المرجع الالكتروني للمعلوماتية
المرجع الألكتروني للمعلوماتية

الفقه الاسلامي واصوله
عدد المواضيع في هذا القسم 7045 موضوعاً
المسائل الفقهية
علم اصول الفقه
القواعد الفقهية
المصطلحات الفقهية
الفقه المقارن

Untitled Document
أبحث عن شيء أخر



تقسيمات الواجب  
  
1242   12:05 مساءاً   التاريخ: 8 / 8 / 2016
المؤلف : تقريرا لبحث السيد الخميني - بقلم الشيخ السبحاني
الكتاب أو المصدر : تهذيب الأصول
الجزء والصفحة : ج1 [ ص: 312
القسم : الفقه الاسلامي واصوله / علم اصول الفقه / المباحث اللفظية /

الواجب المطلق والمشروط:

من تقسيمات الواجب : تقسيمه إلى المطلق والمشروط ، والتحقيق كما يستفاد من المحقّق الخراساني : أنّ الإطلاق والاشتراط أمران إضافيان كالإطلاق والتقييد في باب المطلق والمقيّد. فكلّ قيد قيس إليه الواجب : إمّا يكون وجوبه بالنسبة إليه مشروطاً أو مطلقاً ، وبذلك يصحّ أن يقال : إنّ الواجب قد يكون بالنسبة إلى قيد مشروطاً وبالنسبة إلى آخر مطلقاً(1) .

إذا عـرفت ذلك فاعلم: أنّ تحقيق الحـال وتوضيـح المرام يتمّ فـي ضمن جهات :

الجهة الاُولى : في تصوير الواجب المشروط:

لا إشكال في أنّ القيود الواردة في الكلام بصورة الشرط أو غيرها راجعـة إلى الهيئة بحسب القواعد الأدبية والتفاهـم العرفي ، فتفيد تصرّفاً في مفادها وتضييقاً في معناها ، كما في قولك «إن جاءك زيد فأكرمه» و «إن استطعت فحجّ» .

مقالة الشيخ الأعظم في رجوع القيود إلى المادّة

وما نسب إلى الشيخ الأعظم ـ قدس سره ـ من إرجاع القيود ـ كافّة ـ إلى المادّة(2)  لا يخلو إمّا أن يكون مستنداً على برهان يفيد امتناع رجوعها إلى الهيئة ، أو يكون لأجل لزوم الرجوع إلى المادّة لبّاً ، كما هو غير بعيد عن مساق كلامه .

ونحن إذا دفعنا الامتناع ولزوم تقييد المادّة عند تقييد الهيئة يجب لنا الأخذ بمقتضى الظهور العرفي والقواعد الأدبية .

فنقول : أمّا الامتناع لأجل قيام البرهان فيجيء دفعه عند دفع ما توهّم كونه وجهاً له . وأمّا الثاني فنقول :

ضابط قيود الهيئة والمادّة :

إنّ رجوع قيد بحسب اللبّ إلى المادّة والهيئة ليس جزافاً وبلا ملاك ، بل القيود على ضربين :

ضرب منها : يرجـع إلى المادّة ولا معنى لرجوعها إلى الهيئـة ; وهـي كـلّ قيد يكون دخيلا في حصول الغرض المطلق المحقّق ، مـن غير أن يكون دخيلا فـي تعلّق نفس الغرض ، مثلا قـد تكون الصلاة في المسجـد متعلّقة للغرض المطلق المحقّق للمولى ـ كان المسجد موجوداً أولا ـ فإذا أمر مواليه بالصلاة فيها لابدّ لهم من الصلاة في المسجد ، ومع عدمـه لابدّ لهم مـن بنائـه والصلاة فيه ، كما أنّ الطواف حول الكعبة كذلك ـ ظاهراً ـ فلابدّ للمكلّفين مـن بنائه لو انهدم والطواف حوله .

وضرب منها : ترجع إلى الهيئة لبّاً لا إلى المادّة ، وهو كلّ قيد يكون دخيلا في تعلّق نفس الغرض ; بحيث لولاه لما كان للمولى غرض ، كما لو فرض تعلّقه بإكرام رجل لو ورد عليه صار ضيفاً له ، فلا يكون له غرض مطلق في إكرام الضيف حتّى يجب تحصيل عنوان الضيافة ، بل قد يكون مجيء الضيف مبغوضاً له ، لكن على فرض مجيئه يكون إكرامه محبوباً ومتعلّقاً بغرضه ، ويكون غرضه بحسب اللبّ مشروطاً بتحقّق الضيافة ، وتكون هي دخيلة في تحقّق الغرض وتعلّقه بالإكرام . فلا يعقل تعلّق الأمر المطلق في هذه الصورة بضيافة الرجل ، بل يكون البعث مشروطاً بمجيء الضيف .

ثمّ إنّ للقيود الراجعة إلى الهيئة موارد اُخر :

منها : ما إذا كان المصلحة قائمة بفعل مطلقاً ويكون مطلوبه كذلك ،إلاّ أنّ هاهنا موانع عقلية من البعث إليه مطلقاً ، كالبعث إلى إنقاذ ابنه مع عجز العبد ; فإنّ المولى إذا شاهد ابنه يخوض في اللجج يصيبه من الجزع ما يصيبه ، وهو يكشف عن أنّ الإنقاذ تمام الموضوع للبعث ; فلو قال لعبده : «لو قدرت انقذه» لا يكون ذلك قيداً للمادّة .

ومنها : ما إذا كان المبعوث إليه مطلوباً على الإطلاق ، لكن في نفس الآمر مانع من إطلاق الأمر .

ومنها : ما إذا لزم من تقييد المادّة محال ، كما في قول الطبيب : «إن مرضت فاشرب المسهل»، فإنّ شربـه لأجل دفع المرض ، ولا يعقل أن يكون المرض دخيلا في صلاح شرب المسهل بنحو الموضوعية ; بحيث يرجع القيد إلى المادّة ، ومن ذلك وجوب الكفّارات في الإفطار عمداً والظهار وحنث النذر ; فإنّ الأمر بها لرفـع منقصة حاصلـة مـن ارتكاب المحرّمات ، ولا يعقل أن يكون ارتكابها مـن قيود المادّة .

فتلخّص : أنّ القيود بحسب اللبّ مختلفة ، فكيف يجعل جميعها قيداً للمادّة ؟ !

نقل وبحث : في ضابط قيود الهيئة والمادّة يظهر من تقريرات بعض محقّقي العصر ضابط عقلي آخر في الفرق بين نحوي القيدين ; وهو أنّ القيود لو كانت ممّا يتوقّف عليه اتّصاف المأمور به بكونه ذا مصلحة في الخارج ـ كالزوال والاستطاعة بالنسبة إلى الصلاة والحجّ ـ فهو من شرائط الوجوب ، ولو كان ممّا يتوقّف فعلية المصلحة وحصولها في الخارج على تحقّقها ; بمعنى  أنّها لا تكاد تحصل إلاّ إذا اقترن الفعل بتلك القيود والشرائط ـ  كالطهارة والستر ـ فهو من شروط الواجب(3) ، انتهى ملخّصاً .

وفيه أ مّا أوّلا : فلأنّ ما ذكره في الشقّ الأوّل غير صحيح ; لا طرداً ولا عكساً .

أمّا الطرد : فلأنّ الغرض الذي يتوقّف على حصول شيء إذا كان لازم التحصيل مطلقاً تتعلّق الإرادة بتحصيله على نحو الإطلاق ، ويأمره بإتيانه كذلك ، وعلى المكلّف ـ حينئذ ـ أن يأتي به; ولو بإيجاد شرطه .

فإذا كان الحجّ لا يتّصف بالصلاح إلاّ بالاستطاعة ، ولكن كان للمولى غرض مطلق لتحصيل مصلحة الحجّ فلا محالة يأمر عبده بتحصيلها بنحو الإطلاق ، فلابدّ له من تحصيل الاستطاعة ; ليصير الحجّ معنوناً بالصلاح ويأتي به لتحصيل غرضه المطلق .

والحاصل : أنّ القيود الموجبة لكون الشيء ذا مصلحة على قسمين :

قسم يكون الشيء بوصف كونه صلاحاً مراداً له ومطلوباً مطلقاً ، فتعلّق به الإرادة على نحو الإطلاق ، فيجب عليه تحصيل الصلاح بتحصيل الاستطاعة ; لكون الصلاح مراداً مطلقاً ، وإن كان اتّصاف المورد بالصلاح يتوقّف على شيء آخر ، لكن لعلّة كونه مطلوباً مطلقاً يحرّكه إلى إيجاد القيد أيضاً . فحينئذ يكون القيد ـ  لا محالة  ـ راجعاً إلى المادّة .

وقسم يكون ما هو المصداق لقولنا إنّه ذو صلاح هو الموضوع المقيّد ، إلاّ أنّ البعث لم يتعلّق بكلا الجزئين بطور الإطلاق بل تعلّق عليه لو حصل هذا بنفسه ، فيرجع إلى الهيئة لا محالة .

فتلخّص : أنّ الجزء الموجب لكون الشيء ذا صلاح على قسمين ، لا يتعيّن لواحد منهما إلاّ بملاحظة ضابط آخر .

وأمّا العكس : فلأنّ الاُمور التي يتوقّف الواجب عليها عقلا ـ  كالقدرة والعقل  ـ ممّا تعدّ من قيود الهيئة ، مع  أنّها لا توجب اتّصافه بالصلاح في إنقاذ ابن المولى مع عجز العبد .

وأمّا ثانياً : فلأنّه يرد على الشقّ الثاني من الضابط أنّ قيود المادّة ـ كالطهارة والاستقبال ـ دخيلة في اتّصاف الموضوع بالصلاح ; فإنّ الصلاة بدون الطهارة والقبلة لا مصلحة فيها ، فيلزم أن يكون من قيود الهيئة ; لأجل ما قرّر من الميزان ، مع أنّه من قيود المادّة . وبالجملة : أنّ الصلاة بدون هذين القيدين إمّا أن تكون ذات مصلحة أولا . وعلى الثاني يلزم أن يكون قيداً للوجوب على الملاك الذي ذكره ; من أنّ ما يتوقّف عليه اتّصاف الفعل بكونه ذا مصلحة في الخارج فهو قيد للوجوب .

وعلى الأوّل يلزم هدم ضرورة المسلمين ; لأنّ الضرورة حاكية عن أنّ الصلاة بلا طهور وقبلة ليست فيه مصلحة ، وليس الستر والطهارة كالآلات الفاعلية في إيجاد موضوع ذي صلاح بالضرورة .

فظهر : أنّ ما ذكره مخدوش من جهات ، إلاّ أن يرجع إلى ما ذكرنا وهو بعيد من ظاهره .

نقل ودفع : في أدلّة امتناع رجوع القيد إلى الهيئة والجواب عنها ربّما يتوهّم امتناع رجوع القيد إلى الهيئة ، وما قيل في بيانه أو يمكـن أن  يقال وجوه :

منها : أنّ معنى الهيئة بما  أنّه من المعاني الحرفية مندكّ في متعلّقها ، فلا يتوجّه المتكلّم إليه استقلالا ، والتقييد يحتاج إلى لحاظها استقلالا ، وهـو لا يجامع كونه حرفياً(4) .

وفيه أوّلا : أنّ التقييد كلّه ـ سواء كان في الأسماء أم الحروف ـ إنّما هو بلحاظ ثان استقلالا ; إذ اللفظ الموضوع للطبيعة لا تستعمل إلاّ في معناها ولا يحكي إلاّ عن نفس معناها ، فإذا وصف بكونه مؤمناً أو عادلا في قولك «أكرم عالماً عادلا» يكون التوصيف بلحاظ آخر .

وقس عليه التقييد في المعاني الحرفية ; إذ الهيئة لا تستعمل إلاّ في معناها المطلق ، لا في المعنى المشروط ، والتقييد يرد عليها في لحاظ آخر ـ تقدّم أو تأخّر ـ وحينئذ تصير وقت التقييد من المعاني الاسمية ، ولا غبار في تقييدها .

وثانياً :  أنّه يمكن أن يقال : إنّ التقييد لا يحتاج إلى اللحاظ الاستقلالي ; وإن كان لا يضرّ لحاظه ثانياً أيضاً ، بل يكفي فيه ما هو حاصل في ضمن الكلام الذي يحكي عن الواقع إذا كان حكائياً ، أو يوجد معناه بنفس الاستعمال إذا كان إيجادياً ; لما عرفت أنّ الهدف الأعلى لأهل المحاورة إنّما هو النِسَب والإضافات(5) ، فلو كانت النسبة حاكية عن خارج مقيّد تكويناً فلا محالة قد تصوّر المتكلّم في ذهنه صورة الخارج وأخبر عن الواقع المشهود بالألفاظ التي هي كالقوالب للمعاني .

فحينئذ يقع الإخبار عن المقيّد والقيد والتقييد من غير احتياج إلى لحاظ مستقلّ ، ولكن الاكتفاء به في الإيجاديات من دون لحاظ مستقلّ يحتاج إلى التأمّل .

ومنها : أنّ الهيئة موضوعة بالوضع العامّ للموضوع الخاصّ ، فيكون المعنى جزئياً حقيقياً غير قابل للتقييد(6) .

وفيه : أنّ التقييد وإن كان يلازم تضييقاً في المقيّد ، وهو فرع كونه أمراً وسيعاً ، لكن التقييد في الجزئي الحقيقي ليس باعتبار ذاته بل باعتبار حالاته وأطواره ; ولذا يجري فيه مقدّمات الحكمة لو وقع بشخصه موضوعاً للحكم .

ومنها : أنّ الهيئة في الأمر والنهي للإيجاد ، وهو آب عن التعليق ; لامتناع الإيجاد المعلّق ; إذ تعليق الإيجاد مساوق لعدم الإيجاد ، كما أنّ تعليق الوجود مساوق لعدمه(7) .

وفيه : أنّ الخلط نشأ من إسراء حكم الحقائق إلى الاعتباريات التي لم تشمّ ولن تشمّ رائحة الوجود حتّى يجري عليه أحكام الوجود .

ولعمري إنّ ذلك هو المنشأ الوحيد في الاشتباهات الواقعة في العلوم الاعتبارية ; إذ الإيجاد الاعتباري لا مانع مـن تعليقه ، ومعنى تعليقـه أنّ المولى بعث عبده على تقدير وألزم وحتم شيئاً عليه لو تحقّق شرطـه ، ويقابلـه العدم المطلق ; أي إذا لم ينشأ ذلك على هذا النحو .

الجهة الثانية : في حكم الواجب المشروط قبل تحقّق شرطه نبحث فيها عن أنّ الواجب المشروط وجوبه فعلي قبل تحقّق شرطه أولا ؟

والمشهور المنصور هو الثاني(8) ، وتوضيحه يتوقّف على تحقيق حقيقة الحكم:

لا إشكال في أنّ الآمر قبل إنشاء الحكم يتصوّر المبعوث إليه ويدرك فائدته ولزوم حصوله بيد المأمور ، فيريد البعث إليه بعد تمامية مقدّماته .

إنّما الكلام في أنّ الحكم هل هو الإرادة أو الإرادة المظهرة أو البعث الناشئ منها ; بحيث يكون الإرادة كسائر المقدّمات من مبادئ حصوله لا من مقوّماته ؟

التحقيق : هو الأخير بشهادة العرف والعقلاء ، ألا ترى أنّ مجـرّد صدور الأمـر من المولى يكفي في انتقال العبيد إلى وجوب الإتيان ، من غير أن يخطر ببالهم أنّ أمره ناش من الإرادة أو أنّ هنا إرادة في نفسه وهو يحكي عنها ؟ بل قد عرفت(9)  أنّ البعث والإغراء بأيّ آلة كانت فهو تمام الموضوع لحكم العقلاء بوجوب الامتثال .

وأمّا ما عن بعض محقّقي العصر : من كون الحكم عبارة عن الإرادة التشريعية التي يظهرها المريد بأحد مظهراتها(10)  فهو خلاف التحقيق :

أمّا أولا : فلما عرفت من ارتكاز العبيد على الانتقال إلى الوجوب من الأوامر ، بلا لحاظ الإرادة التي هذا اللفظ حاك عنها .

وثانياً : أنّ الوجوب والإيجاب في عالم الاعتبار واحدان ذاتاً كالوجود والإيجاد في وعاء التكوين ويختلفان اعتباراً ، ولو صحّ انتزاع الوجوب عن الإرادة صحّ انتزاع الإلزام والإيجاب عنها ، مع أنّ الإرادة لا تسمّى إلزاماً وإيجاباً ، بخلاف الإغراء والبعث لفظاً وحده .

فإن قلت : يرد هذا لو قال القائل بأنّ الحكم عبارة عن نفس الإرادة ، ولكنّه ـ قدس سره ـ يقول بكونه عبارة عن الإرادة التشريعية التي يُظهرها المريد ، فشَرَط مع نفس الإرادة وجود المُظهر.

قلت : نعم ، لكن كون الحكم عبارة عن الإرادة المظهرة ينافي انتزاع الوجوب عن البعث المولوي مع الغفلة عن الإرادة .

وثالثاً : أنّ الأحكام الوضعية قسيم التكليفية ، مع أنّ الوضعيات لا تكون من قبيل الإرادات المظهرة ; إذ الحكومة والقضاوة والملكية وغيرها تنتزع من جعلها .

ولايمكن أن يقال : إنّ هذه العناوين منتزعة عن الإرادة أو عن الإرادة المظهرة ، كما أنّ حكم السلطان والقاضي عبارة عن نفس الإنشاء الصادر منه في مقام الحكومة والقضاء لا الإرادة المظهرة ، بل لا يكفي في فصل الخصومة إظهار إرادته أو إفهام رأيه ما لم يتكلّم بلفظ نحو «حكمتُ» أو «أنفذتُ» أو ما يفيد الحكم بالحمل الشائع .

نعم ، لو لم ينشأ البعث من الإرادة الجدّية لا ينتزع منه الوجوب والإيجاب ، وهو لا يوجب أن تكون الإرادة دخيلة في قوام الحكم أو تكون تمام حقيقته ، ويكون الإظهار واسطة لانتزاع الحكم منها ، بل أقصى ما يقتضيه أن يعدّ الإرادة من مبادئ الحكم ، كما فرضناه .

إذا عرفت ذلك : يتّضح لك أنّ وجوب المشروط قبل تحقّق شرطه ليس فعلياً ، كما هو ظاهر تعليق الهيئة ، وإنشاء البعث على تقدير لايمكن أن يكون بعثاً حقيقياً إلاّ على ذلك التقدير ; للزوم تخلّف المنشأ عن الإنشاء ; إذ المفروض أنّ المنشأ إنّما هو الوجوب والإيجاب على تقدير حصول شرطه ، فلا معنى ـ  حينئذ  ـ للوجوب فعلا مع عدم شرطه .

ونظيره باب الوصية ; إذ إنشاء الملكية على تقدير الموت لايفيد الملكية الفعلية ، بل يؤثّر في الملكية بعد الموت .

هذا ، ولو قلنا : إنّ الإرادة دخيلة في الحكم لا تكون دخالتها إلاّ بنحو كونها منشأً للانتزاع ، وأمّا كونها نفس الحكم ذاتاً فهو خلاف الضرورة ، وعليه لا ينتزع من الإرادة المعلّقة على شيء إلاّ الوجوب على تقدير ، لا الوجوب الفعلي .

فتلخّص : أنّ البعث على تقدير كالإرادة على تقدير لا يكون إيجاباً فعلياً ، ولا  منشأً له كذلك .

فإن قلت : إنّ الوجوب بما  أنّه أمر اعتباري يصحّ التعليق فيه ، وهذا بخلاف الإرادة ; فإنّها من مراتب التكوين ، وامتناع التعليق في التكوين ضروري . وقولك : إنّ الإرادة هنا على تقدير يوهم ذلك .

قلت : إنّ المراد من الإرادة على تقدير ليس معناه عدم الإرادة فعلا ولا التعليق في نفس الإرادة، بل المراد إرادة إيجاب شيء من المأمور على تقدير ، فالإرادة التشريعيـة هنا فعليـة ، لكن تعلّق بإيجاب شيء على تقدير ، ولذلك لا ينتزع منه الوجوب الفعلي ، بل الوجوب على تقدير ، وهو يساوق الإنشائية .

وبالجملة : تعلّقت إرادة فعلية بالبعث على تقدير ، ففي مثله لا ينتزع الوجوب الفعلي ، ففرق بين التقدير في الإرادة أو في إنشاء البعث بها .

وليعلم : أنّ قولنا بأنّ الإرادة التشريعية هنا فعلية وتعلّق مع فعليتها بإيجاب شيء على تقدير ، لا ينافي مع ما اخترناه ; من أنّ الإرادة والحكم في الواجب المشروط غير فعلي ; خلافاً لبعض محقّقي العصر .

وجه عدم المنافاة : هو أنّ المراد من فعلية الإرادة هو الإرادة التشريعية المتعلّقـة بإنشائها وتشريعها ، فهي فعليـة قطعاً ، ومـا هـو غير فعلي إنّما هـي الإرادة المتعلّقة بإيجـاده في الخارج فعلا ; ولـو قبل حصول شرطـه أو البعث الفعلي إليه كذلك .

الجهة الثالثة : في دفع بعض الإشكالات على مبنى المشهور:

قد وقع الواجب المشروط على مبنى المشهور مورد النزاع والمناقشة ; فقبله قوم من المحقّقين . وناقش في صحّته آخرون بوجوه :

منها : ما أورده بعض أهل التحقيق ـ  واختار نفسه كما تقدّم : أنّ التكليف في الواجب المشروط فعلي قبل تحقّق شرطـه  ـ قائلا بأنّ الإنشاء المشروط ممّا يتوصّل به المولى إلى تحصيل المكلّف به ، والواجب المشروط على مبنى المشهور ليس بمراد للمولى قبل تحقّق شرطه ، فكيف يتصوّر أن يتوصّل العاقل إلى تحصيل ما لا يريده فعلا ؟ فلابدّ أن يلتزم بوجود غرض نفسي في نفس الإنشاء(11) ، انتهى .

ولا يخفى عليك ضعفه وغرابته ; لأنّه لم يتوصّل بكلامه إلى طلب الإيجاد فعلا حتّى يقال : كيف يتوصّل بكلام إلى ما لا يريد إيجاده فعلا ، بل توصّل به إلى المطلوب على تقدير حصول الشرط ، وكم فرق بينهما ؟ !

وبالجملة : أنّ الإنشاء وإن كان للتوصّل إلى المبعوث إليه لكن في الواجب المشروط يكون إنشاء الإيجاب على تقدير الاستطاعـة في الأمر بالحجّ ـ  مثلا  ـ إنّما هو لأجل التوصّل إلى إيجاده على هذا التقدير لا قبله .

وأمّا الفائدة في هذا الإنشاء مع عدم فعلية الحكم فإنّما تسأل عنها في الخطابات الشخصيـة القائمة بمخاطب واحد ، وتصوّرها فيها بمكان من الإمكان ، لا في القوانين الكلّية المتعلّقة بكلّ مكلّف بخطاب واحد وجعل فارد ، وسيوافيك في محلّه بيان كيفية جعل القانون الكلّي(12) .

وحينئذ : فالمشرّع المقنّن لمّا رأى اختلاف المكلّفين بين واجد للشرط حين الخطاب وفاقد له لم ير بدّاً ومناصاً سوى الإنشاء على العناوين الكلّية على فرض تحقّق الشرط ; حتّى ينبعث من هو واجد وقت الخطاب ، وينتظر مَن هو فاقد .

أضف إلى ذلك : أنّ الإشكال ـ على فرض صحّته ـ مشترك الورود ; ل أنّه إن أراد من فعلية الحكم  أنّه يجب تحصيله فعلا ، وفي زمن صدور الخطاب ; وإن كان الشرط غير موجود فهو خارج من كونه مشروطاً ، وإن أراد  أنّه يجب تحصيله في ظرفه وبعد حصول شرطه فأيّ وجه لطلبه فعلا .

مع أنّه لم يرد إيجاده في آن البعث ، فإن قال : إنّه لأجل الإعلان حتّى ينبعث في محلّه فنحن نقول مثله .

ومنها : أنّ وجوب المقدّمة قبل وجوب ذي المقدّمـة ممتنع ; لأنّ وجوبها ناش من وجوبه ، وعلى فرض التلازم بين الإرادتين تكون إرادة المقدّمـة ناشئة مـن إرادة ذيها ، ولو كانت المقدّمة واجبـة قبل وجـوب ذيها لزم وجـود المعلول قبل وجود علّته ، أو وجود أحد المتلازمين قبل الآخر .

وبالجملة : المقدّمات المفوّتة غير واجبة قبل وجوب ذيها على مبنى المشهور ، مع  أنّه لايمكن تحصيلها بعد تحقّق ذيها ، والمكلّف في تركها ذو عذر وجيه ، ولا مناص على قولهم إلاّ القول بوجوبها التهيّئي أو التمسّك بإلزام العقل بتحصيلها ; وإن كانت غير واجبـة ; لأنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار ، والكـلّ كما ترى(13) .

وفيه : أنّ ذلك توهّم محض ، حصل من حديث نشوء إرادة من اُخرى ، وتولّد بعث من آخر ، وقد عرفت(14)  أنّ وجوب المقدّمة لا يكون ناشئاً من وجوب ذيها ، ولا إرادتها من إرادته .

أمّا الأوّل : فلعدم التلازم بين البعث إلى شيء والبعث إلى مقدّمته ، بل ربّما لا يكون للمولى بعث إلى المقدّمات .

وأمّا الثاني : فلما قدّمنا(15)  من أنّ الإرادة بقول مطلق إنّما تحصل عن مبادئها المحرّرة في محلّها ، ولا يعقل بضرورة البرهان جواز كون إرادة مبدأ لوجود إرادة اُخرى . ومعنى كون هذه الإرادة غيرية هو أنّ الآمر لمّا رأى توقّف ما هو مطلوبه على شيء آخر فلا محالة يريد المتوقّف عليه لأجل حصوله .

وحينئذ لا مانع ـ لو لم نقل  أنّه المتعيّن ـ أن نختار أنّ المقدّمة واجبة بالوجوب الغيري ; وإن لم يكن هناك واجب نفسي ، و أنّها مراده بالإرادة الغيرية ; لوجود ملاك المقدّمية فيها ; وإن لم تتحقّق الإرادة الفعلية النفسية بالنسبة إلى ذي المقدّمة بنحو الإطلاق ، بل تتعلّق إرادة فعلية بالبعث على فرض ، كما تقدّم .

فمع عدم البعث الفعلي نحو ذي المقدّمة تتعلّق الإرادة بمقدّمته على الملازمة بالمعنى الذي عرفته كراراً .

فلا تتوهّم المنافاة بين مـا ذكرنا هنا مـن أنّ الإرادة المتعلّقة بـذي المقدّمـة غيـر فعليـة ، وبين مـا تقدّم مـن أنّ الإرادة التشريعيـة في الواجب المشروط فعليـة ، فلاحظ(16)  .

والحاصل :  أنّه لا مانع عن القول بأنّ المقدّمة واجبة ومرادة دون ذيها ، وتوضيح ذلك : أنّ الملاك في إرادة المقدّمة هو علمه بتوقّف التوصّل إلى الواجب  عليها .

فحينئذ : إن كان ذو المقدّمة مراداً فعلياً ومبعوثاً إليه مطلقاً فلا محالة تتعلّق الإرادة الفعلية بما يراه مقدّمة ، بناءً على الملازمة ، وأمّا إذا كان ذو المقدّمة غير مبعوث إليه فعلا ولكن المولى وقف على أنّ له مقدّمات لابدّ من إتيانها قبل حصول الشرط وإلاّ يفوت الواجب في محلّه بفوتها، فعند ذلك تتعلّق إرادة آمرية على تحصيلها ; لأجل التوصّل بها إلى المطلوب بعد تحقّق شرطه.

فظهر : أنّه على فرض الملازمة لا محيص عن تعلّق الإرادة بها .

وتوهّم : لزوم تحقّق المعلول قبل علّته ناش من تخيّل كون الإرادة المتعلّقة بالمقدّمات ناشئة من إرادة ذيها ، أو كونهما متلازمين بالمعنى المصطلح ، وهما بمكان من الفساد .

فإن قلت : إنّ ذلك ينافي ما سبق في تحرير محطّ البحث من وجـود الملازمـة بين وجوبها ووجوب ذيها ، فحينئذ بعد التفكيك بينهما في المقام كيف يعقل الملازمة الفعلية بين موجود ـ أعني إرادة المقدّمة ـ ووجوبها ، وبين معدوم ـ  وهو إرادة ذيها  ـ ووجوبه .

قلت : ما حرّرناه في محطّ البحث حقّ لا سترة عليه ، إلاّ أنّ لزوم وجوبها لوجوب ذيها من قبيل اللازم الأعمّ لا المساوي ، فكلّما تحقّق وجوب ذيها تحقّق وجوبها ولا ينعكس ، بل ربّما يتحقّق وجوب المقدّمـة بملاك التوقّفية لما يريده بنحو الإطلاق عند حصول شرطه في المستقبل; وإن لم يتحقّق في المقام وجوب ذيها بالفعل .

وخلاصة الكلام : أنّ ملاك تحقّق إرادة المقدّمة في الفاعل والآمر على وزان واحد ; وهو تشخيص توقّف متعلّق غرضه عليه ، فلو رأى الآمر أنّ له مطلوباً تامّاً في المستقبل وإن لم يكن له طلب بالفعل ; لعدم تحقّق شرطه ، ولكن يعلم أنّ الشرط سيحصل وله بعد حصوله غرض تامّ يفوت بترك الأمر بالمقدّمة في الحال ، فلا  محالة يريدها على الملازمة بالمعنى المتقدّم ، كما أنّ الفاعل يريدها ، ولكن ذلك لا لأجل الملازمة بين الإرادتين ; إذ كيف تصير الإرادة المعلّقة بشيء منشأ للإرادة المطلقة للمقدّمة ؟ بل انقداح الإرادة بملاك فوت الغرض لولا الإرادة على ما أثبته القائلون بوجوب المقدّمة في جميع الأبواب .

أضف إلى ذلك : أنّ هنا طريقاً آخر لحلّ الإشكال غير هذا المسلك ; وهو أنّ العاقل إذا وقف على مبدئية شيء لمطلوبه ; بحيث لايمكن الوصول إليه إلاّ به فلا محالة يستقلّ عقله بلزوم إتيانه للغير ، لا لمصلحة في نفسه وإن لم يأمر به المولى .

فلو علم المكلّف أنّ المولى قال «أكرم صديقي إذا جاءك» ، وتوقّف إكرامه على مقدّمات قبل مجيئه يحكم عقله بإتيانها لتحصيل غرضه ، بل لو كان المولى غافلا عن مجيء الصديق ، لكن العبد واقف عليه وعلى غرض المولى بإكرامه على تقديره يجب على العبد بحكم عقله تهيئة المقدّمات ; حفظاً لغرضه .

ثمّ إنّه لو سلّم كـون الإرادة في الواجب فعلياً قبل حصول شرطـه ، وأنّ الحكم عبارة عن الإرادة المظهرة كان الإشكال أيضاً باقياً غير مندفع ـ وإن زعم بعض أهل التحقيق أنّ الإشكال يندفع به ـ لأنّ الإرادة المتعلّقة بشيء كما  أنّها لا  تؤثّر في البعث نحو ذيها ـ للاشتراط بالنحو الذي التزمـه ; لأنّ الشرط غير حاصل ـ كذلك لايمكن أن تؤثّر في البعث نحو مقدّماته . ومجـرّد وجود الإرادة الفعلية كذلك لا يكفي في البعث نحو المقدّمات مطلقاً ، فالإشكال مشترك الورود بينه وبين المشهور .

وإن شئت قلت : لو سلّمنا صحّة ما ذهب إليه من حصول الإرادة في الواجب المشروط قبل حصول شرطه لكن يبقى الإشكال بحاله أيضاً ; لأنّ ظواهر كلماته ـ  كغيره  ـ هو القول بنشوء إحداهما عن الاُخرى على نحو العلّية في الإيجاد ، ومن المعلوم : أنّ المعلول يتبع علّته في السعة والضيق ; لكونه من شؤونها ، فلو فرضنا أنّ الإرادة لا يمكن لها التأثير بالبعث فعلا نحو المراد وذي المقدّمة فكيف لا يمكن نشوء إرادة منها إلى المقدّمات ، على خلاف علّتها ومنشئها؟

الواجب المعلّق والمنجّز ومن تقسيمات الواجب تقسيمه إلى المعلّق والمنجّز ، هذا التقسيم صدر عن صاحب «الفصول» لدفع الإشكال في المقدّمات المفوّتة التي سبق البحث عنها آنفاً ; حيث قال : إنّ الوجوب إذا تعلّق بالمكلّف به ولم يتوقّف على أمر غير مقدور ـ  كالمعرفة ـ يسمّى منجّزاً ، وما تعلّق وتوقّف حصوله في الخارج على أمر غير مقدور ـ كالوقت في الحجّ ـ يسمّى معلّقاً(17) ، انتهى .

والظاهر :  أنّه لا إشكال في إمكانه ووقوعه في أوامر الموالي العرفية ، ولكن استشكل عليه باُمور لا طائل تحتها ، عدا ما حكاه المحقّق الخراساني(18)  عن بعض أهل النظر(19) ، وأوضحه وفصّله بعض الأعيان من المحقّقين في تعليقته الشريفة .

إشكال المحقّق النهاوندي على الواجب المعلّق وتزييفه

وحاصله : أنّ النفس في وحدتها كلّ القوى ، وفي كلّ مرتبة عينها ، فإذا أدركت في مرتبة العاقلة فائدة الفعل تجد في مرتبة القوّة الشوقية شوقاً إليه ، وإذا لم تجد مزاحماً تخرج منها إلى حدّ الكمال الذي يعبّر عنه بالقصد والإرادة ، وينبعث منها هيجان في القوّة العاملة ويحرّك العضلات .

ومن الواضح : أنّ الشوق وإن أمكن تعلّقه بأمر استقبالي إلاّ أنّ الإرادة لايمكن تعلّقها بأمر استقبالي ، وإلاّ يلزم تفكيك العلّة التامّة عن معلولها ; أعني انبعاث القوّة العاملة المنبثّة في العضلات .

وأمّا الشوق المتعلّق بالمقدّمات بما هي مقدّمات فإنّما يحصل من الشوق إلى ذيها ، لكنّه فيها يحصل إلى حدّ الباعثية ; لعدم المزاحمة ، دون ذي المقدّمة ، فإنّه فيه يبقى بحاله إلى أن يرفع المانع .

وأمّا الإرادة التشريعية فإنّ الشوق المتعلّق بفعل الغير إذا بلغ مبلغاً ينبعث منه الشوق نحو البعث الفعلي كان إرادة تشريعية .

ومن الواضح : أنّ جعل الداعي ليس ما يوجب الدعوة على أيّ حال ، بل جعل ما يمكن أن يكون داعياً عند انقياده ، وعليه لا يعقل البعث نحو أمر استقبالي ; إذ لو فرض حصول جميع مقدّماته وانقياد المكلّف لأمر المولى لما أمكن انبعاثه نحوه بهذا البعث ، فليس ما سمّيناه بعثاً في الحقيقة بعثاً ; ولو إمكاناً(20) ، انتهى ملخّصاً .

وفيه أ مّا أوّلا : فإنّ مبدئية الشوق للإرادة ليست دائمية ـ وإن كانت غالبية  ـ وقد فصّلنا القول وأوضحنا حاله في «رسالة الطلب والإرادة»(21) ، ونزيد هنا بياناً ; وهو أ نّك ترى بعين الوجدان أنّ الشخص ربّما يريد أمراً لأجل التخويف والإيعاد الذي يجرّه إليه بلا شوق منه إلى العمل ، وقد يشرب الدواء البشيع لتشخيص صلاح فيه مع الانزجار الشديد ، وربّما يترك شرب الماء البارد مع شدّة عطشه ; تسليماً لحكم العقل ب أنّه مضرّ عند العرق أو لمرض الاستسقاء .

أضف إليه : أنّ القول بأنّ الشوق شيئاً فشيئاً يصير إرادة(22)  يوهم خلاف التحقيق ; إذ الإرادة فينا ليست شوقاً مؤكّداً ; فإنّ الشوق يشبه أن يكون من مقولة الانفعال ; إذ النفس بعد الجزم بالفائدة تجد في ذاتها ميلا وحبّاً إليه ، فلا محالة تنفعل عنه . ولكنّ الإرادة ـ التي هي عبارة عن إجماع النفس وتجمّعها وتصميم الجزم  ـ من صفاتها الفعّالة ، ولا يعقل أن يصير ما هو من مقولة الانفعال باعثاً ; وإن بلغ ما بلغ في الشدّة .

وثانياً : أنّ ما ذكره ـ قدس سره ـ من أنّ حصول الإرادة يستلزم تحريك العضلات دائماً غير تامّ; إذ الإرادة تتشخّص بالمراد الذي هو متعلّقها ; إذ لايمكن أن تتحقّق الإرادة بلا متعلّقها ، فحينئذ تعدّد المراد في الخارج حقيقة يستلزم تعدّد الإرادة ; فإنّ الشيئين بنحو الاستقلال لا يعقل أن يتعلّق بهما إرادة واحدة بنعت الوحدة ، كما أنّ الشيء الواحد لايمكن أن يتعلّق به إرادتان مستقلّتان ما لم يتطرّق رائحة الكثرة والتعدّد في ناحية المراد .

وعليه نقول : إنّ في الأفعال الصادرة بمباشرة العضلات مطلوبين مستقلّين ومرادين بنحو التعدّد ، لا يختلط ذات أحدهما وإرادته بذات الآخر وإرادته :

أحدهما هو إيجاد المطلوب الذي هو مراد بالذات ، وثانيهما هو تحريك العضلات الذي هو مطلوب ومراد بالتبع ; لأجل التوصّل به إلى غيره ، لا مراد بالذات ; فإنّ الإرادة عند تمامية مبادئها تتعلّق بالذات بنفس حصول المراد ، كرفع العطش أو شرب الماء ، ثمّ تحدث إرادة ثانية لتحريك العضلات نحو الفعل الخارجي الذي هو المحصّل لغرضه .

هذا ، ولو أنكرنا الإرادة الثانية لما يصدق على الصادر منّا أنّه فعل اختياري .

وما أفاده : من أنّ الإرادة لا تنفكّ عن المراد لا ينطبق إلاّ على الثانية من الإرادتين مع تعلّقها بتحريكها فعلا .

ولا تتوهّم من ذلك : أنّ هذا تخصيص في القاعدة العقلية ، بل وجه عدم الانفكاك هنا دون غيره هو أنّ بروز الإرادة في النفس لتحريكها فعلا إنّما يكشف عن عدم المزاحم في تحريك العضلات بالفعل ، ولكن الإرادة المتعلّقة بالمراد بالذات هي تابعة لكيفية تعلّقها بالمراد .

فإن تعلّقت بإيجادها فوراً فلا محالة تحصل هنا إرادة اُخرى لتحريك العضلات فعلا ، وإن تعلّقت بإيجاد أمر في المستقبل لا تتعلّق الإرادة بتحريك العضلات في الحال ، بل لو فرضنا بقاء الإرادة الاُولى إلى زمان العمل تتعلّق إرادة اُخرى بتحريك العضلات ; لمكان توقّف الإيجاد عليه .

وما ربّما يتوهّم : من أنّ الإرادة الواحدة ـ أعني إرادة الإيجاد ـ محرّكة لها أيضاً مردود ; فإنّ النفس ترى توقّف الشرب على تحريك العضلات ، فلا محالة تريد حركتها مستقلاّ لأجل التوصّل إلى مطلوبه .

فتلخّص : أنّ الإرادة المتعلّقة بتحريك العضلات غير الإرادة المتعلّقة بإيجاد المطلوب و أنّه لا تلازم بين إرادة المطلوب وتحريك العضلات .

بحث وتفصيل : غاية ما يمكن أن يقال في بيان كون الإرادة علّة تامّة لحركة العضلات : هي أنّ القوى العاملة للنفس وآلاتها المنبثّة فيها لمّا كانت تحت سلطان النفس وقدرتها ، بل هي من مراتبها النازلة وشؤونها الذاتية . وحينئذ لايمكن لها التعصّي عن إرادتها ، فإذا أراد قبضها انقبضت أو بسطها انبسطت ، من غير تعصّ ولا  تأبّ وهذا أمر وجداني وبرهاني .

هذا ، ولكنّه لا يثبت ما ادّعاه القائل ; لأنّ كون القوى تحت إرادة النفس وإطاعتها لا يثبت سوى أنّ النفس إذا أرادت تحريكها في الحال تحرّكت الأعضاء ، ونحن لا ننكره ، وهو غير القول بأنّ الإرادة لا تتعلّق بأمر استقبالي .

بل أقول بلحن صريح : إنّ ما اشتهر بين الأعاظم ـ ومنهم شيخنا العلاّمة ـ قدس سره ـ  ـ أنّ الإرادة علّة تامّة للتحريك ، ولا يمكن تخلّفها عن المراد ، و أنّها العلّة التامّة أو الجزء الأخير منها(23)  ممّا لم يقم عليه برهان ; وإن أخذه القوم أصلا موضوعياً ، ونسجوا على منواله ما نسجوا . وكيف ، وقد عرفت قيام البرهان على خلافه وقضاء الوجدان على مقابله ؟ !

وإن كنت في ريب فاستوضح من مكان آخر ، وهو أنّ إرادة الله تعالى قد تعلّقت أزلا بإيجاد ما لايزال من الحوادث على الترتيب السببي والمسبّبي ، من غير وصمة الحدوث وتطرّق التجدّد في ذاته وإرادته تعالى ، كما برهن عليه في محلّـه(24) . ولا يمكن أن يقال في حقّـه سبحانه : «كان له الشوق ، ثمّ صار إرادة ، وبلغ حدّ النصاب» .

وما قرع سمعك أنّ الإرادة فيه تعالى هو العلم بالنظام الأصلح يحتاج إلى التوضيح المقرّر في محلّه(25) ، ومجمله :  أنّه إن اُريد به اتّحاد صفاته تعالى فهو حقّ ، وبهذا النظر كلّها يرجع إلى الوجود الصرف التامّ وفوق التمام ، وإن اُريد نفي صفة الإرادة فهو إلحاد في أسمائه تعالى، بل مستلزم لتصوّر ما هو أتمّ منه ، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً .

أضف إليه : أنّ وجدانك أصدق شاهد على أنّ الإنسان يجد في نفسه ثلاث حالات : تارة يشتاق الأمر الإستقبالي كمال الاشتياق لكن لا يريده ، ولا يكون عازماً لإتيانه . واُخرى يريده ويقصده من غير اشتياق ، بل مع كمال الكراهة . وثالثة يريده مع الاشتياق والحبّ والميل ; ولأجل ذلك يتصدّى لتهيئة المقدّمات في الأخيرين ، دون الأوّل .

وبذلك يظهر : أنّ ما ادّعاه كلّياً ; من أنّ الاشتياق يتعلّق بالمقدّمة من قبل ذيها ليس بصحيح ; لما تقدّم أنّ الشوق إلى الفعل ليس من مبادئ الإرادة ، بل ربّما يريده لامع الشوق ، كما يرضى بقطع اليد عند فساده مع الكراهة التامّة .

هذا حال الإرادة التكوينية .

وأمّا الإرادة التشريعية فإمكان تعلّقها بأمر استقبالي أوضح من أن يخفى .

وما ذكره من عدم تعلّق البعث نحو أمر استقبالي ; إذ لو فرض حصول مقدّماته لما أمكن انبعاثه نحوه بهذا البعث ، ففيه أنّ انبعاث العبد تابع لكيفية البعث ; فلو بعثه إلى إيجاده فعلا فلا محالة يقع الانبعاث كذلك بعد حصول مبادئ الامتثال في نفسه .

وأمّا إذا بعثه فعلا إلى أمر استقبالي ـ بمعنى طلب إيجاده في ذلك الوقت  ـ فليس له الانبعاث إلاّ في ذلك الوقت ، لا بعده ولا قبله . وعدم انبعاثه حال البعث مع فرض حصول المقدّمات للانبعاث غير مضرّ ; لأنّ المولى لم يبعثه إلى الإيجاد حال البعث حتّى يضرّ تخلّفه عن البعث ، بل في وقت مضروب .

وأمّا الوجه في تقديم البعث على وقت المبعوث إليه فلأجل احتمال حدوث المانع في وقته ، كما في الأوامر الشخصية . وأمّا الخطابات العامّة فقد عرفت  أنّه الطريق الوحيد في القوانين الكلّية.

إنكار المحقّق النائيني الواجب المعلّق وردّه :

وهم ودفع : أ مّا الأوّل فهو ما أورده بعض الأعاظم ـ على ما في تقريراته  ـ وعليه بنى بطلان الواجب المعلّق فيما إذا كان القيد أمراً غير مقدور ، وحاصله : أنّ التكليف في القضايا الحقيقية لابدّ وأن يكون مشروطاً بالنسبة إلى جميع القيود المعتبرة في الموضوع ، من غير فرق في ذلك بين الزمان وغيره .

مضافاً إلى أنّ الزمان من الاُمور غير الاختيارية ، فلابدّ من أخذه مفروض الوجود ، وإلاّ يلزم تكليف العاجز . وحينئذ كيف يمكن القول بأنّ التكليف بالنسبة إلى سائر القيود يكون مشروطاً ، وبالنسبة إلى خصوص الوقت مطلقاً ؟ وأيّ خصوصية في الوقت ; حيث تقدّم الوجوب عليه دون سائر القيود ، مع اشتراك الكلّ في أخذه قيداً للموضوع ؟

وليت شعري أيّ فرق بين الاستطاعة في الحجّ والوقت في الصوم ، بل الأمر في الوقت أوضح; لأنّه لايمكن إلاّ أخذه مفروض الوجود ; لعدم تعلّق القدرة عليه ، ولايمكن أن تتعلّق إرادة الفاعل به ; لكونه أمراً غير اختياري .

والحاصل : أنّ مبنى الإنكار هو أنّ كلّ قيد غير اختياري لابدّ أن يؤخذ مفروض الوجود ، ومعه لايمكن تقدّم الوجوب عليه ; لأنّه يلزم الخلف(26) ، انتهى .

قلت : إنّ ما ذكره مبني على ما أخذه قاعدة كلّية في باب الشروط من أنّ الشروط كلّها من قيود الموضوع ، كما ربّما يكرّر في كلامه : أنّ الموضوع لوجوب الحجّ هو العاقل البالغ المستطيع(27) ، مع  أنّه غير واضح ; إذ القيود بحسب نفس الأمر مختلف ، لا يعقل إرجاع واحد منها إلى آخر ; فإنّ القيود المحصّلة لغرض المولى على نحو لولاها لما اتّصف بالمحبوبية ـ كما مرّ في نحو الصلاة في المسجد(28) ـ لا معنى لإرجاعها إلى الموضوع ، بل هي من قيود المتعلّق ; فإنّ الطبيعة المطلقة ليست مطلوبة حتّى تقع تحت دائرة الطلب .

كما أنّ القيود التي لا تنقدح الإرادة إلاّ عند وجودها ـ وإن كانت الطبيعة وافية للغرض ـ من قيود الهيئة أو الموضوع على اصطلاحه، لا من قيود المتعلّق ; إذ المفروض  أنّه لا دخل له في اتّصاف الموضوع بالمصلحة ، بل له دخل في ظهور الإرادة وانقداحها وتعلّق البعث ، كنزول الضيف على المولى ، على ما تقدّم توضيحه(29) .

فحينئذ سؤال الفرق بين الاستطاعة والزمان ـ على فرض كونه دخيلا في تحصيل الغرض واتّصافه بالصلاح ـ عجيب جدّاً ; إذ الاستطاعة من شرائط انقداح الإرادة ، فلا تقع تحت الطلب، دون الثاني .

وظنّي : أنّ الذي أوقعه في الاشتباه هو تخيّل أنّ الأمر بالمقيّد أمر بنفس القيد ، فتخيّل : أنّ الشيء الخارج عن تحت الاختيار والحاصل بنفسه ـ كالوقت ـ كيف يكون واجباً ويقع تحت البعث(30) ؟

وقد مرّ : أنّ الأمر بالمقيّد ليس أمراً بنفس القيد ، وإلاّ لم يبق فرق بين الجزء والشرط ، بل أمر بالتقيّد ، وقد تقدّم أنّ البعث إلى الشيء لا يتجاوز عمّا تعلّق به ، وذات القيد خارج والتقيّد داخل.

وإيجاد القيد وإن كان أمراً غير اختياري ـ كالزمان والسماء ـ إلاّ أنّ إيجاد الصلاة تحت السماء مقدور ، وإتيانها في وقته المزبور ـ لا قبله ولا بعده ـ أمر ممكن . فلو فرضنا أنّ القيد سيوجد في ظرفه أو يمكن له الإيجاد في وعائه يصير الواجب بالنسبة إليه مطلقاً ، لا مشروطاً .

فاتّضح صحّة تقسيم الواجب المطلق إلى المعلّق والمنجّز ; وإن كان عادم الثمرة بالنسبة إلى المقدّمات المفوّتة التي أثبتنا وجوبها ، فراجع .

تتمّـة :

في حكم تردّد القيد بين رجوعه إلى المادّة أو الهيئة:

قد عرفت اختلاف حال القيود في الرجوع إلى الهيئة أو المادّة بحسب نفس الأمر ; فإن علم واحد من الأمرين يعمل على طبقه ، وأمّا إذا دار الأمر بين رجوعه إلى الهيئة أو المادّة فمع اتّصاله بالكلام لا إشكال في صيرورة الكلام مجملا ، مع عدم وجود ظهور لغوي أو انصراف أو قرينة يعيّن المراد .

وأمّا مع انفصاله فربّما يقال ـ كما عن المحقّق صاحب «الحاشية»(31) ـ بأنّ الرجوع إلى الهيئة مستلزم لرجوعه إلى المادّة دون العكس ، فدار الأمر بين تقييد وتقييدين .

وفيه : أنّ اختلاف حال القيود بحسب نفس الأمر ـ بحيث لا يرجع أحدهما إلى الآخر أصلا ـ يوجب ضعف ما زعم من الملازمة .

بيان الشيخ الأعظم لترجيح رجوع القيد إلى المادّة نعم ، نقل عن الشيخ الأعظم هنا وجهان لترجيح إرجاعه إلى المادّة ، وإليك  البيان :

الأوّل : أنّ إطلاق الهيئة شمولي كالعامّ وإطلاق المادّة بدلي ، وتقييد الثاني أولى(32) . وقرّر وجه الأولوية بعض الأعاظم بأنّ تقديم الإطلاق البدلي يقتضي رفع اليد عن الإطلاق الشمولي في بعض مدلوله ، بخلاف تقديم الشمولي ; فإنّه لا يقتضي رفع اليد عن الإطلاق البدلي ; فإنّ المفروض  أنّه الواحد على البدل ، وهو محفوظ . غاية الأمر : أنّ دائرته كانت وسيعة ، فصارت ضيّقه .

وببيان آخر : أنّ البدلي يحتاج ـ زائداً على كون المولى في مقام البيان ـ إلى إحراز تساوي الأفراد في الوفاء بالغرض حتّى يحكم العقل بالتخيير ، بخلاف الإطلاق الشمولي ; فإنّه لا يحتاج إلى أزيد من ورود النهي على الطبيعة غير المقيّدة ، فيسري الحكم إلى الأفراد قهراً . فمع الإطلاق الشمولي لا يحرز تساوي الأفراد ، فيكون الشمولي حاكماً على البدلي(33) ، انتهى ملخّصاً .

قلت : سيوافيك في مبحث المطلق والمقيّد أنّ تقسيم الإطلاق إلى الشمولي والبدلي غير صحيح ; لأنّ دلالة المطلق على الإطلاق ليس دلالة لفظية بل دلالة عقلية ، بخلاف العامّ ; فإنّ دلالته على العموم لفظية لا عقلية . فالعامّ يكون شمولياً وبدلياً ، لا المطلق وإطلاقه .

وتوضيحه حسب ما يناسب المقام : أ نّك قد عرفت أنّ اللفظ إذا وضع لمعنى لا يدلّ إلاّ على نفس ما وضع له ، ولا يمكن التجاوز به عنه إلى غيره ، فلو كان اللفظ موضوعاً للطبيعة لا يعقل ـ حينئذ ـ دلالته على الخصوصيات والأفراد والحالات ، بل لابدّ في الدلالة عليها من دالّ لفظي آخر .

وأمّا الإطلاق المستفاد من مقدّمات الحكمة فليس دليلا لفظياً ، بل دليل عقلي ، وهو لا يجعل غير الدالّ دالاّ وغير الحاكي حاكياً ; لأنّ معنى الإطلاق هو أنّ ما وقع تحت دائرة الحكم تمام الموضوع للحكم ، من غير دخالة قيد أو شرط .

وعليه فالدالّ على ذلك هو العقل ; حيث يستكشف من عدم ذكر القيد في الكلام ـ  مع كونه في مقام البيان  ـ أنّ تمام الموضوع هو ما وقع تحت دائرة الحكم .

يرشدك إلى هذا الإطلاق الموجود في كلام ربّ العزّة {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275]; حيث يدلّ على أنّ تمام الموضوع للحلّية هو نفس طبيعة البيع لا أفرادها ، كما أنّ معنى الإطلاق في قول القائل «أكرم عالماً» هو أنّ تمام الموضوع لوجوب الإكرام هو العالم فقط ، لا هو مع قيد آخر .

وبالجملة : الذي يستفاد من الإطلاق ليس إلاّ كون الواقع موضوعاً للحكم تمام العلّة لثبوته ، وأ مّا الشمول والبدلية بمعنى كون الحكم شاملا لجميع الأفراد أو فرد منها ، أو بمعنى أنّ الطلب هل يسقط بإيجاد فرد منها أو بإيجاد كلّها فغير مربوط بالإطلاق ، بل لابدّ في استفادة أيّ واحد من الشمول والبدل من التماس دليل آخر غير الإطلاق .

فظهر ممّا ذكرناه : أنّ تقسيمه إلى الشمولي والبدلي باطل من رأسه ، فلا وجود لهما في الإطلاق حتّى نبحث عن وجود المرجّحات .

نعم ، لو جعلا من أقسام العموم الذي يدور دلالته مدار اللفظ لكان لهذا التقسيم معنى محصّل ; لأنّ الدالّ على العموم الشمولي في الألفاظ هو لفظ «كلّ» و«اللام» وما أشبههما ، وما يدلّ على العموم البدلي هو «أيّ» الاستفهامية وغيره .

وقس عليه قولنا «أكرم عالماً» فالدالّ على وجوب واحد غير معيّن من الأفراد هو «التنوين» ، كما أنّ الدالّ على إجزاء كلّ واحد من الأفراد وتساويها في الحكم ، وأنّ الفقاهة ـ مثلا ـ لا خصوصية لها هو الإطلاق .

فتلخّص : أنّ ما يستفاد من دوالّ آخر لا يجوز أن يجعل من مداليل الإطلاق . وظهر أنّ معنى الإطلاق في قوله تعالى : {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275] هو كون البيع وحده ـ  لا  مع قيد آخر ـ تمام الموضوع فقط ، وأمّا الشمول لو ثبت فيه فيحتاج إلى دالّ آخر غير الإطلاق . وقس عليه باب النواهي مميّزاً مدلول الإطلاق عن مدلول غيره .

ثمّ إنّه لو سلّمنا وجود البدلي والشمولي في الإطلاق ، لكن لا وجه لتقديم أحدهما على الآخر .

وما تقدّم عن بعض الأعاظم من أنّ تقييد الشمولي تصرّف في الدليل دون البدلي ، فإنّه باق على مفاده ; وإن رجع إليه القيد ، غاية الأمر : صارت دائرته مضيّقة ، من غرائب الكلام ; فإنّ التضييق لا يصار إليها إلاّ بعد التقييد ، وهو عين التصرّف في الدليل المساوق مع رفع اليد عنه.

وبالجملة : إرجاع القيد إلى كلّ واحد يستلزم التصرّف فيه ـ ولو بالتضييق ـ ومعه كيف يصحّ أن يقال بأنّه لو رجع إلى المادّة لا يرفع اليد عن الدليل ؟

وأغرب منه ما ادّعاه ثانياً في ترجيح التقييد البدلي من  أنّه يحتاج إلى أمر زائد على مقدّمات الحكمة لإثبات تساوي الأفراد بخلاف الشمولي ; فإنّ نفس تعلّق النهي يكفي في السراية .

قلت : وفي كلا الادّعائين نظر ـ لو لم نقل : إنّ الأمر على عكسه ـ فإنّ تساوي الأفراد في موضوعيتها للحكم إنّما يستفاد من نفس الإطلاق ، لا بمعنى كون الأفراد موضوعاً له ، بل إنّ الإطلاق يفيد كون العالم في «أكرم عالماً» تمام الموضوع ، وليس لشيء آخر دخل فيه ، وهو عين تساوي الأفراد في الحكم ; لكون تمام الموضوع متحقّقاً في كلّ واحد .

فنفس تعلّق الحكم كاف في إثبات الإطلاق البدلي ، ولكن نفس تعلّق الحكم لا يكفي في السراية والشمول ; ولو بعد مقدّمات الحكمة ، فإنّ الظاهر أنّ المراد من السراية هو سراية الحكم إلى الأفراد بخصوصياتها ، والمفروض أنّ الحكم لا يتجاوز عن موضوعه الذي هو نفس الطبيعة لا الأفراد ، إلاّ أن يكون الموضوع لفظ «كلّ» و«لام» التعريف .

فبان : أنّ ما يثبت بإطلاق كون الطبيعة تمام الموضوع ، وأ مّا أنّ الحكم لكلّ واحد بنحو الشمول فيحتاج إلى دليل آخر غير الإطلاق .

هذا كلّه في البدلي والشمولي في غير المقام .

وأمّا في المقام : فلا نتصوّر لهما معنى محصّلا ، فلو فرضنا أنّ إطلاق الهيئة شمولي والمادّة بدلي ، ولكن الشمول في الهيئة يوجب كون إطلاق المادّة شمولياً أيضاً ; لأنّ معنى الشمول في الهيئة هو البعث على كلّ تقدير ، وتعلّق الإرادة على كلّ فرض ، وبعبارة ثانية : البعث على جميع التقادير ; بحيث يكون في كلّ تقدير إيجاب ووجوب ، ومعه كيف يمكن أن يكون إطلاق المادّة بدلياً ؟ إذ كيف تتعلّق إرادات وإيجابات في عرض واحد على فرد ما ؟

والحاصل :  أنّه يستكشف من تنظير المقام بالعامّ أنّ معنى الشمول هو البعث على كلّ التقادير ، ومعه لا يحتفظ بدلية المادّة ; لعدم إمكان تعلّق الإرادات بنحو العرضية على فرد ما ، بلا تكثّر في المتعلّق .

فإن قلت : إنّ معنى الشمولي هو أنّ البعث واحد غير مقيّد ، والمراد من وجوبه على كلّ تقدير  أنّه لا يتعلّق الوجوب بتقدير خاصّ ، لا أنّ لكلّ عدد من التقادير بعث خاصّ .

قلت : إنّ هذا رجوع عن الإطلاق الشمولي ; فإنّ المادّة أيضاً بهذا المعنى لها إطلاق شمولي .

ولعمر الحقّ ! أ نّك إذا تأمّلت فيما ذكرنا وفيما سيوافيك توضيحه في محلّـه ، لعلمت : أنّ الإطلاق الشمولي والبدلي ممّا لا محصّل لهما ، ولو فرض لهما معنى معقول ففيما نحن فيه غير معقول ، ومع فرض تعقّلهما لا وجه لتقديم أحدهما على الآخر عند التقييد .

الوجه الثاني : أنّ تقييد الهيئة يوجب بطلان محلّ الإطلاق في المادّة ; ل أنّها ـ  لا محالة ـ لا تنفكّ عن وجود قيد الهيئة بخلاف تقييد المادّة ; فإنّ محلّ الحاجة إلى إطلاق الهيئة على حاله ، فيمكن الحكم بالوجوب على تقدير وجود القيد وعدمه ، وكلّما دار الأمـر بين تقييدين كذلك كان التقييد الذي لا يوجب بطلان الآخـر أولى(34) .

وفيه : أنّك بعد ما عرفت أنّ القيود بحسب الواقع مختلفة بالذات لا يختلف ولا يختلط بعضها ببعض فحينئذ إن أراد من قوله إنّ إرجاعه إلى الهيئة يوجب إبطال محلّ الإطلاق في المادّة ، أنّ القيد بحسب نفس الأمر يرجع إلى المادّة فقد عرفت بطلانه ، وأنّ التميّز بين القيدين واقعي لا اعتباري .

وإن أراد أنّ تقييد الهيئة يوجب نحو تضييق في صاحبتها وإبطالا لمحلّ إطلاقها ـ كما هو ظاهره ـ ففيه أنّ العكس أيضاً كذلك ، فإنّه إذا قلنا «أكرم زيداً إن جاءك» وفرضنا أنّ القيد راجع إلى البعث فكما أنّ الهيئة مقيّدة دون المادّة ـ  أي يجب على فرض مجيئه نفس طبيعة الإكرام بلا قيد ـ لكن يوجب ذلك تضييقاً قهرياً في نفس الإكرام أيضاً ، لا بمعنى التقييد ، بل بمعنى إبطال محلّ الإطلاق فيها ، فكذلك إذا ورد القيد على المادّة فقط فإنّ الهيئة ـ حينئذ ـ تتضيق قهراً ولا تدعوا إلاّ إلى المقيّد .

وإن شئت فاستوضح ذلك بمثالين فيما إذا قلنا «أكرم زيداً» وما إذا قلنا «أكرم زيداً ، إكراماً مقيّداً بمجيئه» ، فإنّا نجد مع كون البعث في الثاني أيضاً مطلقاً ـ  ولو من جهة تحقّق المجيء ولا تحقّقه كالمثال الأوّل ـ إلاّ أنّ دائرة الطلب في الأوّل أوسع من الثاني ; ل أنّه يدعوا إلى نفس الإكرام ـ قارن بالمجيء أو لا ـ وذاك لا يدعوا إلاّ إلى المقيّد من الإكرام دون مطلقه ، وهذا معنى التضييق في الهيئة إذا رجع إلى المادّة ، كما عرفت عكسه .

وبذلك يظهر ما في قوله ـ في بيان بقاء محلّ الإطلاق في طرف الهيئة ـ من إمكان الحكم بالوجوب على تقدير وجود القيد وعدمه ; وذلك لأنّ الحكم في الواجب المعلّق وإن كان مطلقاً من حيث تحقّق القيد وعدمه إلاّ  أنّه لا يبعث إلاّ إلى ناحية المقيّد ولا يحرّك إلى غير المقيّد ، وهذا الضيق مكتسب من جانب مادّتها المقيّدة . فحينئذ هي بالنسبة إلى غير محلّ القيد يبطل محلّ إطلاقها ; وإن لم تصر مقيّدة ، ولا منافاة بين عدم بعثه إلى غير المقيّد وبعثه قبل وجوده .

فتلخّص :  أنّه لا فرق بين تقييد المادّة والهيئة ; لا من جهة أنّ تقييد كلّ لا يوجب تقييد الآخر ، ولا من جهة أنّ تقييده يوجب إبطال محلّ إطلاقه .

وما في تقريرات بعض أهل التحقيق من أنّ تقييد المادّة معلوم تفصيلا ; لأنّها إمّا مقيّدة ذاتاً أو تبعاً ، وتقييد الهيئة مشكوك فيه ; فيصحّ التمسّك بإطلاقها لرفع الشكّ(35) ، غير واضح المراد; لأنّ المادّة كيف يكون تقييدها متيقّناً ; وقد تقدّم أنّ إرجاع القيد إلى الهيئة لا يوجب تقييد المادّة ـ ولو تبعاً ـ وإن كان يوجب بطلان محلّ الإطلاق فيها . وكم فرق بين التقييد وإبطال محلّ الإطلاق ؟

ثمّ أيّ دليل ـ بعد تسليمه في المقام ـ على الترجيح المذكور ؟ فتدبّر في أطراف ما ذكرنا .

الواجب النفسي والغيري :

من تقسيمات الواجب تقسيمه إلى واجب نفسي وغيري ، الظاهر : أنّ تقسيم الواجب إلى الأقسام ليس باعتبار الإرادة أو الغرض ; لأنّهما خارجان من اعتبار الوجوب والواجب ; لما عرفت(36)  من أنّ الحكم ليس هو نفس الإرادة أو هي بانضمام الإظهار ، بل أمر اعتباري عقلائي ينتزع عن نفس البعث .

بل التقسيم باعتبار البعث والوجوب ، فحينئذ يصحّ ما يدور في الألسن من «أنّ النفسي ما اُمر به لنفسه ، والغيري ما اُمر به لغيره» ; وإن كان الأظهر تعريفهما بـ «أنّ البعث إذا تعلّق بشيء لأجل التوصّل إلى مبعوث إليه فوقه فهو غيري ، و إن تعلّق به من غير أن يكون فوقه مبعوث إليه فهو نفسي» .

وبما ذكرنا يندفع ما ربّما يورد على تعريف المشهور من استلزامه كون الواجبات كلّها غيرياً ; لأنّه قد اُمر بها لأجل مصالح تترتّب عليها خارجاً(37) ; لأنّك قد عرفت : أنّ التقسيم ليس باعتبار الإرادة في كلّ من الفاعل والآمر ، ولا باعتبار الأغراض المتصاعدة إلى أن تبلغ إلى ما هو المقصود بالذات ، بل بالنظر إلى نفس الحكم الاعتباري ، باعتبار كون صدوره لأجل خطاب فوقه ، أو لا .

نعم ، يمكن تقسيمه باعتبار الإرادة إلى نفسي وغيري أيضاً ، فنقول : «النفسي ما تعلّقت به إرادة الإيجاد لأجل نفسه ، أو لأجل ما يترتّب عليه من الفوائد ، لا لأجل التوصّل إلى ما تعلّقت به إرادة إيجاد اُخرى ، والغيري ما تعلّقت به إرادة لأجل التوصّل إلى ما تعلّقت به إرادة إيجاد فوقها» .

هذا هو الحال في الإرادة الفاعلية ، وقس عليه الآمرية .

هذا ، وقد عرفت : أنّ الملاك في هذا التقسيم ليس باعتبار الإرادة ولا باعتبار كونه محبوباً بالذات أو بالغير ; لأنّها إن صحّت فإنّما هي في التقسيم بحسب الملاكات والأغراض ، بل التقسيم هنا باعتبار كون المقسم هو الحكم ، وقد تقدّم أنّ الخطاب وجعل الحكم باعتبار التوصّل إلى خطاب آخر فوقه غيري ، وجعله لا لأجل التوصّل إليه نفسي .

مثلا إذا أمر المولى عبده ببناء مسجد ولم يكن فوقه أمر آخر متوجّه إلى المأمور يكون ذلك نفسياً ; وإن كان لأجل غرض ، كالصلاة فيه .

وإذا أمره أيضاً بإحضار الأحجار والأخشاب لأجل التوصّل إلى ذلك المبعوث إليه يكون غيرياً، كما  أنّه إذا أمر ابتداءً أشخاصاً ، فأمر شخصاً بشراء الأحجار وآخر بإحضارها وثالثاً بتحجيرها تكون تلك الأوامر نفسيات ، ولكن إذا أمر كلّ واحد منهم لأجل التوصّل إلى ذلك المبعوث إليه الخاصّ بهم يكون غيرياً مع أنّ كلّها لأغراض ; وهي ترجع إلى غرض أقصى فوقها ، والأمر سهل .

مقتضى الأصل اللفظي فيما لو شكّ في واجب  أنّه نفسي أو غيري ثمّ إنّه إذا شكّ في واجب بأنّه نفسي أو غيري فربّما يقال : إنّ الإطلاق يقتضي كونه نفسياً ; فإنّ المحتاج إلى البيان كون الخطاب لأجل غيره(38) .

وفيه : أنّ التقسيم يحتاج إلى تصوير جامع بين الأقسام حتّى يتميّز الأفراد عنه بخصوصية زائدة على مقسمه ، وليس هو هنا نفس الحكم ; ل أنّه أمر إيجادي جزئي ، وقد تقدّم(39)   أنّه يمتنع تصوير جامع حقيقي بين الإيجاديات ; لأنّ الجامعية تساوق الكلّية فلابدّ أن يكون مع اعتبار كونه جامعاً من سنخ المصاديق بالذات ; بأن يكون في حال كونه جامعاً ، إيجادياً أيضاً ، ولكن الإيجاد ـ ولو اعتباراً ـ عين الفردية والخصوصية ، فكيف تجتمع مع الجامعية ؟

فلا مناص من أن يكون تقسيم الحكم إليهما باعتبار مباد متقدّمة على الحكم ; بأن يقال : إنّ الوجوب إمّا لأجل التوصّل إلى مبعوث إليه فوقه ، وإمّا لا  لأجـل ذلك ، بل تعلّق بشيء مـن غير أن يكون خطاب فوقـه ، وقـد تقدّم(40)  نظيره في تحقيق معنى الوجـوب والندب . فحينئذ كلّ مـن النفسية والغيريـة متقوّم  بقيد زائد .

وكذلك إذا قلنا بأنّ البعث الكلّي موضوع له وجامع بينهما ; وإن كان خلاف التحقيق ; إذ عليه يحتاج كلّ واحد إلى البيان ـ ولو من باب زيادة الحدّ على المحدود ـ سواء كان القيود وجودية أو عدمية . وقد مرّ(41)  أنّ القيد العدمي في الندب ونظيره لم يؤخذ على نحو السالبة المحصّلة ، بل على نحو الموجبة السالبة المحمول أو السالبة المعدولة ، وإلاّ يلزم أن يكون المقسم عين القسم .

نعم ، لا يبعد أن يقال : إنّ الحمل على النفسي مقتضى الانصراف ، لا بمعنى انصراف جامع كلّي إلى أحد أقسامه ; فإنّ التحقيق ـ كما عرفت ـ أنّ الموضوع له في الهيئة وما أشبهها خاصّ، وهي لا تستعمل في النفسي والغيري إلاّ استعمالا إيجادياً لنفس البعث والإغراء ، بل بما أنّ البعث لأجل الغير لمّا كان نادراً بالمعنى الذي أسمعناك ، فلا يعتنى باحتماله لدى العقلاء .

وإن شئت قلت ـ طبق ما قرّرناه في البحث عن هيئة «افعل» ـ إنّ البعث المتعلّق بشيء حجّة على العبد ، ولايجوز التقاعد عن امتثاله باحتمال كونه مقدّمة لغيره إذا فرض سقوط أمره .

هذا ، وربّما يقال : إنّ الوجوب الغيري لمّا كان مترشّحاً عـن وجوب الغير كان وجوبه مشروطاً بوجوب الغير ، كما أنّ الغير يكون مشروطاً بالواجب الغيري ، فيكون وجوب الغير من المقدّمات الوجوبية للواجب الغيري ، ووجود الواجب الغيري من المقدّمات الوجودية لذلك الغير، كالصلاة والوضوء فهي مشروطة به ، ووجوبه مشروط بوجوبها .

فحينئذ يرجع الشكّ في كون الواجب غيرياً إلى شكّين : أحدهما الشكّ في تقييد وجوبه بوجوب الغير ، وثانيهما الشكّ في تقييد مادّة الغير به ، فيرفع الشكّان بإطلاق المادّة والهيئة ، بل إطلاق أحدهما كاف لرفعهما ; لحجّية مثبتات الاُصول اللفظية(42) ، انتهى ملخّصاً .

وأنت خبير : بأنّ القول بكون وجوبها مشروطاً بوجوب ذيها لا يجتمع مع القول بكون وجوبها مترشّحاً عن وجوبه ; لاستلزامه أن يكون المعلول متقيّداً ومشروطاً بعلّته ، وهو باطل بالضرورة .

أمّا الملازمة : فلأنّ الإرادة الغيرية إذا كانت مفاضة عن الإرادة النفسية على نحو الإيجاد تكون الاُولى في حدّ المعلول بالنسبة إلى الثانية .

وتقييد وجود المعلول بعلّته : إمّا في حال وجوده ، وهو يستلزم أن يوجد المعلول بتمام شؤونه ، ثمّ يرتبط بعلّته بعد استقلاله . وإمّا في حال عدمه ، وهو باطل بالبداهة ; لأنّ المعدوم الباطل العاطل كيف يقع طرفاً للإضافة ؟

والحاصل : أنّ اشتراط الشيء فرع وجوده ; ضرورة أنّ المعدوم لا يشترط بشيء ، ولابدّ أن يكون الواجب الغيري متحقّقاً ثمّ يشترط بشيء ، وهو لا يجتمع مع فرض كونه معلولا . فاشتراط المعلول بوجود علّته مستلزم لوجوده قبل وجودها ، أو اشتراط المعدوم في حال عدمه.

فإن قلت : يمكن أن يكون مراده من الشرطية ما حقّق في محلّه(43)  من أنّ للمعلول ضيقاً ذاتياً من ناحية علّته ; بمعنى أنّ المؤثّر في هذه الحرارة الخارجية ليست النار المطلقة ولا المقيّدة بهذه الحـرارة ، بل النار التي لا تنطبق إلاّ على الحصّة المؤثّرة فيها .

قلت : إنّ الضيق الذاتي أمر تكويني دائر أمره بين الوجود والعدم ، لا يقبل الوضع والرفع ، والبحث فيما يمكن أن يرفع بمعونة الإطلاق .

ثمّ ليس البحث هنا بحثاً اعتبارياً حتّى يقال : إنّ هذه البراهين ـ على فرض صحّتها ـ راجعة إلى التكوين ; إذ قد عرفت أنّ الحكم عند القائل هي الإرادة المظهرة ، وهي من مراتب الخارج .

والحاصل : أنّ توقّف وجود شيء على وجود شيء آخر غير اشتراطه به ، واستناد المعلول إلى العلّة وضيقه الذاتي غير التقييد والاشتراط .

فتحصّل ممّا ذكر : أنّه لا مجال للتمسّك بالإطلاق لرفع الشكّ المزبور . أضف إلى ذلك : أنّ عدّ الواجب الغيري من قيود المادّة في الواجب النفسي مطلقاً لا يصحّ إلاّ في الشرائط ، دون غيرها من الغيريات كنصب السُلّم بالنسبة إلى الصعود .

وأمّا القول بحجّية مثبتات اللفظية من الاُصول فإنّما يصحّ لو كانت من الطرق العقلائية الكاشفة عن الواقع ، وهو محلّ تأمّل وتردّد .

مقتضى الأصل العملي فيما لو شكّ في واجب أنّه نفسي أو غيري:

وأمّا الأصل العملي : فقد تعرّض لحاله بعض الأعاظم في ضمن أقسام ، ولا بأس بالتعرّض لحالها ، قال ـ قدس سره ـ  :

القسم الأوّل : إذا علم بوجوب واجب نفسي ووجوب ما احتمل النفسية والغيرية ، من دون اشتراط وجوب النفسي بشرط غير حاصل ، كما إذا علم بعد الزوال بوجوب الوضوء والصلاة وشكّ في وجوب الوضوء :  أنّه غيري أو نفسي ، ففي هذا القسم يرجع الشكّ إلى تقييد الصلاة بالوضوء ، فيكون مجرى البراءة ;

لكونه من صغريات الأقلّ والأكثر الارتباطيين . وأ مّا الوضوء فيجب على أيّ حال ; نفسياً كان أو غيرياً(44) .

وفيه : أنّ إجراء البراءة في الصلاة غير جائز بعد العلم الإجمالي بوجوب الوضوء نفسياً ، أو وجوب الصلاة المتقيّدة به ، والعلم التفصيلي بوجوب الوضوء ـ  الأعمّ من النفسي والغيري ـ لا يوجب انحلاله إلاّ على وجه محال ، كما اعترف به القائل في الأقلّ والأكثر(45) ، فراجع .

القسم الثاني : الفرض بحاله ، لكن كان وجوب النفسي مشروطاً بشرط غير حاصل ، كالوضوء قبل الوقت ـ بناءً على اشتراط الصلاة بالوقت ـ ففي هذا القسم لا مانع من جريان البراءة ; لعدم العلم بالوجوب الفعلي قبل الوقت(46) .

قلت : إنّ ذلك يرجع إلى العلم الإجمالي بوجوب الوضوء نفساً ، أو وجوب الصلاة المتقيّدة به بعد الوقت ، والعلم الإجمالي بالواجب المشروط إذا علم تحقّق شرطه فيما سيجيء أو الواجب المطلق في الحال منجّز عقلا ، فيجب عليه الوضوء في الحال والصلاة مع الوضوء بعد حضور الوقت .

نعم ، لو قلنا بعدم تنجيز العلم الإجمالي المذكور كان إجراء البراءة في الطرفين بلا مانع ، لكنّه خلاف التحقيق وقـد اعترف في مقام آخـر بتنجيز العلم الإجمالي في التدريجيات ; ولـو كان للزمان دخـل خطاباً وملاكاً ، فراجـع كلامـه في الاشتغال .

القسم الثالث : ما إذا علم بوجوب ما شكّ في غيريته ولكن شكّ في وجوب الغير ، كما إذا شكّ في وجوب الصلاة في المثال المتقدّم وعلم بوجوب الوضوء ، ولكن شكّ في كونه غيرياً حتّى لا يجب ; لعدم وجوب الصلاة ظاهراً بمقتضى البراءة ، أو نفسياً حتّى يجب .

ففي هذا القسم يجب الوضوء دون الصلاة ; ل أنّه من قبيل الأقلّ والأكثر الارتباطيين ; حيث إنّ العلم بوجوب ما عدا السورة مع الشكّ في وجوبها يقتضي وجوب امتثال ما علم ، ولا يجوز إجراء البراءة فيه . مع  أنّه يحتمل كون ما عدا السورة واجباً غيرياً ، وكون المقام من قبيل المقدّمات الخارجية ، وهناك من الداخلية لا يكون فارقاً(47) .

وأنت خبير : بأنّ العلم التفصيلي بوجوب الوضوء وتردّده بين الوجوب النفسي والغيري لايمكن إلاّ مع العلم الإجمالي بوجوب الصلاة المتقيّدة بالوضوء أو وجوب الوضوء نفسياً ، وهذا العلم الإجمالي لا ينحلّ إلاّ بوجه محال ، كما عرفت .

وتصوّر الشكّ البدوي للصلاة مع العلم التفصيلي الكذائي بوجوب الوضوء جمع بين المتنافيين ، والعجب منه ـ قدس سره ـ حيث قال : وعلم بوجوب الوضوء ، ولكن شكّ في كونه غيرياً حتّى لا يجب ، فكيف جَمع بين العلم بالوجوب والشكّ فيه .

ثمّ الفرق بين المقام والأقلّ والأكثر في الأجزاء واضح ، اعترف به ـ قدس سره ـ في باب الأقلّ والأكثر(48)  وأوضحنا سبيله هناك ; فإنّ المانع من الانحلال في المقام هو الدوران بين النفسية والغيرية ، بخلاف الأجزاء ، والتفصيل موكول إلى محلّه .

وفي المقام تنبيهان :

الأوّل : هل يترتّب على إتيان الواجب الغيري ثواب أو لا ؟

التحقيق : أنّ ذلك يختلف باختلاف الأنظار في كيفية الثواب والعقاب الأخرويين ، ونشير إلى الآراء على نحو الاختصار ، والتفصيل يطلب من محلّه :

فذهب جماعة إلى  أنّهما من لوازم الأعمال ; بمعنى أنّ الأعمال الحسنة والأفعال القبيحة في الدنيا تعطي استعداداً للنفس حقيقة ، به يقتدر على إنشاء صور غيبية بهية من الحور والقصور، وكذا في جانب الأعمال السيّئة ، بل مثل الأعمال الأخلاق والعقائد والهواجس والصفات النفسانية ; فإنّ لها لوازم لا تنفكّ عنها ، وتوجب اقتداراً للنفس على إيجاد لوازمها وآثارها على ما فصّل في كتبهم .

وبالجملة : فالجزاء هو التمثّل الملكوتي عملا وخلقاً واعتقاداً ، وهذا الوجه يطلب من محالّه(49) .

وذهب جماعة اُخرى ـ آخذاً بظواهر الآيات والأخبار ـ ب أنّهما من المجعولات ، كالجزائيات العرفية في الحكومات السياسية ، كما هو ظاهر قوله تعالى : { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا } [الأنعام: 160]  إلى غير ذلك .

وهو المرضي عند المحقّق النهاوندي(50)  ـ على ما حكي عنه(51) ـ مستدلاّ بأنّه لولاه لزم التشفّي المحال في حقّه تعالى .

وذهب طائفة إلى أنّ الثواب والعقاب بالاستحقاق ، وأنّ العبد يستحقّ من عند ربّه جزاء العمل إذا أطاع أو عصى ، ولايجوز له تعالى التخلّف عنه عقلا في الطاعة ، وأ مّا جزاء السيّئة فيجوز عنه العفو(52) .

ثمّ إنّ ترتّب الثواب والعقاب على المسلك الأوّل أمـر مستور لنا ; إذ لا نعلم أنّ النفس بالطاعات والقربات تستعدّ لإنشاء الصور الغيبية وإيجادها ، وعلى فرض العلم بصحّته إجمالا فالعلم بخصوصياتها وتناسب الأفعال وصورها الغيبية ممّا لا يمكن لأمثالنا .

نعم ، لا شبهة أنّ لإتيان الأعمال الصالحة لأجل الله تعالى تأثيراً في صفاء النفس وتحكيماً لملكة الانقياد والطاعة ، ولها بحسب مراتب النيات وخلوصها تأثيرات في العوالم الغيبية ، وكذا الحال في إتيان مقدّماتها وتهيئة مبادئها ، بل كلّ من المقدّمة وذيها إذا أتاهما لأجله تعالى يوجب صفاء النفس وتثبيت ملكة الطاعة ، هذا هو الحال على القول الأوّل .

وأمّا على الثاني من المسالك : فلا شكّ أنّ التخلّف بعد الجعل قبيح ; لاستلزامه الكذب لو أخبر عنه مع علمه بالتخلّف ـ كما في المقام ـ أو لاستلزامه التخلّف عن الوعد والعهد لو أنشأه ، وامتناعهما عليه تعالى واضح جدّاً .

فحينئذ : ترتّب الثواب والعقاب يتّبعان مقدار الجعل ـ سعةً وضيقاً ـ وكما يجوز الجعل على أصل العمل يجوز جعله على المقدّمات أيضاً ، ويترتّب الثواب عليها ، من دون أن نلتزم كونها عبادة برأسها ; إذ هو بعيد جدّاً .

ويظهر عن عدّة من الأخبار ترتّبها على مقدّمات بعض الأعمال ، كما في زيارة إمام الطاهر أبي عبدالله الحسين ـ عليه السَّلام ـ  ; حيث ورد الثواب على كلّ خطوة لمن زاره ماشياً(53) .

وأمّا على المسلك الثالث الذي هو خلاف التحقيق في جانب الثواب لأنّ من عرف مقام ربّه من الغناء والعظمة ، ومقام نفسه من الفقر والفاقة يعرف أنّ التفوّه بالاستحقاق دون التفضّل ممّا لا يليق أن يصدر إلاّ عمّن جهل بشؤون ربّه وغفل عن نقصان ذاته ، وأنّ كلّ ما ملكه من أعضاء وجوارح ونِعَم ـ كلّها ـ منه تعالى ، لا يستحقّ شيئاً إذا صرفه في طريق عبوديته .

وكيف كان : فعلى فرض صحّة المبنى فهل يستحقّ الثواب على الغيريات ، كما يستحقّه على النفسيات أولا ؟

والحقّ هو الثاني ; لأنّ الاستحقاق إنّما هو على الطاعة ، ولا يعقل ذلك في الأوامر الغيرية ; ل أنّها بمعزل عن الباعثية ; لأنّ المكلّف حين إتيان المقدّمات لو كان قاصداً لامتثال الأمر النفسي فالداعي ـ حقيقة ـ هو ذلك الأمر دون الغيري ; لأنّ وجود النفسي ودعوته وإرادة المكلّف لامتثاله كاف في إلزام العبد ومقهوريته في تهيئة المبادئ ; وإن كان راغباً عنه معرضاً ، فلا معنى لإتيان المقدّمات لأجل ذيها ، كما هو مفاد الأوامر الغيرية .

فحينئذ : لم يكن الأمر الغيري داعياً وباعثاً مطلقاً ، وما شأنه هذا لا يعقل استحقاق الثواب عليه.

وما ربّما يتراءى في الأخبار من الأمر بالجزء والشرط فهو إرشاد إلى جزئيته وشرطيته ، لا  أنّه باعث وداع نحوهما .

وتوهّم استحقاق الثواب عليها باعتبار الواجب النفسي مدفوع ; بأنّ المراد من الاستحقاق في المقام هو كون ترك الثواب ظلماً وقبيحاً وممتنعاً عليه تعالى . فحينئذ فالآتي بالمقدّمات لأجل التوصّل إلى ذيها ـ إذا فرضنا  أنّه لم يأت بالواجب النفسي لعذر عقلي أو شرعي ـ فإن كان مستحقّاً للثواب لأجل الواجب الغيري فقد عرفت حاله من كون الاستحقاق فرع الطاعة ، وهو فرع كون أمره داعياً وباعثاً ، وإن كان مستحقاً لأجل النفسي فهو لم يأت بمتعلّقه ، فكيف يستحقّ أجر ما لم يفعله ؟ فهو كمن تحمّل المشاقّ واستفرغ الوسع في ردّ الضالّة ، ولم يتمكّن عنه ، فرجع آيساً ، فهل تجد من نفسك جواز القول باستحقاقه الأجر الذي عُيّن لردّها ، أو اُجرة المثل إذا أمر بالردّ بلا تعيّن الاُجرة ؟

فإن قلت : إذا فرضنا شخصين أدركهما الأجل لدى الزوال ، وكان أحدهما متطهّراً وممهّداً جميع المقدّمات التي تحتاج إليها الصلاة دون الآخر فإنّا نجد بين الرجلين فرقاً واضحاً ، كما نجده بين من أحرم للحجّ ممّا يقرب من مكّة ومن أحرم وتوجّه نحو الكعبة من أقاصي البلاد ، فهل هما سيّان في المثوبة مع قلّة المشقّة في أحدهما وكثرتها في الآخر ؟

قلت : إنّ ذلك خلط بين استحقاق العبد وممدوحيته بمعنى إدراك العقل صفاء نفسه وكونه بصدد إطاعة أمره ، وأنّه ذو ملكة فاضلة وسريرة حسنة ; ضرورة أنّ التهيّؤ بإتيان المبادئ مع عدم حصول ذيها لا يوجب إلاّ كونه ممدوحاً لا مستحقّاً بمعنى كون تركه ظلماً وجوراً .

وأمّا الفرق بين الإحرامين فواضح لايمكن إنكاره ، إلاّ أنّ زيادة المثوبة ليست لأجل المقدّمات ، بل الثواب كلّه على نفس العمل ، لكن كثرة المشقّة وقلّتها جهات تعليلية لاتّصاف العمل بترتّب كثرة الثواب عليه وعدمه .

وبالجملة : أجر نفس العمل بحسب المقدّمات مختلف لا بمعنى التقسيط عليها ، بل يكون التفاوت بلحاظها . نعم ، لو لم يأت بنفس الحجّ مع تحمّل المشاقّ لا يستحقّ أجراً ، بل يستحقّ مدحاً .

فإن قلت : إنّ هنا وجهاً آخر لتصحيح الأجر ; وهو أنّ الآتي بالمقدّمة بقصد التوصّل إلى ذيها مشتغل بامتثال الواجب النفسي ومستحقّ للمدح والثواب ، وهما من رشحات الثواب الذي عيّن للواجب النفسي(54) .

قلت : إنّ ذلك توسّع في الإطلاق ، وإلاّ فالشروع في الواجب النفسي ليس إلاّ بالشروع فيه دون مقدّماته . ثمّ إنّ الشروع في الواجب لا يوجب ثواباً ولا يوجب استحقاقاً مالم يأت بالمتعلّق بتمام أجزائه ، ولا يكون ذلك إلاّ بإتمام الواجب لا بالشروع فيه ; فضلا عن الشروع في مقدّماته .

أضف إليه : أنّ ما يترتّب عليه مـن الثواب أمر محـدود على مفروضـه ; لأنّ  ما يترتّب على المقدّمة عنده ليس لها ، بل من رشحات الثواب الذي للواجب  النفسي .

فإذن لا معنى لأكثرية الثواب عند زيادة المقدّمات ، بل الثواب على وزان واحد على مبناه ـ سواء قلّت المقدّمات أم كثرت ـ فكلّما كثرت يكثر تقسيط ذلك الثواب عليها ، فالثواب مقدار محدود والتقسيط يقدّر مقدار المقدّمات . إلاّ أن يقال : إنّ كثرة الثواب بلحاظ المقدّمات على ذيها ثمّ يترشّح منه إليها ، وهذا تخرّص بعد تخرّص ، والتحقيق ما عرفت .

التنبيه الثاني : الإشكال في الطهارات الثلاث ودفعه:

قد وقعت الطهارات الثلاث التي جعلت مقدّمة للعبادة مورد الإشكال من وجوه ، ونحن نقرّرها واحداً بعد واحد ، ثمّ نجيب عن الجميع بجواب واحد :

الأوّل :  أنّه لا إشكال في ترتّب الثواب عليها ، مع أنّ الواجب الغيري لا يترتّب عليه ثواب .

الثاني : لزوم الدور ; فإنّ الطهارات ـ بما هي عبادات ـ جعلت مقدّمة وعباديتها تتوقّف على الأمر الغيري ، ولا يترشّح الوجوب الغيري إلاّ بما هي مقدّمة ، فالأمر الغيري يتوقّف على العبادية وهي عليه .

الثالث ـ وهي أصعبها ـ أنّ الأوامر الغيرية توصّلية ، لايعتبر في سقوطها قصد التعبّد ، مع أنّ الطهارات يعتبر فيها قصده إجماعاً .

هذا ، ولكن الذي ينحلّ به العقدة هو  أنّها بما هي عبادة جعلت مقدّمة ، ولا يتوقّف عباديتها على الأمر الغيري بل لها أمر نفسي . بل التحقيق : أنّ ملاك العبادية في الاُمور التعبّدية ليس هو الأمر المتعلّق بها ، بل مناطها هو صلوح الشيء للتعبّد به وإتيانه للتقرّب به إليه تعالى .

وعلى ذلك استقرّ ارتكاز المتشرّعة ; ل أنّهم في إتيان الواجبات التعبّدية يقصدون التقرّب إليه تعالى بهذه الأعمال مع الغفلة عن أوامرها المتعلّقة بها . ولو أنكرت إطباق المتشرّعة في العبادات ، إلاّ أنّ إنكار ما ذكرناه ملاكاً للعبادية ممّا لا سبيل إليه . نعم ، لايمكن الاطّلاع على صلوح العبادية غالباً إلاّ بوحي من الله تعالى .

وبذلك يستغنى عن كثير من الأجوبة التي سيجيء الإشارة إليها ـ  بإذن الله  ـ من أنّ عباديتها لأجل تعلّق الأمر الغيري أو النفسي عليها ، فارتقب .

وكما ينحلّ بذلك عبادية الطهارات ينحلّ أيضاً شبهة ترتّب الثواب عليها لأجل العبادية وشبهة الدور ; لأنّها إنّما ترد لو قلنا بأنّ عباديتها موقوفة على الأمر الغيري ، وقد عرفت خلافه .

وممّا ذكرناه من الجواب يقرب ما ذكره المحقّق الخراساني(55) ، ويفترق عنه بما يسلم عن بعض المناقشات .

فإن قلت : إنّ الالتزام بعبادية الطهارات الثلاث حتّى التيمّم مشكل جدّاً ; إذ ليس الأخير عبادة نفسية ، وما ربّما يستفاد من ظواهر بعض أخباره من كونه عبادة(56)  ـ  على فرض تسليمه ـ ليس بحجّة ; لإعراض الأصحاب عنها .

قلت : يمكن أن يقال بل يستكشف من احتياجه إلى قصد التقرّب وترتّب المثوبة ، كونه عبادة في نفسه ، إلاّ  أنّه في غير حال المقدّمية ينطبق عليه مانع عن عباديتها الفعلية ، أو يقال بأنّه عبادة في ظرف خاصّ ; وهو كونه مأتياً به بقصد التوصّل إلى الغايات ، لا بأن تكون عباديته لأجل الأمر الغيري .

فإن قلت : فعلى ذلك لابدّ أن يؤتى بها لأجل رجحانها الذاتي ، مع أنّ سيرة المتشرّعة جارية على إتيانها لأجل التوصّل بها إلى الغايات . وعليه فلو أتى بها لأجل الغير تقع صحيحة ; وإن غفل عن ملاك العبادية ، كما عليه بعضهم في تصحيح العبادية .

قلت : بل نجد ارتكاز المتشرّعة على خلاف ذلك ، أترى من نفسك أن ترميهم بأنّهم لا يفرّقون بين الستر وتطهير الثوب للصلاة وبين الطهارات الثلاث لأجل التوصّل إليها ؟ بل لاشكّ  أنّه يقصدون بها التعبّد ، ويجعل ما هو عبادة مقدّمة إلى غاياتها ، فيؤتي بالوضوء متقرّباً به إلى الله تعالى . والغفلة إنّما عن الأمر النفسي والغيري ، وقد تقدّم أنّ العبادة لا تحتاج إلى أزيد من كونه صالحاً للتعبّدية .

هذا هو المختار في دفع الإشكالات .

وربّما يجاب عن الإشكال الأوّل ـ أعني ترتّب المثوبة ـ بأنّ الثواب جعلي وهو تابع للجعل ، فكما يجعل على نفس العبادات يجعل على مقدّماتها .

وفيه : أنّ ملاك الإشكال إنّما هو على مسلك الاستحقاق في الثواب ، وهو فرع كونه مأتياً للتقرّب منه تعالى ، لا لأجل التوصّل إلى غايات .

وربّما يجاب عن الإشكال الثاني ـ كما عن بعض أهل التحقيق ـ بأنّ الأمر الغيري المتوجّه إلى المركّب ينحلّ إلى أوامر ضمنية غيرية ، فيكون ذوات الأفعال في الطهارات مأموراً بها بالأمر الضمني من ذلك الأمر الغيري ، وإذا أتى بها بداعي ذلك الأمر الضمني يتحقّق ما هو المقدّمة ويسقط الأمر الضمني المتوجّه إلى القيد ; لحصول متعلّقه قهراً(57) ، انتهى .

قلت : ما ذكره وإن كان كافياً في دفع الدور إلاّ  أنّه لا يصحّح عباديته ; إذ الأمر الغيري لا يصلح للداعوية .

وربّما يقرّر الدور على وجه آخر ; وهو أنّ الأمر الغيري لا يدعوا إلاّ إلى ما  هو مقدّمة ، والمقدّمة هاهنا ما يؤتى بها بدعوة الأمر الغيري ; فإنّ نفس الأفعال  الخاصّة لم تكن مقدّمة بأيّ نحو اتّفقت ، فيلزم أن يكون الأمر داعياً إلى داعوية نفسه .

وأنت خبير : بأنّ التقرير المزبور هو عين ما تقدّم في مبحث تعبّدية الأوامر وتوصّليتها ، وليس مخصوصاً بهذا الباب ، وقد أشبعنا الكلام في رفع الشبهات هناك ، فراجع .

وأمّا الإشكال الثالث : فربّما يصار إلى تصحيح عباديتها بالأمر الغيري ، أو النفسي المتعلّق بذيها أو النفسي المتعلّق بها نفسها . والأخير لا محذور فيه ، بل يمكن إرجاع روايات الباب إليه، كما احتملناه في مبحث الوضوء(58) ، إلاّ أنّ الذي يبعّده مغفولية هذا الأمر النفسي ـ على فرض صحّته ـ عند المتشرّعة ، لو كان هو المناط لعباديتها .

وما ربّما يتوهّم مـن امتناع اجتماع الوجـوب الغيري والاستحباب النفسي في موضوع واحـد ، بل يجب الحكم بتبدّل الاستحباب بالوجوب مـع اندكاك الملاك الاستحبابي في الملاك الوجوبي ـ نظير اندكاك السواد الضعيف في السواد الشديد  ـ مدفوع بما سيأتي في النواهي ; مـن أنّ الأمـر يقف على العنوان الـذي تعلّق به ، ولا يتجافى عنه ، ولا يسري إلى الخارج أصلا ; ضرورة  أنّه ظرف السقوط  لا العروض .

فحينئذ فموضوع الأمر الاستحبابي ـ على فرض صحّته ـ هو نفس الغسلات ، كما أنّ الموضوع للأمر الغيري هو الوضوء الذي تعلّق به الأمر العبادي الاستحبابي . بل التحقيق ـ على ما سيأتي ـ أنّ الأمر الغيري على فرضه إنّما يتعلّق بحيثية ما يتوصّل به إلى ذي المقدّمة ، وحينئذ فامتثال الأمر الوجوبي عقلا ليس إلاّ إتيان الوضوء بأمره الاستحبابي ، وإلاّ لم يأت بما هو المتعلّق .

وما في كلام القائل في نذر صلاة الليل من أنّ الأمر الاستحبابي إنّما تعلّق بـذات صلاة الليل ، لا بما  أنّها مستحبّة ، والنذر أيضاً إنّما يتعلّق بالـذات ; إذ لا يمكن أن يتعلّق النذر بصلاة الليل بوصف كونها مستحبّة ; لأنّها بالنذر تصير واجبة . . . إلى آخره(59) .

لا يخلو عن مغالطة ; لأنّ ما هو الواجب إنّما هو عنوان الوفاء بالنذر لا نفس الصلاة ، نعم يتوقّف امتثال الخطاب الوارد في قوله : «ف بنذرك» على إتيان الصلاة استحباباً ، وهو غير كون الصلاة متعلّقة للوجوب ، فالخلط وقع بين ما هو متعلّق بالذات وما هو مصداق بالعرض . وللمقال تتمّة يأتي في محلّه .

وأمّا القول بصيرورتها عبادة بواسطة الأمر الغيري فلا يخلو من غرابة ; ل أنّه ـ  بعد تسليم إمكان داعويته ، والغضّ عمّا تقدّم من الإشكال فيه ـ يرد عليه : أنّ دعوته ليست إلاّ إلى إتيان المقدّمة للتوصّل إلى ذيها ، وليست له نفسية وصلاحية للتقرّب ، ولم تكن المقدّمة محبوبة للمولى ، بل لو أمكنه أن يأمر بإتيان ذيها مع عدم الإتيان بمقدّمته لأمر به كذلك ، فالأمر بها من جهة اللابدّية ، ومثل ذلك لا يصلح للمقرّبية ; ولهذا لو أتى بالمقدّمة ـ بناءً على وجوب المقدّمة المطلقة ـ بانياً على عدم إتيان ذيها لما استحقّ الثواب .

وأمّا ما عن بعض الأكابر ـ أدام الله أظلاله ـ من دعوى صيرورتها عبادة بواسطة الأمر المتعلّق بذي المقدّمة فتوضيحه أن يقال : إنّ إتيان المقدّمة لأجل الأمر العبادي المتعلّق بذيها يجعلها عبادة ، ويكفي في المقرّبية وفي تعنون الشيء

بالعبادية كون تحصيل الشيء لأجل امتثال الأمر العبادي(60) .

وفيه :  أنّه لا تخلو عن نظر ; لأنّ الأمر ـ كما تقدّم ـ لايمكن أن يتجافى عمّا تعلّق به من العنوان ، أو يبعث ويدعو إلى غير ما تعلّق به ، وحينئذ فما هو المدعوعين ما تعلّق به من الصلاة ، وما خرج من تحت الأمر ـ كالمقدّمات ـ لا يعقل أن يدعو إليها ; لعدم تعلّقه بها ، فلا يكون الإتيان بها إطاعة له .

وبالجملة : أنّ الأمر النفسي لا يدعو إلاّ إلى متعلّقه ، ولا يعقل أن يدعو إلى المقدّمات ; لعدم تعلّقه بها . فلا يكون الإتيان بها إطاعة له ، بل إطاعة للأمر المقدّمي ـ  لو فرض الملازمة ، مع الغضّ عن الإشكال المتقدّم ـ أو لحكم العقل .

وحينئذ : القول بأنّه يكفي في عبادية الشيء أن يؤتى به لأجل المولى ـ  ولو  بمثل هذه الدعوة ـ لا يخلو عن مصادرة . أضف إليه : أنّ العبادية فرع صلوح الشيء للتقرّب ، والمقدّمة لا تصلح لذلك . ولعلّه وقع الخلط بين حكم العقل وداعويـة الأمر .

وبما ذكرنا يتّضح : ما عن بعض الأعاظم من أنّ عبادية الوضوء من ناحية الأمر النفسي المتوجّه إلى الصلاة بما لها من الأجزاء والشرائط ; بداهة أنّ نسبة الوضوء إلى الصلاة كنسبة الفاتحة إليها من الجهة التي نحن فيها ; حيث إنّ الوضوء قد اكتسب حصّة من الأمر بالصلاة لمكان قيديته لها(61) ، انتهى ملخّصاً .

فراجع مجموع كلامه تجد فيه ما يقضى منه آخر العجب ; فإنّ ما توجّه إليه الأمر ليس إلاّ التقيّد; وهو كون الصلاة مع الطهارة ، وهو لا يوجب كون القيد عبادة ، وهو وإن استشعر على ما ذكرنا وصار بصدد الجواب إلاّ  أنّه ما أتى شيئاً يصحّ الاتّكال عليه ، فراجع .

ثمّ إنّه لو قلنا بكون الوضوء مستحبّاً نفسياً أو بوجود ملاك العبادة فيه يصحّ التوضّي قبل الوقت، ويجوز الدخول معه في الصلاة بعد حضور الوقت ، كما  أنّه لو لم يكن للمكلّف داع إلى إتيان الوضوء الاستحبابي قبل الوقت لكن رأى أنّ الصلاة في الوقت مشروطة بـه ، فصار ذلك داعياً إلى إتيانه لله يقع صحيحاً أيضاً . هذا كلّه إذا كان التوضّي قبل الوقت .

وأمّا بعده : فإن أتى به بداعي التوصّل إلى الغير ، من دون قصد التقرّب فلا يقع صحيحاً ، وإن أتى به بداعي أمره الغيري لكن متقرّباً به إلى الله يصحّ ويحصل الشرط ، وأ مّا إذا أتى بداعي أمره الاستحبابي فصحّته منوطة ببقاء أمره ، وسيأتي ما يتّضح منه أنّ الأمر الاستحبابي على عنوانه محفوظ ، وأنّ متعلّق الأمر الغيري على فرض الملازمة عنوان آخر غير متعلّق الأمر الاستحبابي ، وحينئذ فلا إشكال في صحّته بداعي أمره .

____________
1 ـ كفاية الاُصول : 121 .

2 ـ مطارح الأنظار : 45 ـ 46 و 49 / السطر2 .

3ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 335 .

4- فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 181 ، أجود التقريرات 1 : 131 .

5ـ تقدّم في الصفحة 60 .

6 ـ مطارح الأنظار : 45 ـ 46 .

7 ـ اُنظر نهاية الاُصول : 170 .

8 ـ الفصول الغروية : 80 / السطر10 ، كفاية الاُصول : 121 .

9 ـ تقدّم في الصفحة 204 ـ 205 .

10 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 345 ، نهاية الأفكار 1 : 302 .

11 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 346 .

12 ـ يأتي في الصفحة 437 .

13 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 349 ، نهاية الأفكار 1 : 301 .

14 ـ تقدّم في الصفحة 284 .

15 ـ تقدّم في الصفحة 283 ـ 284 .

16 ـ تقدّم في الصفحة 321 .

17 ـ الفصول الغروية : 79 / السطر36 .

18 ـ كفاية الاُصول : 128 .

19 ـ تشريح الاُصول : 191 / السطر21 .

20 ـ نهاية الدراية 2 : 73 .

21 ـ الطلب والإرادة ، الإمام الخميني(قدس سره) : 22 ـ 23 .

22 ـ نهاية الدراية 2 : 76 .

23 ـ غرر العوائد من درر الفوائد : 34 .

24 ـ راجع الحكمة المتعالية 6 : 334 و 7 : 282 .

25 ـ نفس المصدر 6 : 316 و 332 .

26 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 186 ـ 187 .

27 ـ نفس المصدر 1 : 339 و 457 ، 4 : 388 و 389 .

28 ـ تقدّم في الصفحة 313 .

29 ـ تقدّم في الصفحة 314 .

30 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 183 .

31 ـ اُنظـر بدائـع الأفكـار (تقريرات المحقّـق العراقي) الآمـلي 1 : 365 ، هدايـة المسترشدين : 2 : 98 .

32 ـ مطارح الأنظار : 49 / السطر 19 .

33 ـ أجود التقريرات 1 : 161 ـ 162 .

34 ـ مطارح الأنظار : 49 / السطر22 ـ 31 .

35 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 366 .

36 ـ تقدّم في الصفحة 319 .

37 ـ مطارح الأنظار : 66 / السطر21 .

38 ـ كفاية الاُصول : 136 .

39 ـ تقدّم في الصفحة 198 .

40 ـ تقدّم في الصفحة 199 ـ 204 .

41 ـ تقدّم في الصفحة 235 .

42 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 220 ـ 222 .

43 ـ الحكمة المتعالية 2 : 209 ، شرح المنظومة ، قسم الحكمة : 132 .

44 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 222 ـ 223 .

45 ـ نفس المصدر 4 : 156 ـ 157 .

46 ـ نفس المصدر 1 : 223 .

47 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 223 ـ 224 .

48 ـ نفس المصدر4 : 157 .

49 ـ الحكمة المتعالية 7 : 82 و 9 : 175 ـ 179 و 290 ـ 296 .

50 ـ تشريح الاُصول : 111 / السطر13 و 114 / السطر10 .

51 ـ اُنظر نهاية الدراية 1 : 300 .

52 ـ كشف المراد : 407 ـ 408 ، إرشاد الطالبين : 413 .

53 ـ راجع وسائل الشيعة 14 : 439 ، كتاب الحجّ ، أبواب المزار ، الباب41 .

54 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 375 .

55 ـ كفاية الاُصول : 139 ـ 140 .

56 ـ كقوله(عليه السلام) : «التيمّم أحد الطهورين» بضميمة الإطلاقات الدالّة على استحباب الطهر في نفسه كقوله تعالى : (إنّ اللهَ يُحبُّ التوابينَ ويُحبُّ المتطهرين) .

57 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 381 .

58 ـ الطهارة ، تقريرات الفاضل اللنكراني : 362 .

59 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 229 .

60 ـ نهاية الاُصول : 188 .

61 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 228 .

 




قواعد تقع في طريق استفادة الأحكام الشرعية الإلهية وهذه القواعد هي أحكام عامّة فقهية تجري في أبواب مختلفة، و موضوعاتها و إن كانت أخصّ من المسائل الأصوليّة إلاّ أنّها أعمّ من المسائل الفقهيّة. فهي كالبرزخ بين الأصول و الفقه، حيث إنّها إمّا تختص بعدّة من أبواب الفقه لا جميعها، كقاعدة الطهارة الجارية في أبواب الطهارة و النّجاسة فقط، و قاعدة لاتعاد الجارية في أبواب الصلاة فحسب، و قاعدة ما يضمن و ما لا يضمن الجارية في أبواب المعاملات بالمعنى الأخصّ دون غيرها; و إمّا مختصة بموضوعات معيّنة خارجية و إن عمّت أبواب الفقه كلّها، كقاعدتي لا ضرر و لا حرج; فإنّهما و إن كانتا تجريان في جلّ أبواب الفقه أو كلّها، إلاّ أنّهما تدوران حول موضوعات خاصة، و هي الموضوعات الضرريّة و الحرجية وبرزت القواعد في الكتب الفقهية الا ان الاعلام فيما بعد جعلوها في مصنفات خاصة بها، واشتهرت عند الفرق الاسلامية ايضاً، (واما المنطلق في تأسيس القواعد الفقهية لدى الشيعة ، فهو أن الأئمة عليهم السلام وضعوا أصولا كلية وأمروا الفقهاء بالتفريع عليها " علينا إلقاء الأصول وعليكم التفريع " ويعتبر هذا الامر واضحا في الآثار الفقهية الامامية ، وقد تزايد الاهتمام بجمع القواعد الفقهية واستخراجها من التراث الفقهي وصياغتها بصورة مستقلة في القرن الثامن الهجري ، عندما صنف الشهيد الأول قدس سره كتاب القواعد والفوائد وقد سبق الشهيد الأول في هذا المضمار الفقيه يحيى بن سعيد الحلي )


آخر مرحلة يصل اليها طالب العلوم الدينية بعد سنوات من الجد والاجتهاد ولا ينالها الا ذو حظ عظيم، فلا يكتفي الطالب بالتحصيل ما لم تكن ملكة الاجتهاد عنده، وقد عرفه العلماء بتعاريف مختلفة منها: (فهو في الاصطلاح تحصيل الحجة على الأحكام الشرعية الفرعية عن ملكة واستعداد ، والمراد من تحصيل الحجة أعم من اقامتها على اثبات الاحكام أو على اسقاطها ، وتقييد الاحكام بالفرعية لإخراج تحصيل الحجة على الاحكام الأصولية الاعتقادية ، كوجوب الاعتقاد بالمبدء تعالى وصفاته والاعتقاد بالنبوة والإمامة والمعاد ، فتحصيل الدليل على تلك الأحكام كما يتمكن منه غالب العامة ولو بأقل مراتبه لا يسمى اجتهادا في الاصطلاح) (فالاجتهاد المطلق هو ما يقتدر به على استنباط الاحكام الفعلية من أمارة معتبرة أو أصل معتبر عقلا أو نقلا في المورد التي لم يظفر فيها بها) وهذه المرتبة تؤهل الفقيه للافتاء ورجوع الناس اليه في الاحكام الفقهية، فهو يعتبر متخصص بشكل دقيق فيها يتوصل الى ما لا يمكن ان يتوصل اليه غيره.


احد اهم العلوم الدينية التي ظهرت بوادر تأسيسه منذ زمن النبي والائمة (عليهم السلام)، اذ تتوقف عليه مسائل جمة، فهو قانون الانسان المؤمن في الحياة، والذي يحوي الاحكام الالهية كلها، يقول العلامة الحلي : (وأفضل العلم بعد المعرفة بالله تعالى علم الفقه ، فإنّه الناظم لأُمور المعاش والمعاد ، وبه يتم كمال نوع الإنسان ، وهو الكاسب لكيفيّة شرع الله تعالى ، وبه يحصل المعرفة بأوامر الله تعالى ونواهيه الّتي هي سبب النجاة ، وبها يستحق الثواب ، فهو أفضل من غيره) وقال المقداد السيوري: (فان علم الفقه لا يخفى بلوغه الغاية شرفا وفضلا ، ولا يجهل احتياج الكل اليه وكفى بذلك نبلا) ومر هذا المعنى حسب الفترة الزمنية فـ(الفقه كان في الصدر الأول يستعمل في فهم أحكام الدين جميعها ، سواء كانت متعلقة بالإيمان والعقائد وما يتصل بها ، أم كانت أحكام الفروج والحدود والصلاة والصيام وبعد فترة تخصص استعماله فصار يعرف بأنه علم الأحكام من الصلاة والصيام والفروض والحدود وقد استقر تعريف الفقه - اصطلاحا كما يقول الشهيد - على ( العلم بالأحكام الشرعية العملية عن أدلتها التفصيلية لتحصيل السعادة الأخروية )) وتطور علم الفقه في المدرسة الشيعية تطوراً كبيراً اذ تعج المكتبات الدينية اليوم بمئات المصادر الفقهية وبأساليب مختلفة التنوع والعرض، كل ذلك خدمة لدين الاسلام وتراث الائمة الاطهار.


قسم التبريد والميكانيك في العتبة العلوية..جهود متواصلة لخدمة مرقد أمير المؤمنين (ع) وزائريه الكرام
العتبة العلوية : صناعة بوابات ومسارات نموذجية حديثة الطراز لخدمة الزائرين
مضيف العتبة العلوية يكمل استعداداته لتقديم وجبات الضيافة لزائري أربعينية الإمام الحسين (ع)
مركز القرآن الكريم في العتبة العلوية يعلن عن مشروعه القرآني خلال زيارة الأربعين