المرجع الالكتروني للمعلوماتية
المرجع الألكتروني للمعلوماتية


Untitled Document
أبحث عن شيء أخر
الجندي العامل في وظائف البلاط.
2024-06-24
المدير العظيم لبيت الفرعون (مر-بر-ور)
2024-06-24
نفوذ المدير العظيم للبيت في حكومة البلاد.
2024-06-24
احكام البغاة
2024-06-24
زيارة ثانية لأمير المؤمنين (عليه السلام) يوم الغدير
2024-06-24
احكام الاسارى
2024-06-24

الأفعال التي تنصب مفعولين
23-12-2014
صيغ المبالغة
18-02-2015
الجملة الإنشائية وأقسامها
26-03-2015
اولاد الامام الحسين (عليه السلام)
3-04-2015
معاني صيغ الزيادة
17-02-2015
انواع التمور في العراق
27-5-2016


كثرة الشعراء  
  
4842   12:09 مساءاً   التاريخ: 4-7-2016
المؤلف : شوقي ضيف
الكتاب أو المصدر : عصر الدول و الإمارات ،الأندلس
الجزء والصفحة : ص137-145
القسم : الأدب الــعربــي / الأدب / الشعر / العصر الاندلسي /


أقرأ أيضاً
التاريخ: 2024-05-11 300
التاريخ: 2024-01-31 459
التاريخ: 27/11/2022 822
التاريخ: 28-1-2023 885

كان طبيعيا أن يظل نشاط الشعر بالأندلس محدودا زمن الولاة (٩٢-١٣٨ ه‍) و صدر الدولة الأموية هناك حتى عهد الحكم الربضي (١٨٠-٢٠6ه‍) لأن أكثر العرب الفاتحين للأندلس كانوا يمنية، و الشعر إنما ينشط على ألسنة العدنانيين، و ربما نظمت أشعار في تلك الفترة لم يسجلها الرواة، و مع ذلك فقد حدثونا عن شاعر مضري مبكر في عصر الولاة لم يلحق زمن الدولة الأموية هو جعونة الكلابي كان مدّاحا للصّميل بن حاتم مستشار يوسف بن عبد الرحمن الفهري والى الأندلس منذ سنة ١٢٩ للهجرة، و أنشدوا بعض شعره، كما أنشدوا أشعارا لعبد الرحمن الداخل مؤسس الدولة الأموية و ابنه الأمير هشام و حفيده الحكم الربضي. و يظل الرواة ينشدون أشعارا لأمراء البيت الأموي. و قد أخذ هذا البيت القرشي في رعاية الشعر منذ أول ولايته في الأندلس، و يذكرون من الشعراء في عصر الداخل قاضيه معاوية بن صالح و ابن عم جده بشر بن عبد الملك المرواني الداخل إلى الأندلس في صدر أيامه و حبيب بن عبد الملك المرواني و كانت له عند الداخل مكانة عليّة. و اشتهر من الشعراء في عهد الأمير هشام أبو المخشي عاصم بن زيد المتوفى في دولة ابنه الحكم الربضي، و اشتهر لزمن الحكم غربيب بن عبد اللّه الثقفي الطّليطلي المتوفّى في أول دولة عبد الرحمن الأوسط ابن الحكم (٢٠6-٢٣٨ ه‍) و عهده يعدّ-كما مر بنا-بدء الازدهار الحضاري و الثقافي بالأندلس، و أيضا بدء الازدهار الأدبي، و حظى بنزول زرياب في قرطبة لأول حكمه، و دفعه لنهضة غنائية و موسيقية. و رافق ذلك نشاط واسع للشعر و إعزاز لمكانته و رعاية متصلة من عبد الرحمن الأوسط لشعرائه، و نعد من مشهوريهم عباس بن ناصح قاضى الحكم الربضي على شذونة و الجزيرة، و مرّ بنا-فيما أسلفنا- أن عبد الرحمن الأوسط وجّه به إلى العراق في التماس الكتب القديمة التي تحمل علوم الأوائل فجلب منها إلى الأندلس كنوزا كثيرة أكبّ عليها الأندلسيون، و بدؤوا نهضتهم في إساغة تلك العلوم ثم الإضافة إليها-فيما بعد-إضافات باهرة. و من مشهوري الشعراء أيضا في هذا العهد يحيى الغزال الذى بدأ ظهوره في عهد الحكم الربضي و عاش طويلا حتى سنة ٢5٠ للهجرة، و مثله عباس بن فرناس صاحب قصة الطيران المشهورة، و قد نجم في عهد الحكم و عاش حتى سنة ٢٧4. و كان يعاصرهما عبد اللّه بن الشّمر منجم الأمير عبد الرحمن الأوسط و نديمه و عثمان بن المثنى مؤدب أبنائه، و مثله عبد اللّه بن بكر الكلاعي الملقب بالنذل، و مثلهما أبو عثمان سعيد بن الفرج الملقب بالرشاش، و كان من آداب الناس في زمانه و أقومهم على لسان العرب، يقال إنه كان يحفظ أربعة آلاف أرجوزة. و من مشهوري الشعراء لعهد الأمير محمد بن عبد الرحمن الأوسط (٢٣٨-٢٧٣ ه‍) عبد اللّه بن حسين بن عاصم الثقفي جليسه، و وزيره عبد الملك بن أحمد بن شهيد و عامر بن عامر بن كليب، و محمد بن عبد العزيز العتبى و له مدائح كثيرة في الأمير و ابنه القاسم و وزيره هاشم بن عبد العزيز، و مؤمن بن سعيد كبير شعراء قرطبة كما يقول ابن حيان، و لكل هؤلاء تراجم و أشعار في المغرب و المقتبس. و ممن تدور أسماؤهم من الشعراء في المقتبس لعهد الأمير محمد طاهر بن حزم و تمام بن أحمد بن عامر و عبد اللّه بن محمد الموروري و أحمد بن محمد بن فرج البلوى. و من الشعراء المشهورين لعهد الأمير عبد اللّه بن محمد (٢٧5-٣٠٠ ه‍) حسب تعداد ابن حيان لهم في المقتبس ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد، و يقول إنه زعيمهم و سابق حلبتهم و عبيد اللّه بن يحيى بن إدريس و سيحظى عبد الرحمن الناصر بمدائحهما له حتى وفاتهما لعهده، و عداد ابن عبد ربه في بيوتات المولدين و مثله عداد ابن إدريس في بيوتات المولّدين لعهد الدولة المروانية كما يقول ابن حيان. و مضى يعد من شعراء الأمير عبد اللّه مقدم بن معافى القبري مخترع الموشحات و هو عربي صليبة كما سنعرف فيما بعد و قاسم بن عبد الواحد العجلى و أحمد بن قلزم و إسحاق المنادى و زيد بن ربيع و سعيد بن عبد ربه المطبّب ابن أخي الشاعر ابن عبد ربه و عبيد يس بن محمود، و كان كاتبا في القصر و له مدائح كثيرة في الأمير عبد اللّه، ثم خرج إلى عبيد اللّه بن أمية المعروف باسم ابن الشاليه الثائر بجيّان فكتب له و امتدحه بشعر كثير، كما امتدح زميله الثائر مثله على الدولة ابن حفصون. و من أهم الشعراء حينئذ القلفاط محمد بن يحيى المار ذكره و له مدائح في الأمير عبد اللّه و أيضا في كثيرين من الثوار على الدولة. و مر بنا في الفصل الأول أن الفتن كانت قد تفاقمت لعهد الأمر عبد اللّه في ديار كثيرة بالأندلس بين المستعربين و المسالمة و المولدين من جهة و بين العرب من جهة ثانية و كانت من الديار التي حدثت فيها هذه الفتنة إلبيرة و معها غرناطة، و نشبت بين الطرفين فيهما حروب و وقائع كثيرة. و المهم أن ذلك أدى إلى ظهور شعراء ينتصر كل منهم لجماعته و يهجو متوعدا الجماعة المقابلة، و اشتهر من هؤلاء الشعراء بين العرب سعيد بن سليمان بن جودي والى الأمير عبد اللّه على غرناطة، و شعره يفيض بحمية قوية للعرب و توعد شديد لخصومهم، و أدار شاعران:

عربي هو الأسدي محمد بن سعيد بن مخارق، و مولّد من أبناء المسالمة هو العبلي عبد اللّه مناقضات، يناضل فيها كل منهما عن قومه.

و نفر غير قليل من شعراء الأمير عبد اللّه عاشوا في عهد حفيده عبد الرحمن الناصر لذى امتد خمسين عاما حتى سنة ٣5٠ للهجرة يقول ابن حيان: «اجتمعت له حلبة من فحول الشعراء أمراء الكلام افتنوّا في تقريظه و توسعوا في ذكر عدالته و سماحة كفه و شجاعة قلبه و جزالة رأيه و ثقوب فهمه و بصره بتدبير حروبه و اتصال فتوحه. . فأبدعوا فيما تناولوه به من ذلك بفضل اقتدارهم و مكانهم من صناعتهم فزادوا دولته حسنا و بهاء و كان المقدمون لديه من طبقتهم عدة خناذيذ(1)مقدّمهم معلمه في الصبا ابن عبد ربّه، و يليه من نمطه عبيد اللّه بن يحيى بن إدريس و عبد الملك بن سعيد المرادي و إسماعيل بن بدر و أغلب بن شعيب و حسن بن حسان السّناط و غيرهم من كبار الطارئين عليه من المشرق مثل طاهر بن محمد البغدادي و محمد بن الحسين الطّبني الإفريقي(2). و يذكر ابن حيان في الجزء الخامس الخاص بالناصر من المقتبس لهم مدائح كثيرة كانوا يهنئونه فيها بانتصاراته و خاصة لابن عبد ربه و ابن إدريس و لشعراء آخرين مثل جعفر المصحفي و محمد بن أضحى صاحب الحامّة و عبد الملك بن جهور وزيره و أحمد بن محمد الرازي الذي مر ذكره بين المؤرخين. و كثير من هؤلاء الشعراء باستثناء الأولين يدخلون في عداد شعراء ابنه الحكم المستنصر (٣5٠-٣66ه‍) و في مقدمتهم جعفر المصحفي مولاه و حاجبه و محمد بن الحسين الطّبني و من شعرائه المهمين وزيره أحمد بن عبد الملك بن شهيد و يحيى بن هذيل و محمد بن شخيص و أحمد بن فرج الجيّاني صاحب كتاب الحدائق. و كان الحكم مثل أبيه الناصر-شاعرا، و أنشد له صاحب المغرب أشعارا بديعة، و كذلك أنشد لأخوته عبد اللّه و محمد و عبد العزيز و لابن أخيهم محمد بن عبد الملك بن الناصر. و يخلفه ابنه المؤيد (٣66-٣٩٩ ه‍) و يحجب له المنصور بن أبي عامر ثم ابناه المظفر و الناصر، و تصبح الدولة دولتهم، و ليس للمؤيد حول و لا طول، و تنشب بقرطبة فتنة تظل نحو عشرين عاما، و يقضي فيها على الحكم الأموي قضاء مبرما. و من مشهوري الشعراء في الدولة العامرية و السنوات العجاف بعدها عبد الملك بن أحمد بن شهيد، و ابنه أحمد صاحب رسالة التوابع و الزوابع المشهور بجودة نثره و شعره، و البلّينه سعيد بن عثمان المرواني و هو من مداح المنصور بن أبى عامر، و القائد يعلى بن أحمد بن يعلى و عبد الملك بن إدريس الجزيري كاتب المنصور و ابن النظام عبد الرحمن بن محمد و المطرف بن عمر الهشيّمي و عبد اللّه بن أبي الحسن

و محمد بن شخيص شاعر المستنصر و يوسف بن هرون الرمادي المتوفى سنة 4١٣ و محمد بن الحسين الطّبني و جعفر بن أبي علي القالي، و عيسى بن الحسن، و عبادة بن ماء السماء المتوفى سنة 4١٩ و ابن الكتّاني محمد بن الحسن المذحجي المطبّب و ابن دراج القسطلي و أمية (3)بن غالب الموروري.

و مما يدل بوضوح على كثرة الشعراء في زمن الدولة الأموية منذ القرن الثالث أن نجد كثيرين من الأندلسيين يعنون بالترجمة لشعرائهم منذ صدر القرن الرابع الهجري، على نحو ما نجد عند عثمان بن ربيعة المتوفى سنة ٣١٠ و اسم كتابه «طبقات الشعراء بالأندلس» و تتوالى بعده المصنفات التي تعنى بتاريخ الشعراء الأندلسيين و عرض أشعارهم مثل شعراء الأندلس لابن سعيد الكناني المتوفى سنة ٣٢٠ و أخبار شعراء الأندلس لمحمد بن هشام الأموي في زمن عبد الرحمن الناصر، و الشعراء من فقهاء الأندلس لقاسم بن نصير المتوفى سنة ٣٣٨ و شعراء الأندلس لمحمد بن عبد الرؤوف الأزدي المتوفى سنة ٣4٣ و شعراء إلبيرة لمطرف بن عيسى الغساني المتوفى سنة ٣5٧ و كتاب الحدائق لأحمد بن فرج الجياني، و مرّ بنا في الفصل الماضي أنه ألفه للحكم المستنصر معارضا به كتاب الزهرة لابن داود البغدادي و كان ابن داود وزّع كتابه على مائه باب و أودع في كل باب مائة بيت، فجعل ابن فرج كتابه-كما مر بنا-في مائتي باب و في كل باب مائتا بيت، افتخارا بذلك لأهل موطنه و بيانا لتفوقهم في الشعر و براعتهم فيه. و ألف بعده ابن الفرضي المتوفى سنة 4٠٣ كتابا في أخبار شعراء الأندلس، و بنفس العنوان ألف عبادة بن ماء السماء كتابا مماثلا، و ألف ابن الكتّاني «كتاب التشبيهات من أشعار أهل الأندلس» و هو نماذج من التشبيهات البديعة اختارها للشعراء الأندلسيين حتى زمنه، و قد ألممنا به في حديثنا عن عناية الأندلسيين بالبلاغة العربية في الفصل الماضي. و في سرد تلك الكتب العشرة ما يدل بوضوح على كثرة الشعراء الأندلسيين كثرة مفرطة زمن الدولة الأموية.

و نمضي إلى عصر أمراء الطوائف، و قد أدّت المنافسة بينهم إلى أن يجمع كل منهم حوله كوكبة من الشعراء و لعل إمارة لم تعن بجذب الشعراء إليها كما عنيت إمارة بني عباد بإشبيلية، فقد أكثروا من اغداقهم على الشعراء، و ليس ذلك فحسب، فقد أحالوا إشبيلية إلى دار غناء ضخمة، و كانت مجالس المعتضد و ابنه المعتمد ندوات كبيرة لالتقاء الشعراء و إنشادهم مدائحهم في الأميرين، و كانا شاعرين، و خاصة المعتمد إذ كان شاعرا كبيرا و له ديوان شعر منشور. و يترجم ابن بسام في الذخيرة و ابن سعيد في المغرب لشعراء إشبيلية و الوافدين عليها في عهد المعتضد و المعتمد، و هم يعدون بالعشرات، نذكر منهم لعهد المعتضد أبا عامر بن مسلمة صاحب كتاب الارتياح في وصف حقيقة الراح ألفه للمعتضد و إسماعيل بن عامر الحميري الملقب بحبيب صاحب كتاب البديع في وصف الربيع و أبا جعفر أحمد بن الأبار و أبا حفص عمر بن الحسن الهوزني و على بن غالب بن حصن و محمد بن ديسم و أحمد بن محمد الإشبيلي و إبراهيم بن خيرة بن الصباغ و عبد اللّه بن حجاج و أبا القاسم محمد بن عبد الغفور و ابن زيدون القرطبي الذى اتخذه وزيرا و مدبّرا لشئون دولته منذ نزوله بإشبيلية سنة 44١. و كان ابنه المعتمد راعيا كبيرا للشعر و الشعراء، و من شعرائه أبو الوليد محمد بن عبد العزيز المعلم وزيره و كاتبه و أبو القاسم بن الجد و أبو القاسم بن مرزقان و ابن المرعزّى النصراني الإشبيلي. و كاد أن لا ينجم في بلد من بلدان الأندلس شاعر كبير إلا و يفد عليه و يقدم مدائحه إليه من مثل ابن عمار الشلبي الذي وفد على أبيه، و انعقدت بينه و بين المعتمد صحبة حتى إذا أفضت الإمارة إليه جاءه فتلقاه بأعظم قبول، و ظلت الصلة بينهما و طيدة إلى أن أفسدها ابن عمار. و من كبار شعراء الأندلس الوافدين عليه من البشرات في إلبيرة ابن القزاز محمد بن عبادة، و من المريّة يوسف بن عبد الصمد، و من مرسية عبد الجليل بن وهبون الذى تغنى طويلا بانتصاره مع يوسف بن تاشفين في موقعة الزلاقة، و من دانية ابن اللبانة الذي تفجع على دولته تفجعا مريرا حين نفاه ابن تاشفين إلى أغمات بمراكش. و ممن وفد عليه أيضا و مدحه ابن حمديس شاعر صقلية المشهور.

و لعل في هذا العرض السريع للشعراء المستوطنين و الوافدين على إمارة إشبيلية ما يصور-من بعض الوجوه-كثرة الشعراء في عهد أمراء الطوائف و حقا لم تبلغ إمارة من إماراتهم ما بلغته إشبيلية من رعاية الشعراء حينئذ، غير أنه لم تكد تخلو إمارة من شعراء يحفّون بها و بأمرائها، و لنأخذ مثلا المريّة، فقد كان من أمرائها راع كبير للشعر هو المعتصم بن صمادح الذى ظل على إمارتها نحو أربعين سنة و كان شاعرا، و كذلك كان أبناؤه أبو يحيى و أبو جعفر أحمد و أبو محمد عبد اللّه و أختهم أم الكرم و كانت تنظم الشعر و الموشحات، و من مداحه يوسف بن عبد الصمد الوافد على المعتمد في إشبيلية، و أبو حفص بن الشهيد، و ابن الطراوة سليمان بن محمد، و من كبار الشعراء الوافدين

عليه من الأندلس و غيرها الأشكركي يوسف بن محمد و ابن القزاز محمد بن عبادة الإلبيري الذى كان يفد على المعتمد بإشبيلية و ابن الحداد محمد بن أحمد الوادي آشي و الأسعد بن بلّيطة الطّليطلي و ابن شرف القيرواني. و تكتظ الذخيرة و كتاب المغرب بشعراء إمارات الطوائف المختلفة.

و كان تعدد هذه الإمارات سببا في أن تتعدد بالأندلس المراكز التي تغدق على الشعراء فيها الأموال و العطايا الجزيلة، مما لم يكن مألوفا زمن الدولة الأموية، إذ كانت قرطبة وحدها هي التي تنثر الدنانير، أما في هذا العصر فقد أخذت منها هذه المكانة-أو قل بزّتها فيها-مدن كثيرة من مثل إشبيلية و المريّة و مرسية و دانية و بطليوس و طليطلة و سرقسطة و غرناطة، و دفع ذلك إلى ظاهرة مستجدة في هذا العصر هي ظاهرة الشعراء الجوّالين الذين يرحلون من إمارة إلى إمارة أو من أمير إلى أمير في طلب النوال و المال مثل أسعد بن بلّيطة الطليطلي و ابن القزاز محمد بن عبادة و أبى عامر بن الأصيلي و كان جواب آفاق و عبد الرحمن بن مقانا الأشبوني المبدع، و رأى أن يرجع أخيرا إلى موطنه «القبذاق» و يشتغل فيها بالزراعة بعد أن كلّت قدماه و أضناه التطواف على الإمارات و الأمراء)4). و أخذت تشيع حينئذ ظاهرة غريبة هي ظاهرة المداحين المتسوّلين من أهل الكدية الذين يسميهم ابن بسام في الذخيرة باسم القوّالين، و هم لا ينظمون شعرا و لا مديحا، و إنما ينشدون غرر القصائد على الأبواب و في الأسواق يستجدون بها الناس بما يسمعونهم من شعر رائع يمتعونهم به، و يذكر ابن بسام من ذلك الشعر قصيدة ابن مقانا:

ألبرق لائح من أندرين     ذرفت عيناك بالدمع المعين(5)

و يقول إن طائفة القوالين فى الأندلس كانوا يتداولون أكثر أبياتها لما تشتمل عليه من عذوبة في اللفظ و سلاسة(6).

و ينتهى عصر الطوائف و أمرائه، و تدخل الأندلس في عصر المرابطين (4٨4-54١ ه‍) و كانوا مشغولين بحرب النصارى في الشمال، و لم يكن لهم اهتمام بالشعر و الأدب، غير أنهم لم يلبثوا-و خاصة ولاتهم في الأندلس-أن أشربوا روح الأندلس و ثقافتها و عنايتها بالشعر، و طبيعي أن ظلّ يعيش في عصر المرابطين شعراء كثيرون ممن نشأوا في عصر أمراء الطوائف، و من الشعراء في هذا العصر عبد اللّه بن سارة و ابن أبي الخصال الكاتب و ابن الزقاق و ابن خفاجة و عبد العزيز بن القبطورنة و على بن الإمام و محمد بن الجراوي الغرناطي و عبد الرحمن بن مالك و يحيى بن الصيرفي و له كتاب في تاريخ الدولة اللمتونية أو دولة الملثمين أو المرابطين و محمد بن أحمد بن حجاج و جعفر بن الحاج و أمية بن أبي الصلت و الفتح بن خاقان صاحب القلائد و المطمح و ابن بسام صاحب الذخيرة و أبو بكر المخزومي الأعمى و أبو العلاء بن الجنّان و ابن عائشة الكاتب و أبو بكر بن العربي و ابن العريف و أبو أمية بن عصام و عبد الحق بن عطية و عبد المجيد بن عبدون و جعفر بن محمد بن الأعلم و محمد بن الروح و ابن الفخار الأصولي المالقي، و من كبار الشعراء الوشاحين في العصر الأعمى التطيلى و يحيى بن بقى واليكّى يحيى بن سهل و الأبيض أبو بكر محمد بن أحمد الأنصاري و أبو عبد اللّه بن أبي الفضل بن شرف و أبو الحسن بن نزار و ابن باجة الفيلسوف. و لكل هؤلاء الوشاحين و الشعراء تراجم و أشعار في كتاب المغرب لابن سعيد، و أيضا فإنه ترجم لابن قزمان الواضع النهائي لفن الزجل الأندلسي و ديوانه منشور منذ القرن الماضي و قد توفى سنة 555 بعد عصر المرابطين بنحو خمسة عشر عاما، و هو لذلك حري بأن يلحق بعصرهم.

و نمضي إلى عصر الموحدين و نرى ابن سعيد في كتابه المغرب يترجم فيه لأكثر من أربعين شاعرا نذكر منهم أحمد بن شطرية القرطبي و ابن خروف على بن يوسف و محمد بن الصفار الأعمى القرطبي و الهيثم بن أحمد بن الهيثم و محمد بن عياض اللبلي و الخراز البسطىي و ابن طفيل الفيلسوف و أبا عامر محمد بن الحمارة تلميذ ابن باجة و محمد بن عبد الواحد الملاحي مؤرخ غرناطة و عبد البر بن فرسان و عبد اللّه بن عذرة و أحمد بن عبد الملك بن سعيد و صفوان بن إدريس صاحب زاد المسافر و الكتندي محمد بن عبد الرحمن و أحمد بن عتيق الفيلسوف المعروف بابن الذهبي و الرصافي محمد بن غالب و أحمد بن طلحة و مرج الكحل و أبا عامر بن ينّق الشاطبي و يحيى الجزار السرقسطي.

و ترجم ابن سعيد بجانب هؤلاء الشعراء و أشعارهم لطائفة من الوشاحين مع إنشاده لبعض موشحاتهم، منهم أحمد بن حنون و أبو بكر بن زهر و ابن حبيب القصري الفيلسوف و على بن المريني و ابن هرودس و علي بن الفضل و علي بن حريق و عبد الرحيم بن الفرس و ابن موهد الشاطبيّ. و بالمثل ترجم لطائفة من الزجالين مع إنشاده لبعض أزجالهم منهم أبو عمرو بن الزاهر الإشبيلي و البلارج القرموني و ابن الدباغ و مدغليس و ابن ناجية اللورقي. و مما يدل بقوة على ازدهار نهضة الشعر في الأندلس منذ القرن الثالث الهجري كثرة ناظميه بين الفقهاء و اللغويين و النحاة و الأطباء و الرياضيين و المتفلسفة و حتى بين العامة و أهل الريف على نحو ما مرّ بنا عن أهل شلب مما حكاه ياقوت. و من أكبر الأدلة على هذا الازدهار أن المرأة الأندلسية أسهمت فيه إسهاما واسعا بزّت فيه أخواتها في البلاد العربية الأخرى، مما جعل كتب التراجم الأدبية الأندلسية من مثل المغرب تترجم لغير شاعرة، و قد ترجم المقري في النفح لأكثر من عشرين شاعرة، منهن في القرن الثالث حسانة التميمية بنت الشاعر أبي المخشىّ عاصم بن زيد، و منهن في القرن الرابع حفصة بنت حمدون الحجارية و عائشة بنت أحمد القرطبية و الشاعرة الغسانية البجانية، و منهن في القرن الخامس ولادة بنت الخليفة المستكفي و مهجة بنت التيّاني القرطبية و مريم بنت أبي يعقوب الإشبيلية و أم العلاء بنت يوسف الحجارية و العبادية جارية المعتضد بن عباد و اعتماد المعروفة باسم الرّميكية زوجة ابنه المعتمد و أم أبنائه و غاية المنى جارية المعتصم بن صمادح صاحب المرية و أم الكرم ابنته و حواء زوجة القائد المرابطي سير بن أبي بكر والى إشبيلية حتى وفاته، و كانت لها ندوة أدبية تجلس فيها للشعراء تحاضرهم فيها و تستمع إلى أحاديثهم و أشعارهم و تبدي بعض انتقادات على ما تسمع. و ممن ترجم لهن المقري في القرن السادس نزهون بنت القليعي و حمدة بنت زياد و حفصة بنت الحاج الركونية الغرناطية و ورقاء بنت ينتان القرطبية و الشاعرة الشلبية و أسماء العامرية، و ترجم المقري في أواخر عصر الموحدين بالنصف الأول من القرن السابع لأم السعد بنت عصام القرطبية و أختها مهجة. و هو عدد وفير من الشاعرات الأندلسيات لم يتح لأي إقليم عربي، مما يدل بوضوح على شغف الأندلسيين الشديد بفن الشعر شغفا أذكى في نفوسهم نساء و رجالا جذوة الشعر مما جعل الأندلس تمتلئ شاعرات و شعراء.

و ما إن ينحسر لواء دولة الموحدين عن الأندلس حوالى سنة 6٢5 حتى يأخذ هذا الازدهار الذى رافق الشعر الأندلسي قرونا متعاقبة في التقلص و النصول، إذ أخذ كثير من ينابيع الحياة التي كان يستمد منها في الجفاف بسبب ضياع الشطر الأعظم من الأندلس فقد سقطت الحواضر الكبرى في وسط الأندلس و شرقيها و غربيها في حجور المسيحيين، و لو لا أن أتيح للشطر المتبقي القائد العربي ابن الأحمر حفيد سعد بن عبادة الأنصاري الصحابي لضاعت الأندلس نهائيا من أيدي العرب، و لكنه استطاع أن يصمد للنصارى الشماليين و أن يكوّن دولة في غرناطة و الأجزاء الجنوبية من الأندلس ظل أبناؤه و أحفاده يقومون عليها حتى غلبوا على أمرهم لسنة ٨٩٧ للهجرة و خرجوا-و خرج معهم جمهور العرب-من الجزيرة. و منذ واقعة العقاب سنة 6٠٩ و اندحار جيش الموحدين فيها أحسّ الأندلسيون أن الخطر تفاقم و أن ديارهم لن تثبت طويلا أمام ضربات العدو، و هو ما أخذ يتراءى لهم سريعا، و كان ذلك سببا في أن يغادر الأندلس كثيرون من أهلها إلى البلاد المغربية و المشرقية فاستقروا بها حاملين معهم علومهم و آدابهم التي أثروا بها تأثيرا عميقا في البلاد المغربية، خاصة في مراكش و بجاية و تونس.

و لابن سعيد صاحب كتاب المغرب المتوفى سنة 6٨5 كتاب نشر مجمل له باسم اختصار القدح المعلّى و هو يعرض فيه شعراء الأندلس في المائة السابعة ممن جالسهم في الأندلس و قيّد عنهم بعض أشعارهم أو جالسهم في البلدان المغربية و خاصة تونس أو في البلدان المشرقية في الإسكندرية أو في القاهرة أو في دمشق، و قد بلغوا في كتابه اثنين و سبعين شاعرا، و تراجمهم أكثر تفصيلا و أشعارا من ترجماته في كتاب المغرب، و ممن يذكره بينهم أبو الوليد الشّقندي صاحب الرسالة المشهورة في فضل الأندلس و تفوقها الثقافي و الأدبي، و يذكر إبراهيم بن محمد بن صناديد الجياني و يقول إن أباه ممدوح مدغليس في أزجاله. و يتوسع في الحديث عن علماء اللغة و النحو: الشلوبين و الدباج و الأعلم البطليوسي منشدا بعض أشعارهم و كان قد أقام بتونس طويلا، و لذلك عنى بالحديث عمن نزل فيها من الأدباء و الشعراء الكبار مثل ابن الأبار صاحب التكملة و الحلة السيراء و تحفة القادم و معجم الصدفي و بها توفى سنة 65٨ و مثل أبي المطرف أحمد بن عميرة و أبي الحجاج يوسف البياسي و ابن همشك محمد بن يحيى. و ممن ذكر أنهم رحلوا إلى مصر أبو الحجاج يوسف الإشبيلي المطبّب و قد عيّنه المصريون في مارستان القاهرة.

و كانت مصر دائما ترحب بالمهاجرين إليها من الأندلس مثل ابن دحية الذي أسند إليه السلطان الكامل رياسة مدرسة الحديث و مثل ابن البيطار الذي جعله رئيسا للعشّابين أو الصيادلة في القاهرة، و هاجر إلى دمشق ابن عربي المتصوف و توفى بها سنة 6٣٨ و هاجر تلميذه ابن سبعين إلى مكة و بها توفى سنة 66٩. و كتاب اختصار القدح المعلى مهم لأنه يعرض علينا جمهرة كبيرة من شعراء الأندلس في المائة السابعة. و نلتقي بعده بكتاب «الكتيبة الكامنة فيمن لقيناه بالأندلس من شعراء المائة الثامنة» للسان الدين بن الخطيب و به ترجمات لمائة شاعر و ثلاثة، بدأهم بالوعاظ و المتصوفة من مثل ابن عباد النفزي المتوفى سنة ٧٩١ و تلاهم بالمقرئين و المدرسين من الشعراء مثل أبي حيان المهاجر إلى القاهرة، و ذكر في إثرهم طبقة القضاة ثم طبقة الكتاب و الشعراء من أمثال ابن خاتمة و ابن زمرك. و يكمل كتاب لسان الدين في شعراء الأندلس في المائة الثامنة كتاب نثير فرائد الجمان في نظم فحول الزمان لابن الأحمر إسماعيل بن يوسف المتوفى سنة ٨٠٧ و قد عاش بعد لسان الدين المتوفى سنة ٧٧6 ثلاثين عاما، و هو يلتقي معه في طائفة من تراجمه غير أنه يضيف إليه بعض تراجم جديدة، بينها ترجمة للسان الدين بن الخطيب و ترجمة لنفسه.

و لعل في كل ما قدمت ما يدل بوضوح على كثرة الشعراء في الأندلس منذ اكتمل تعربها في القرن الثالث الهجري كثرة مفرطة، و ظل الشعر حيّا بل مزدهرا في الأندلس حتى الأنفاس الأخيرة من حياة العرب هناك، و كأنه توأم روحهم، فكلما وجدوا تغنوا بالشعر و صدحوا به معبرين عن مشاعرهم و وجداناتهم، يشترك في ذلك علماؤهم من كل صنف و رجالهم و نساؤهم و شيوخهم و شبانهم، و مثقفوهم و عامتهم، حتى الأميون منهم و أصحاب الحرف كالخراز و الجزار و مثلهما مرج الكحل الشاعر البلنسي فقد نشأ ينادي في الأسواق و يتعيّش من بيع السمك، و أخذت همته تترقّى قليلا قليلا في حب الشعر إلى أن نظمه و أجاده. و مثله ابن جاخ الصباغ البطليوسي.

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

١) الخناذيد جمع خنذيد، و هو من الشعراء: المجيد المحسن.

2) راجع الجزء الخامس من المقتبس (طبع المعهد الاسباني العربي للثقافة بمدريد)              ص 4٠ و ما بعدها.

3) انظر تراجم هؤلاء الشعراء في المغرب و خاصة في كتاب مدينة الزاهرة ١/١٩٧-٢١١.

4) الذخيرة ٢/٧٨٧.

5(  أندرين: قرية بالشام.

6) الذخيرة ٢/٧٩١.

 





دلَّت كلمة (نقد) في المعجمات العربية على تمييز الدراهم وإخراج الزائف منها ، ولذلك شبه العرب الناقد بالصيرفي ؛ فكما يستطيع الصيرفي أن يميّز الدرهم الصحيح من الزائف كذلك يستطيع الناقد أن يميز النص الجيد من الرديء. وكان قدامة بن جعفر قد عرف النقد بأنه : ( علم تخليص جيد الشعر من رديئه ) . والنقد عند العرب صناعة وعلم لابد للناقد من التمكن من أدواته ؛ ولعل أول من أشار الى ذلك ابن سلَّام الجمحي عندما قال : (وللشعر صناعة يعرف أهل العلم بها كسائر أصناف العلم والصناعات ). وقد أوضح هذا المفهوم ابن رشيق القيرواني عندما قال : ( وقد يميّز الشعر من لا يقوله كالبزّاز يميز من الثياب ما لا ينسجه والصيرفي من الدنانير مالم يسبكه ولا ضَرَبه ) .


جاء في معجمات العربية دلالات عدة لكلمة ( عروُض ) .منها الطريق في عرض الجبل ، والناقة التي لم تروَّض ، وحاجز في الخيمة يعترض بين منزل الرجال ومنزل النساء، وقد وردت معان غير ما ذكرت في لغة هذه الكلمة ومشتقاتها . وإن أقرب التفسيرات لمصطلح (العروض) ما اعتمد قول الخليل نفسه : ( والعرُوض عروض الشعر لأن الشعر يعرض عليه ويجمع أعاريض وهو فواصل الأنصاف والعروض تؤنث والتذكير جائز ) .
وقد وضع الخليل بن أحمد الفراهيدي للبيت الشعري خمسة عشر بحراً هي : (الطويل ، والبسيط ، والكامل ، والمديد ، والمضارع ، والمجتث ، والهزج ، والرجز ، والرمل ، والوافر ، والمقتضب ، والمنسرح ، والسريع ، والخفيف ، والمتقارب) . وتدارك الأخفش فيما بعد بحر (المتدارك) لتتم بذلك ستة عشر بحراً .


الحديث في السيّر والتراجم يتناول جانباً من الأدب العربي عامراً بالحياة، نابضاً بالقوة، وإن هذا اللون من الدراسة يصل أدبنا بتاريخ الحضارة العربية، وتيارات الفكر العربية والنفسية العربية، لأنه صورة للتجربة الصادقة الحية التي أخذنا نتلمس مظاهرها المختلفة في أدبنا عامة، وإننا من خلال تناول سيّر وتراجم الأدباء والشعراء والكتّاب نحاول أن ننفذ إلى جانب من تلك التجربة الحية، ونضع مفهوماً أوسع لمهمة الأدب؛ ذلك لأن الأشخاص الذين يصلوننا بأنفسهم وتجاربهم هم الذين ينيرون أمامنا الماضي والمستقبل.