ذكرنا -فيما سبق- أنّ الجهل يشكّل حالةً خطرةً على واقع الحياة الإنسانية، ويقف عثرةً في طريق التعامل مع شُعَب الحياة ومجالاتها الفكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وقلنا إنّ الجهل هو الموت الذي يقضي على كلّ مقوّمات الحياة، لأنّه موتٌ لكلّ قِيمها وحركتها وإبداعاتها، ولولا الجهلُ ما جحد الجاحدون بالله عزّوجلّ وما أشرك المشركون معه أحداً، وقد لا تكون المشكلة في ذات الجهل، لأنّ الجهلَ أمرٌ عَدَميّ، إذ الجهلُ هو عدمُ العلم، أي: عدمُ حضور صورة الشيء في الذهن، والعدمُ لا وجود له خارجيّاً في مقابل الأمور الوجوديّة كما يقرّر المَناطِقة، وإنّما المشكلة في الجاهل.
كما أنّ المشكلة ليست في كلّ جاهل، لأنّ الجاهل العالِم بجهله لا يُسمّى جاهلاً بالمعنى الذي يشكّل سلبية خطرةً على واقع الحياة، لأنّه وإنْ كان جاهلاً فِعْلاً إلّا أنّه عالمٌ بالإمكان، لأنّه يُمكن أنْ يقبل العلم ويتطلّع إليه فيعالج جهله.
لكنّ المشكلة والمأساة الكبرى في الجاهل عندما يتحوّل جهله إلى أمرٍ وجوديّ ذي أثرٍ سلبيّ على الواقع، وذلك عندما يَحسَبُ الجاهل جهله علماً وثقافةً، ويؤسّس عليه قاعدة أو مؤسّسة اجتماعية، ويبني على أساسه مركزاً اجتماعياً أو سياسياً أو إدارياً.
وعندما يتعصّب الجاهل إلى آرائه وأفكاره ومفاهيمه ووجهات نظره ومواقفه، يجعل منْ نفسه مسؤولاً يتفنّن في أساليب الانفلات والتمرّد والاستهانة بالقوانين، والوغول في القتل والجريمة المنظّمة، وعمليات الاختلاس والتزوير والرّشا وغيرها.
ويتعاظمُ الخطر عندما يشكّل الجُهّال أغلبيةً ساحقة في أحد المجتمعات، ويصبح الجاهل منهم قدوةً من القدوات يتمثّله ويتّبعه الكثير من الناس، فيتمسّك التابع في ذلك بحجّة: أنّ الأمر لم يتوقّف عليّ وحدي، وأنّه حشرٌ مع الناس عيد، وهنا يضيع صوتُ العالِم والمفكِّر والمثقَّف والداعية والضمير الإسلامي في خضمّ هذا البحر المتلاطِم، الذي تعوم بين أمواجه السفن والمراكب البشرية.
فالجهلُ المقيت هو العمى الذي يسوق صاحبه وراء كلّ ناعق، ويُجريه مع كلّ فكرة، أو رأي، أو موقف، أو عادة، دون التفكير بما تستبطن هذه التبعيّة منْ سلبيّات ونتائج.
ففي الوقت الذي أراد الله عزّوجلّ من الإنسان أنْ يأخذ بأسباب العلم والمعرفة في كلّ أفكاره ومفاهيمه وآرائه ومواقفه وتصرّفاته، فإنّك تجد كثيراً من الناس يتحرّكون بجهلهم وتعصّبهم ضدّ كلّ قيمةٍ إنسانية وفكرية، ويخوضون في مجاهل الطرق وراء هذا وذاك.
لذا جاءت نصوص الإسلام تؤكّد على أنّ الإنسان المؤمن يفترض أن يمتلك القدرة على التمييز والفرز بين المفاهيم، ويتفادى سلبيّات التبعيّة للآخرين، ويلتزم الحذر من اتّباع الجاهلين، والانسياق وراءهم دون رويّة أو تأمّل فيما يقولون وفيما يعملون، قال تعالى: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) القصص: 55.
جاء عن الإمام علي أمير المؤمنين(عليه السلام) بقوله لكميل بن زياد: (يا كميل، إنّ القلوب أوعية، فخيرها أوعاها، فاحفظ عنّي ما أقول لك: الناس ثلاثة: عالمٌ ربّاني، ومتعلّم على سبيل النجاة، وهمجٌ رعاع أتباع كلّ ناعق، ويميلون مع كلّ ريح، لم يستضيئوا بنور العلم فيهتدوا، ولم يلجأوا إلى ركنٍ وثيق) أبو الحسن الديلمي/ أعلام الدين في صفات المؤمنين: 7/21.
وجاء عنه(عليه السلام) في موضع آخر قوله: (الناسُ أعداء ما جهلوا) محمد الريشهري/ ميزان الحكمة:3/67، وتلتقي هذه الحكمةُ اللامعة مع ما طرحه القرآن الكريم في قوله تعالى: (بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) يونس: 39.
فما أكثر الأمور التي يجهلها الإنسان مهما توقّد ذكاؤه واتّسعت معارفه، وكما نُقل عن افلاطون قوله: (كلّما ازددتُ علماً ازددتُ جهلاً)، ولكن لا ينبغي أن يكون الإنسان صديقاً للجهل، وعدوّاً للمجهول من الحقائق، لأنّه بذلك يبقى أسيراً للجهل مقيماً على ما هو عليه من الأخطاء، تابعاً لأصحاب الزيغ والانحراف والكذب والافتراء، بل عليه أن يكون صديقاً لما يجهله من الأمور لكي يسعى إلى معرفتها بنفسه، وعليه أن يسعى وراء الحقيقة لا وراء الزيف، وأن يكون تابعاً للعلوم والمعارف لا للجهل والزخارف.
لكنّ المؤسف أنّنا نرى العكس، وذلك عندما يكثر جهل الإنسان يكثر عِداؤه للحقيقة المجهولة لديه وتتعاظم مجانبته للحقّ، ولا يسعى باتّجاه التطوير بقدر ما يسعى باتّجاه التزوير، ولا يتحرّك في خطّ التعرّف على الحقائق بنفسه بقدر ما يتحرّك في خطّ الزيف من أفواه الجاهلين والمنحرفين، ويذعن صاغياً لصوت الشبهات في سلوك الأدعياء والمخرّفين، فتنبّهوا يا أولي الألباب..







اسعد الدلفي
منذ 4 ساعات
مقبرة الأعياد
كيف تجتهد في دراستك؟
مخاطر سهولة النشر ومجانية التواصل
EN