تستبطن التبعيّةُ –دائماً– حالةً من القسر والجبر والضغط من حيث يشعر التبعيّ بذلك أو لا يشعر، فالتبعيّة ردّة فعلٍ عمياء لا تتحكّم فيها الإرادة، ولا يحرّكها الوعي ولا الاختيار.
مِثْلُها كما لو اعتدى عليك شخصٌ بكلمةٍ نابية أو ضربة مؤذية، فإنّ ردّة فعلٍ عنيفة ستحدث في نفسك، وستتصرّف تصرّفاً قد لا ترتضيه من نفسك، لأنّه ليس منْ تلقاء ذاتك واختيارك، بل لأنّ المقابل أملى عليك الموقف وألجأك إليه، وبذلك يُصبح هو سيّد الموقف، وهو الذي يتحكّم بك ويقودك إلى هذا التصرّف أو ذاك.
وهكذا ترى كثيراً من الناس من يعيش ويتحرّك كأداةٍ بلا فكر ولا غاية ولا هدف، وهو يُحاكي ويسعى وراء الآخرين في أفكارهم ومعتقداتهم وسلوكهم، وهي حالةٌ منْ حالات العبوديّة والرقّ الفكري للغير.
وبالرغم من أنّك ترى التبعـيّين يتحرّكون بملء حرّيتهم هنا وهناك، ويجوبون العالم في رحلاتهم وتنقّلاتهم بلا قيد ولا ضغط، ولكنّهم –في واقع الأمر– أرقّاء محكومون بالتبعيّة في أفكارهم ومفاهيمهم، وفي مشاعرهم وعواطفهم إلى الآخرين.
لأنّ الحرية ليست في حريّة الحركة والرّحلات والتنقّل والنزهات، بل الحرية أن يشعر الإنسان أنّه مستقلٌّ وبعيد عن محاكاة واتّباع الغير في تفكيره ومعتقده وسلوكه وأخلاقه.
فقد يحسب التبعيـّون أنّهم مع الجميع، يصحبونهم وينفتحون على حضارتهم، ويتعاملون معهم فيما يرونه وفيما يتّجهون إليه، في الوقت الذي ينبغي أن يعرفوا أنّ الصحبة والمعية –وإنْ كانت حالةً طبيعيةً تمليها العلاقات الاجتماعية والحياة العامة– لكنّها ليست مقبولة في كلّ الأحوال.
كما جاء في الحديث الشريف: (لا تكونوا إمّعةً، تقولون إنْ أحسَنَ الناسُ أحسنّا وإنْ ظلموا ظلمنا، ولكنْ وطّنوا أنفسكم إنْ أحسَنَ الناسُ أحسنتُم، وإنْ أساؤوا أن لا تظلموا) ميزان الحكمة-محمد الريشهري: 8/244.
فالمعيّة المرفوضة، هي التأثّر بسلوك الغير وأفكاره وتصرّفاته إيجاباً وسلباً، وهي المعيّة الإمّعية الخالية من الوعي والهدف، التي يرفضها الإسلام رفضاً باتاً، لأنّ صاحبها يجمّد عقله، ويفنّد رأيه استسلاماً وانقياداً لآراء ووجهات وأفكار الآخرين.
ثمّ قال الحديث: (ولكن وطّنوا أنفسكم إن أحسن الناس أحسنتم، وإن أساؤوا أن لا تظلموا). أي: أنّ المعيّة الواعية الهادفة، هي المعيّة التي ينبغي أن يتحرّك الإنسان في خطّها واعياً باتّجاه الإحسان ما وجد له أثراً، سواء كان الأثر في فكرة، أو في رأي، أو في موقف، فيُحسن إنْ أحسن الناس.
ولكنّه يُحسن لا لأنّ الناس أحسنوا فحسب، بل لأنّه يُدرك ويعي ويتذوّق قيمة الإحسان، ولأنّ الإحسان مبدأ من المبادئ الثابتة في حياته، وإنّه قيمة من القيم التي تعيش في روحه ونفسه ووجدانه.
بينما لا يملك التابع الإمّعي قدرةً على استيعاب مثل هذا المفهوم، ولا يستطيع التمييز والفرز بين ما يُراد وبين ما لا يُراد، وليس من المهمّ لديه أنْ يفكّر فيما يُراد وما لا يُراد، وما ينبغي وما لا ينبغي، بل إنّ المهمّ لديه هو: أنْ يتحـرّك ويعمل كما يتحـرّك ويعمل الآخرون.
ومن اللّطائف هناك قصّةٌ طريفة ذكرها أحد خطباء المنبر الحسينيّ للعظة، وهي: أنّ امرأة خرجت منْ بيتها ترتدي حذاءً غير متجانس، وهي فرحة فخورة بما فعلت، في تصوّرها أنّها واكبت موديلاً جديداً للبس الأحذية –لكلّ قدمٍ شكل خاص– وقد استغرب الناس منها ذلك.
وعندما سُئلت عن سبب اختيارها لهذا التصرّف، أجابت: أنّ جارتها الفرنسية قد خرجت في يومٍ من الأيّام بهذا الموديل الجديد. فقيل لها: لو تسألين جارتك عنْ هذه الظاهرة الجديدة! فصمتت المرأة لتفكّر قليلاً في ذلك، ثم عمدت لتسأل جارتها عنْ هذا الموديل الجديد باعتقادها!!
فأجابتها جارتُها الفرنسية: إنّي كنت قد خرجت على عجالةٍ من أمري في ذلك اليوم، فبحثت عنْ حذائي فلم أجده، فوقعت في اشتباهٍ فخرجت بحذاءٍ غير متجانس!!.
أليس من الحقّ أنْ نقول أنّ التبعيّة حركةٌ عمياء لا تمييز فيها ولا تفكّر؟.







اسعد الدلفي
منذ 4 ساعات
هي المواكب إن كنتَ تجهلها ..
جاهزية الاستعداد لشهر رمضان
التعطش للفرح
EN