الجهلُ عند أهل اللّغة هو نقيضُ العلم، يُقال جَهَلَ فلانٌ جَهْلاً وجهالةً، أي: افتَقَدَ العلم، وجهل عليه: أي إذا تعرّض لجَهْل الجاهل، وتجاهل: أظهَرَ الجهل لغيره وأراه مِنْ نفسه الجهلَ وهو ليس به، واستجهله غيرُهُ: أي عدَّهُ جاهلاً وهو ليس بجاهل.
ولا شكّ أنّ الجهل يشكّل حالةً خطرةً على واقع الحياة الإنسانية، ويقف عثرةً في طريق التعامل مع شُعب الحياة ومجالاتها الفكرية والثقافيّة والاجتماعية والسياسيّة والاقتصاديّة.
لذلك ركّزت النصوصُ الإسلامية سواءً من آيات الكتاب الكريم أو أحاديث السنّة المطهّرة على العلم لتخليص الحياة من آثار الجهل وسلبيّاته كما قال تعالى: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)الزمر: 22.
وقال الله تعالى: (أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا)الأنعام: 122.
وقال صلّى الله عليه وآله: (أفضلُ الأعمالِ العِلْمُ بالله، إنّ العلمَ ينفعُك معه قليلُ العملِ وكثيرُه، وإنّ الجهلَ لا ينفعُك معه قليلُ العملِ ولا كثيرُه)محمد الريشهري - ميزان الحكمة: 2 / 105.
ومن وصايا لقمان الحكيم لابنه أنّه قال له: (يا بنيّ: جالس العلماء، وزاحمْهم بركبتيك، فإنّ الله عزّوجلّ يُحيي القلوب بنور الحكمة كما يُحيي الأرض بوابل السّماء)العلامة المجلسي - بحار الأنوار: 1 / 204.
والمحصّل من هذه النصوص: أنّ العلم هو النورُ الذي يُضيء كافة أنحاء الحياة ومجالاتها، بعد أن ينير زوايا النفس المظلمة، ويحييها كما يُحيي وابلُ السماء الأرضَ الميتة، ويفتح أقفال الفكر الإنساني لاستيعاب الحقائق، ووعي الأسرار والمعاني التي يزخر بها هذا الوجود، لاستثمارها في سبيل بناء الحياة، عندما يتحرّك الفكر تحرّكاً واعياً، لأنّ الحركة مع العلم تختصر الطريق إلى مطامح الإنسان، وتحقّق له ما لا تحقّقه الحركة العشوائية.
أمّا الجهل فهو الموت الذي يقضي على كلّ مقوّمات الحياة، لأنّه موتٌ لكلّ قِيَمِها وحركتها وإبداعاتها، إذ أنّ الجاهل ميتُ القلب والروح، يفسد بجهله أكثر ممّا يصلح، ما لم يتخلّص من ظلمة الجهل بنور العلم، ولله درّ القائل:
وفي الجَهْلِ قبل الموتِ موتٌ لأهلِهِ وأجســامُهـم قبلَ القــبـورِ قــبـورُ
وأرواحُهم في وحشةٍ منْ جسومِهِم فليس لهم حتّى النشورِ نشورُ
فالجهل سببٌ لضلال صاحبه وضلال من اتّبعه من الناس، كما قال: رسول الله صلّى الله عليه وآله: (إنّ الله لا يقبضُ العلمَ انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبضُ العلمَ بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقَ عالمٌ اتّخَذَ الناسُ رؤساءَ جُهّالاً فسُئلوا فافـتوْا بغيرِ علمٍ فضلّوا وأضلّوا)العلامة المجلسي - بحار الأنوار: 2 / 110.
إنّ الشبهات التي يحيكها أهلُ البدع والضلال تتحرّك دائماً تحت مظلّة الجهل لتزعزع إيمانَ الناس، فيرتكب الجاهل الخرافات والبدع التي تهدم دينه وتقوّض أركان عقيدته، كما حصل للأديان الأخرى من تحريفٍ كان سبباً رئيسياً من أسباب الانحراف والضلال.
ففي الحديث المذكور يحثّ رسولُ الله صلّى الله عليه وآله على حفظ العلم والاهتمام بأهله لاتّخاذهم قدوةً في حركة الحياة، ويحذّر من ترؤّس الجهلة، لما في ذلك من الضّرر على الأمّة لأنّ الناس على دين ملوكهم، والمراد من الجهل في قوله: (رؤساء جُهّالاً) هو القدر المشترك بين نوعين من الجهل هما: المركّب والبسيط.
وجاء في الدعاء المرويّ عن النبي صلّى الله عليه وآله: (اللهمّ إنّي أعوذ بك أن أضِلّ أو أُضِلّ، وأَزِلّ أو أُزِلّ، وأظلِمَ أو أُظلَمَ، وأجهَلَ أو يُجهَلَ عَلَيّ، عزّ جارُك، وتقدّست أسماؤك، وجلّ ثناؤك، ولا إله غيرك)العلامة المجلسي - بحار الأنوار: 2 / 62 .
فقوله صلّى الله عليه وآله: (أو أجهل أو يُجهل عليّ) أي: أنْ أفعلَ في الناس فعل الجُهّال من الإيذاء والإضلال، أو يتحرّك الجاهلُ عَلَيّ فيُفسد ما بنيتُهُ ويترصّد لي بالأذى، لأنّ الجهل هو أصلُ كلّ شرّ، فلولا الجهلُ ما جحد الجاحدون بالله عزّوجلّ وما أشرك المشركون معه أحداً، فكلّ فسادٍ وضلال في الأرض لو نقّبت عنْ أسبابه لوجدت الجهل في صدارة هذه الأسباب.
وللحديث بقيّة...







اسعد الدلفي
منذ 4 ساعات
حبوبتي كنداكة
من الذاكرة الرمضانية الكربلائية.. الجزء الاول
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)
EN