصدع.
وثالثها: الورع؛ وهو الضابط الداخلي الذي يحجز الإنسان عن ارتكاب المعصية، فإذا كان الحلم يحفظه عند الاحتكاك بالناس، وحسن الخلق يصلح علاقته بهم، فإن الورع يحفظ علاقته بالله تعالى.
ومن هنا يتضح أن الحديث يجمع إصلاح الداخل وإصلاح العلاقة بالله وإصلاح العلاقة بالناس: الحِلم عند الغضب، وحسن الخلق في المعاشرة، والورع عند دواعي المعصية.
واللافت أن النبي (ص) لم يقل: حسن خلق يتعامل به مع الناس، وإنما قال: "يعيش به في الناس"؛ وكأن حسن الخلق ليس تصرفًا عابرًا، بل منهج حياة، فالإنسان قد يمتلك العلم والمال والمنزلة الاجتماعية، ولكن إذا كان سيئ الخلق، ضاق به الناس ونفروا منه، وربما تحولت فضائله الأخرى إلى حاجز يمنع الناس من الانتفاع به.
إن سوء الخلق لا يبدأ دائمًا بجريمة كبيرة؛ فقد يبدأ بكلمة قاسية، أو نظرة مستعلية، أو عبوس دائم، أو غضب لا يضبطه عقل ولا دين، ثم يتسع حتى يصبح طبعًا ملازمًا لصاحبه، وحينئذٍ تتحول الحياة معه إلى مشقة، ويصبح القريب منه أكثر الناس تألمًا من أخلاقه.
ولذلك جاء القرآن الكريم يربط نجاح الرسالة بحسن الخلق، فقال تعالى مخاطبًا نبيّه الكريم: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) آل عمران: 159. فاللين لم يكن ضعفًا، والحلم لم يكن عجزًا، والعفو لم يكن نقصًا؛ بل كانت تلك الأخلاق من أسباب اجتماع الأمة حول الرسول الأكرم.
وما أحوج الإنسان اليوم إلى هذه الحقيقة! فقد يستطيع المرء أن يكسب الناس بعلمه أو ماله أو منصبه، ولكنه لا يستطيع أن يحتفظ بهم طويلًا إذا كان سيئ الخلق، وربما كان الإنسان عظيم المكانة عند الناس، كثير العبادة، واسع المعرفة، لكن سوء خلقه مع أهله وأبنائه وإخوانه يجعل أقرب الناس إليه أبعدهم عن قلبه.
إن الأخلاق هي الاختبار الحقيقي الذي تظهر فيه حقيقة التربية الإيمانية، فالإنسان قد يطيل الوقوف في المحراب، ولكن الامتحان يظهر حين يُستفز؛ وقد يتحدث طويلًا عن الصبر، ولكن الصبر الحقيقي يظهر حين يُساء إليه؛ وقد يحفظ النصوص في حسن الخلق، ولكن صدقها يظهر حين يتعامل مع زوجته وأطفاله وجيرانه وزملائه.
ومن هنا كانت براءة النبي الأكرم من سيئ الخلق براءةً في المنهج والسلوك؛ فالنبي الذي قال: "وحسن خلق يعيش به في الناس" لا يمكن أن تكون القسوة والفظاظة والغضب والأذى عنوانًا لمن يريد أن يسير في طريقه، فكلما اقترب الإنسان من أخلاق النبي (ص) اقترب من روح الرسالة، وكلما استسلم لسوء الخلق ابتعد عن ذلك النور الذي جاء به رسول الله (ص).
وحسن الخلق ليس أن يكون الإنسان لطيفًا مع الغرباء ثم قاسيًا مع أهله؛ فالمعيار الحقيقي للأخلاق يظهر في البيت، حيث تسقط المجاملات، وتظهر حقيقة النفس، ومن كان رحيمًا بالبعيد وقاسيًا بالقريب، فقد جعل أقرب الناس إليه يدفعون ثمن سوء خلقه، فالبيت الذي يسكنه حسن الخلق يصبح موطنًا للسكينة، بينما يتحول البيت الذي يسكنه الغضب والصراخ والإهانة إلى مكان يهرب منه أهله ولو بقيت جدرانه قائمة، ولذلك فإن حسن الخلق ليس زينةً اجتماعية، بل هو حفظ للأسرة، وصيانة للمودة، وتربية للأبناء، وحماية للمجتمع من التفكك.
إن رسول الله (ص) لم يترك لنا نموذجًا نظريًا للأخلاق، بل ترك سيرةً تمشي على الأرض؛ فإذا أردنا أن نعرف معنى الحلم فلننظر إلى حلمه، وإذا أردنا أن نعرف معنى الرحمة فلننظر إلى رحمته، وإذا أردنا أن نعرف معنى حسن الخلق فلننظر إلى معاملته للناس، فطوبى لمن جعل أخلاق النبي (ص) ميزانًا لأخلاقه، فإذا غضب تذكّر حلمه، وإذا أُسيء إليه تذكّر عفوه، وإذا تعامل مع الناس تذكّر قوله: "وحسن خلق يعيش به في الناس".
إن أعظم برهان على محبة النبي الأكرم ليس كثرة الكلام في محبته، وإنما أن يرى الناس من أخلاقنا شيئًا من أخلاقه، فالنبي (ص) رحمة، ومن أراد الاقتداء به فليكن رحيمًا؛ والنبي (ص) حليم، فليكن حليمًا؛ والنبي (ص) صاحب خلق عظيم، فلا يليق بمن ينتسب إلى مدرسته أن يجعل سوء الخلق عنوانًا لشخصيته.
يمكن القول إن سوء الخلق ليس مجرد عيب اجتماعي، بل هو نقيض واضح للمنهج النبوي؛ فالمؤمن الذي يريد الاقتداء برسول الله (ص) لا يكفيه أن يكثر من العبادات مع إساءة معاملته لأهله وإخوانه ومجتمعه، بل لا بد أن تظهر آثار الإيمان في أخلاقه وسلوكه.
وقد روي عن رسول الله (ص) في الحث على مكارم الأخلاق: (إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق) بحار الأنوار للمجلسي، ج 16، ص 210. وهو مضمون ينسجم مع جوهر الرسالة النبوية في تزكية الإنسان وإصلاح سلوكه، ومن أجمل ما يقال في هذا الباب: إن النبي الأكرم كان قرآنًا يمشي بين الناس بأخلاقه؛ فمن أراد أن يكون قريبًا من سنته، فليكن قريبًا من أخلاقه، ومن أبعد الناس عن أخلاقه سوء الخلق، مهما كثرت مظاهر العبادة في حياته.
فحسن الخلق ليس نافلةً في شخصية المؤمن، وإنما هو عنوان صدق الاقتداء بالنبي (ص)، وجسرٌ إلى محبة الناس، وسببٌ في صلاح الأسرة والمجتمع، وطريقٌ إلى رضا الله تعالى، أما سوء الخلق فإنه يوحش القريب، وينفّر البعيد، ويهدم في لحظات ما قد يبنيه الإنسان في سنوات من العبادة والعمل.

اعضاء معجبون بهذا

موعد مع وحدة الهدف: العراق هَمُّنا
بقلم الكاتب : حيدر حسين سويري
يقضي الإنسانُ لياليًّ وأياماً، ساهراً مكباً، يخططُ القيام بعمل ما، أو الإقدام على الدخول في مشروعٍ مُعيَّن، تتزاحم الأفكار حتى يفقد الوعي، ويقع تحت سطوة الإعياء، فتتناثر الخطط وكأن شيئاً لم يكن، حينها وفي فجوةٍ من فجوات زمن اللا تفكير، تلعب الأقدار لعبتها معه. على حين غُرةً، تجري الرياح بما... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن ... المزيد
كانت غرفته في الفندق تشبه عمرًا منسيًا؛ جدران باهتة، أثاث متهالك، سرير يئنّ كلما... المزيد
لم يرغبوا في إيقاظها اليوم كما أشار عليهم خالهم، علّها تستغرق في النوم كي ترتاح... المزيد
في غياهبِ تلكَ الناحيةِ العتيقة، كان يربضُ "البيتُ العظيم"؛ صرحٌ باذخٌ يمتدُّ على... المزيد
لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا... المزيد
قالَ له: - لماذا لا تحضر مجالس الإمام الحسين عليه السلام .. لقد ذُكـرت في المحاضرة... المزيد
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر، يتقشّر...
على مقعد خشبّي عتيق في زاوية مخفية من "مقهى الأسطورة"، جلس الأربعيني يلوذ بصمتِ الجدران. كان...
الواحد هو مفتتح العدد (واحد، اثنان، ثلاثة)، ويدل على التفرّد مع إمكانية وجود ثانٍ من جنسه...
كانت شوارع بغداد تتلوى، تلفظ زفيرها الساخن تحت سياط تموز الذي استحال ذلك العام سوطاً من غيظ....


منذ 1 يوم
2026/10/06
يُعد خزن مياه الأمطار من الأساليب المهمة في استثمار الموارد المائية، لأنه يسمح...
منذ 1 يوم
2026/10/06
الأرق ليس مجرد عدم القدرة على النوم، بل هو حالة تتداخل فيها الكيمياء العصبية مع...
منذ 1 اسبوع
2026/09/28
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء مائة وثمانية عشر: مبدأ التكافؤ الضعيف: من سقوط...