ورد الذكر الحكيم "وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ" في آيات قرآنية قال الله تبارك وتعالى "وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ۖ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ" ﴿البقرة 60﴾، و "وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ" ﴿الأعراف 74﴾، و "وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ" ﴿هود 85﴾، و "وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ" ﴿الشعراء 183﴾، و "وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ" ﴿العنكبوت 36﴾.
جاء في معاني القرآن الكريم عن كلمة العثو: عُثوّ: اسم مصدر عثَا. عَثيَ: فعل عَثِيَ عُثُوًّا، وعُثِيًّا، وعَثَيَانًا. عَثِيَ: عثا. عثِي الظَّالمُ :عثَا، أفسد أشدَّ الإفساد وبالغ في ظلمه وتكبّره وكفره "كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ" (البقرة 60). عَاثَ فِي الْبِلاَدِ فَسَاداً: خَرَّبَ، أَتْلَفَ، نَشَرَ الْفَسَادَ إِنَّهُمْ يَعِيثُونَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً. أفسد، أكثر من فعْل الشَّرِّ. عاث الذِّئبُ في الغنم: ضربها وآذاها، افترسها. عَاثَ الْجَرَادُ فِي الْحُقُولِ: أَفْسَدَهَا وَأَتْلَفَهَا. لعَيْثُ: مصدرُ عاثَ يَعِيثُ عَيْثاً وعُيوثاً وعَيَثاناً أَفْسَدَ وأَخَذ بغير رِفْقٍ. قال الأَزهري: هو الإِسْراعُ في الفَساد. جاء في الشعر: أَفْنَـتْ حُقُولَـكَ آفَـةٌ أَرْضِيَّـةٌ * عَاثَتْ بِهَا وَشِعَـارُها الإصْـلاحُ. عاثت يد الشر بالقطرين وانطلقت * في الأمتين عوادي الدهر والنوب.
قال الله جل جلاله في آيات من سورة هود عن اهل مدين قوم نبي الله شعيب عليه السلام التي تكرر مفاهيم بعض آياتها كما في آيات سورة الاعراف "وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86) قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)" (هود 84-88) ارسل الله تعالى نبي الله شعيب عليه السلام الى اهل مدين، فقال لهم ان يعبدوا الله وحده لا اله غيره، وايفاء الكيل للحاجيات التي يصعب وزنها والميزان للاشياء التي توزن، ولا يبخسوا اي يقللوا من الاشياء التي تكال او توزن عند بيعهم اياها للناس، فان حصل بخس فان ذلك نوع من الفساد في الارض، وتعثوا اي اشد الفساد، والاخ اشارة ان شعيبا انه من اهلها. فان فعلتم الاصلاح فهذا الفعل من افعال المؤمنين الخيرة. من صفات الانبياء عليهم السلام خوفهم على قومهم من ان يصيبهم العذاب كما خاف نبي الله شعيب عليه السلام على قومه من عذاب يوم محيط اي عذاب يحيطكم من جميع الجوانب الذي لا مفر منه لان من افعالهم الفاسدة سرقة المكيال والميزان. ان كل نبي في قومه هو بقيت الله، ووجوده خير لقومه ليحولهم من الكفر الى الايمان، والله تعالى هو حافظهم طالما هم مؤمنين، وان شعيب عليه السلام لا يستطيع حفظهم وانما هو مبلغ لرسالة ربه عز وجل بان يعبدوا الله وحده وان لا يسرقوا الناس بمختلف مللهم حتى ولو كانوا من ملتكم الفاسدة. فرد قومه عليه قائلين: اصلاتك اي كتابك المنزل يأمرك ان نترك ما كان يفعله الآباء من عبادة غير الله تعالى ومن بخس المكيال والميزان اي سرقة جزء من البضاعة، ونتصرف بأموالنا كما نشاء اي يعطونا الناس مال اكثر من قيمة البضاعة، فانك الحليم الرشيد، استهزاءا بشعيب عليه السلام وأقواله. فرد شعيب عليه السلام عليهم قائلا بعد ان جاءتني البينة اي الحجة الواضحة ورزقني بان جعلني اعبده لا اشرك به شيئا وابتعد عن البخس بالمكيال والميزان الذي يؤدي الى الفساد في الارض "وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ" (هود 85) تعثوا اي اشد انواع الفساد في الارض وهي السرقة في بضاعة الناس، والفساد عكس الاصلاح الذي اطلبه منكم.
جاء في تفسير الامثل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: مدين بلدة شعيب: مع انتهاء قصّة قوم لوط تصل النوبة إِلى قوم شعيب وأهل مدين، أُولئك الذين حادوا عن طريق التوحيد وهاموا على وجوههم في شركهم وعبادة الأصنام، ولم يعبدوا الأصنام فحسب، بل الدّرهم والدينار والثروة والمال، ومن أجل ذلك فإنّهم لوثوا تجارتهم الرابحة وكسبهم الوفير بالغش والبخس والفساد. في بداية القصّة تقول الآيات "وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا" (هود 84) وكلمة أخاهم كما أشرنا إِليها سابقاً تستعمل في مثل هذا التعبير لبيان منتهى المحبّة من قِبَل الأنبياء لقومهم، لا لأنّهم أفراد قبيلته وقومه فحسب، بل إِضافةً إِلى ذلك فإنّه يريد الخيرَ لهم. ويتحرق قلبه عليهم، فمثله مثل الأخ الودود. ومدين على وزن مريم اسم لمدينة شعيب وقبيلته، وتقع المدينة شرق خليج العقبة، وأهلها من أبناء إِسماعيل، وكانوا يتاجرون مع أهل مصر ولبنان وفلسطين. ويطلق اليوم على مدينة مدين اسم معّان ولكن بعض الجغرافيين أطلقوا اسم مدين على الساكنين بين خليج العقبة وجبل سيناء. وورد في التوراة أيضاً اسم مديان ولكن تسمية لبعض القبائل، وطبيعي أنّ اطلاق الاسم على المدينة وأهلها أمر رائج. هذا النّبي وهذا الأخ الودود المشفق على قومه كأي نبيّ في أُسلوبه وطريقته في بداية الدعوة دعاهم أوّلا إِلى ما هو الأساس والعماد والمعتقد وهو التوحيد وقال: "يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ" (هود 84). لأنّ الدعوة إِلى التوحيد دعوة إِلى هزيمة جميع الطواغيت والسُنَن الجاهلية ولا يتيسر أيّ إِصلاح اجتماعي أو أخلاقي بدونه. ثمّ أشار إِلى أحد المفاسد الإِقتصادية التي هي من افرازات عبادة الأصنام والشرك، وكانت رائجة عند أهل مدين يومئذ جدّاً، وقال: وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ" (هود 84) أي حال البيع والشراء. والمكيال والميزان من ادوات الوزن يعرف بهما وزن المبيع ومقداره، ونقصانه يعني عدم إِيفاء حقوق الناس والبخس في البيع. ورواج هذين الأمرين بينهم يدل على عدم النظم والحساب والميزان في أعمالهم ونموذجاً للظلم والجور والإجحاف في ذلك المجتمع الثري. ويشير هذا النّبي العظيم بعد هذا الأمر إلى علّتين: العلّة الأُولى: هي قوله "إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ" (هود 84). يقول أوّلا: إِنّ قبول نصحي يكون سبباً لتفتح أبواب الخير عليكم وتقديم التجارة وهبوط سطح القيمة واستقرار المجتمع. ويحتمل أيضاً في تفسير هذه الجملة "إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ" (هود 84) أنّ شعيباً يقول لهم: إِنّي أراكم منعمين وفي خير كثير، فعلى هذا لا مدعاة لعبادة الأصنام وإضاعة حقوق الناس والكفر بدلا من الشكر على نعم الله سبحانه. وثانياً: "وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ" (هود 84) بسبب إِصراركم على الشرك والتطفيف في الوزن وكفران النعمة. وكلمة محيط جاءت صفة ليوم، أي يوم شامل ذو إِحاطة، وشمول اليوم يعني شمول العذاب والعقاب في ذلك اليوم، وهذا التعبير فيه إِشارة إِلى عذاب الآخرة كما يشير إِلى عقاب الدنيا الشامل. فعلى هذا لا أنتم بحاجة إِلى مثل هذه الأعمال، ولا ربّكم غافل عنكم، فينبغي اِصلاح أنفسكم عاجلا.
قال الله تعالى "وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ" (البقرة 60) في الآية الكريمة في قصة موسى عليه السلام اشارة بالمحافظة على الموارد وعدم إهدارها. والفساد في الأرض إما أن يكون مادياً بالتخريب أو التلويث أو الإتلاف، وإما أن يكون معنوياً بالسرقة والبخس كما جاء في قصة سعيب عليه السلام، او بالفساد الخلقي ونشر الرذائل. وكذلك على الناس الحفاظ على الموارد والثروات الطبيعية العامة لكل الناس كما جاء في الحديث الشريف (المسلمون شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْكَلَإِ وَالْمَاءِ وَالنَّار) لان العبث بالموارد نوع من الفساد كما جاء في قصة موسى عليه السلام "َلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ" (البقرة 60).







د.فاضل حسن شريف
منذ 3 ايام
مقبرة الأعياد
المكياج بلا حدود.. ظاهرة متنامية تُقلق القيم وتُنهك الذات
عاشوراء البعثة النبوية
EN