المرجع الالكتروني للمعلوماتية
المرجع الألكتروني للمعلوماتية

القرآن الكريم وعلومه
عدد المواضيع في هذا القسم 12141 موضوعاً
تأملات قرآنية
علوم القرآن
الإعجاز القرآني
قصص قرآنية
العقائد في القرآن
التفسير الجامع

Untitled Document
أبحث عن شيء أخر



تفسير الاية (24-29) من سورة النحل  
  
97   06:37 مساءً   التاريخ: 7 / 8 / 2020
المؤلف : المرجع الإلكتروني للمعلوماتية
الكتاب أو المصدر : تفاسير الشيعة
الجزء والصفحة : ......
القسم : القرآن الكريم وعلومه / التفسير الجامع / حرف النون / سورة النحل /

 

قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (24) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (25) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (26) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (27) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ } [النحل: 24 - 29]

تفسير مجمع البيان
- ذكر الطبرسي في تفسير هذه  الآيات (1) :

أبان سبحانه عن أحوال المشركين وأقوالهم فقال { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } أي: لمشركي قريش { مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ } على محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) { قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} أي: أجابوا فقالوا هذا المنزل في زعمكم هو عندنا أحاديث الأولين الكاذبة عن ابن عباس وغيره ويروى أنها نزلت في المقتسمين وهم ستة عشر رجلا خرجوا إلى عقاب مكة أيام الحج على طريق الناس على كل عقبة أربعة منهم ليصدوا الناس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) وإذا سألهم الناس عما أنزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قالوا أحاديث الأولين وأباطيلهم عن الكلبي وغيره.

 { لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ } اللام للعاقبة والمعنى كان عاقبة أمرهم حين فعلوا ذلك أن حملوا أوزار كفرهم تامة يوم القيامة { وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ } أي: ويحملون مع أوزارهم بعض أوزار الذين أضلوهم عن سبيل الله وأغووهم عن اتباع الحق وهو وزر الإضلال والإغواء ولم يحملوا وزر غوايتهم وضلالهم وقوله { بغير علم } معناه: من غير علم منهم بذلك بل جاهلين به وعلى هذا ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال أيما داع دعا إلى الهدى فاتبع فله مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيئا وأيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع عليه فإن عليه مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا { أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} أي: بئس الحمل حملهم وهو ما يحملونه من الآثام لأنه إذا تحمل إثمه ودخل النار كان سببا فكيف إذا تحمله بسبب فعل غيره.

 { قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } أي: من قبل هؤلاء المشركين بأنبيائهم من جهة التكذيب وغيره وهذا على سبيل التسلية لنبينا (صلى الله عليه وآله وسلّم) والوعيد لقومه { فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ} أي: أتى أمر الله بنيانهم التي بنوها من جوانب قواعدها فهدمها عن ابن عباس قال: يعني نمرود بن كنعان بنى صرحا طويلا ورام منه الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها بزعمه فأرسل الله ريحا فألقت رأس الصرح في البحر وخر عليهم الباقي وقال الزجاج: { من القواعد } يريد من أساطين البناء التي تعمده وقيل: هو بخت نصر وقيل: إن هذا مثل ضربه الله سبحانه لاستئصالهم ولا قاعدة هناك ولا سقف والمعنى فأتى الله مكرهم من أصله أي: عاد ضرر المكر عليهم وبهم عن الزجاج وابن الأنباري وهذا الوجه أليق بكلام العرب كما قالوا أتي فلان من مأمنه أي: أتاه الهلاك من جهة مأمنه وإنما أسند سبحانه الإتيان إلى نفسه من حيث كان تخريب قواعدهم من جهته.

 { فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ } إنما قال { من فوقهم } مع حصول العلم بأن السقف لا يكون إلا من فوق لأحد وجوه ( منها ) إنه للتوكيد كما تقول لمن خاطبته قلت أنت كذا وكذا وكما يقال مشيت برجلي وتكلمت بلساني ( ومنها ) إنما قال ذلك ليدل على أنهم كانوا تحته فإن الإنسان قد يقول بيتي قد تهدم علي وإن لم يكن هوتحته ( ومنها ) أن يكون على في قوله { فخر عليهم } بمعنى عن فيكون المعنى فخر عنهم السقف من فوقهم أي: خر عن كفرهم وجحدهم بالله وآياته والمراد من أجل كفرهم كما يقال اشتكى فلان عن دواء شربه وعلى دواء شربه أي من أجل الدواء قال الشاعر :أرمي عليها وهي فرع أجمع(2). أراد أرمي عنها ولو قال على هذا المعنى فخر عليهم السقف ولم يقل من فوقهم لجاز أن يتوهم متوهم أن السقف خر وليس هم تحته والعرب لا تستعمل لفظة على في مثل هذا الموضع إلا في الشر والأمر المكروه .

{ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ } أي: جاءهم عذاب الاستئصال من حيث لا يعلمون لأنهم ظنوا أنهم على حق فكانوا لا يتوقعون العذاب وهذا مثل قوله { فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} { ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ } معناه ثم أنه تعالى مع ذلك يذلهم ويفضحهم يوم القيامة على رءوس الخلائق ويهينهم بالعذاب أي: لا يقتصر بهم على عذاب الدنيا { ويقول } على سبيل التوبيخ لهم والتهجين { أين شركائي } الذين كنتم تشركونهم معي في العبادة على زعمكم { الذين كنتم تشاقون فيهم } أي: تعادون المؤمنين على قراءة فتح النون وعلى الكسر تعادونني فيهم { قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ } بالله تعالى وبدينه وشرائعه من المؤمنين وقيل هم الملائكة عن ابن عباس { إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ} أي: أن الهوان اليوم والعذاب الذي يسوء على الجاحدين لنعم الله المنكرين لتوحيده وصدق رسله.

 { الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} الذين في موضع جر بأنه بدل من الكافرين أوصفة لهم ومعناه الذين يقبض ملك الموت وأعوانه أرواحهم ففارقوا الدنيا وهم ظالمون لأنفسهم بإصرارهم على الكفر { فألقوا السلم } أي: استسلموا للحق وانقادوا حين لا ينفعهم الانقياد والإذعان { مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ} أي: يقولون ما كنا نعمل عند أنفسنا من سوء أي: من معصية فكذبهم الله تعالى وقال بلى قد فعلتم { إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} في الدنيا من المعاصي وغيرها وقيل إنه يقول لهم ذلك المؤمنون الذين أوتوا العلم والملائكة { فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ } أي: طبقات جهنم ودركاتها { خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} أي: بئس منزل المتعظمين عن قبول الحق واللام للتوكيد .

________________

1- تفسير مجمع البيان ،الطبرسي،ج6،ص149-152.

2- قوس فرع أي: غير مشقوق. وقيل: التي عملت من رأس القضيب وطرفه .وهذا صدر بيت وبعده: ((وهي ثلاث أذرع واصبع)).

تفسير الكاشف
- ذكر محمد جواد مغنية في تفسير هذه  الآيات (1) :

{ وإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الأَوَّلِينَ } . في الآية السابقة ذكر سبحانه ان الذين أنكروا الآخرة إنما أنكروها علوا واستكبارا عن الخضوع للحق ، وفي هذه الآية حكى عنهم انهم ينعتون القرآن بالخرافات والأساطير . . وفي آيات أخرى حكى انهم ينعتون محمدا تارة بأنه مجنون ، وتارة بأنه شاعر أوكاهن ،

وثالثة بأنه ساحر ، وغرضهم الأول تضليل الناس عن الحق الذي يكشف عن عيوبهم ، ويظهرهم على حقيقتهم . . وقد ذكر اللَّه سبحانه هؤلاء الذين يصدون عن سبيل اللَّه في العديد من آياته ، ووصفهم تارة بأنهم يبغونها عوجا ، وأخرى بأنهم يريدون أن يطفئوا نور اللَّه بأفواههم . وهددهم سبحانه في الآية 13 من سورة العنكبوت بقوله : { ولَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ ولَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ } وفي معنى هذه الآية الآية التالية :

{لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ ومِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ } . لقد ضلوا وأضلوا ، وبضلالهم يحملون ذنوبهم كاملة أي لا يغفر اللَّه منها شيئا ، وباضلالهم يحملون الكثير من ذنوب الذين أضلوهم وأفسدوهم . وفي الحديث : { أيما داع دعا إلى الهدى فاتبع - أي تبعه الناس على ضلاله - كان له مثل أجر من اتبعه لا ينقص من آثامهم شيء } . فيزاد في عذاب التابعين .

{ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ } أتى اللَّه على حذف مضاف أي أتى أمر اللَّه بنيانهم ، وهو الهلاك ، والمراد بالبنيان والقواعد والسقف تشبيه أعمالهم بذلك ، والمعنى ان المشركين الأول دبروا المكائد والحيل ضد أنبياء اللَّه ورسله ، فأبطلها اللَّه جميعا ، بل كانت السبب في هلاكهم ودمارهم ، تماما كالذي بنى بيتا وأحكم بنيانه وقواعده ، حتى إذا سكنه واطمأن فيه انهار عليه من الأساس ، وأصبح أعلاه في أسفله . وهذه هي بالذات نهاية كل من عاند الحق ، وبث ضده الافتراءات والدعايات الكاذبة ، سواء أجاء الحق على لسان محمد (صلى الله عليه واله وسلم ) أولسان غيره .

{ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ } . المراد بالخزي هنا عذاب النار : { رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ - 192 آل عمران } { ويَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ } . القائل هو اللَّه ، والمقول لهم المشركون ، وتشاقون فيهم معناه تخاصمون في شأن الأصنام ، لأن المشركين كانوا يعبدونها ويدافعون عنها ، ويخاصمون من يشتمها أويذكرها بسوء ، ويقولون : انها تشفع لنا ، وتقربنا من اللَّه زلفى . .

فإذا وقفوا غدا بين اللَّه يسألهم عنها ، ويقول موبخا ومهددا : أين شركائي الذين كنتم تزعمون ؟ . وإذا لم يكن شيء من العذاب الا هذا السؤال من العزيز الجبار لكفى .

{ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ } بالحق وعملوا به : { إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ والسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ } . والمراد بالكافرين هنا كل من عاند الحق واستنكف عن الخضوع له ملحدا كان أوغير ملحد ، لأن الاثنين إلى جهنم وساءت مصيرا .

{ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ } ظلموا أنفسهم لأنهم ماتوا على الكفر والضلال { فَأَلْقَوُا السَّلَمَ } استسلموا وانقادوا حيث لا ينفعهم الاستسلام والانقياد .

وكذبوا بقولهم : { ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ } . ولذا رد سبحانه عليهم بقوله :

( بَلى إِنَّ اللَّهً عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) من المظالم والمآثم ، واليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تفترون .

{ فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} . وكل من رفض العمل بالحق فهوعند اللَّه من المتكبرين ، سواء انتمى إلى الإسلام أم إلى أي دين من الأديان ، ونهايته الخلود في جهنم ، أما أبوابها فقد سبق الكلام عنها عند تفسير الآية 44 من سورة الحجر.

_____________

1- التفسير الكاشف، محمد جواد مغنية، ج 4، صفحه 506-508.

تفسير الميزان
- ذكر الطباطبائي في تفسير هذه الآيات (1) :

قوله تعالى:{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ } قال الراغب في المفردات: السطر والسطر - بفتح فسكون أوبفتحتين - السطر من الكتابة ومن الشجر المغروس ومن القوم الوقوف - إلى أن قال - وجمع السطر أسطر وسطور وأسطار.

قال: وأما قوله:{أساطير الأولين} فقد قال المبرد: هي جمع أسطورة نحوأرجوحة وأراجيح وأثفية وأثافي وأحدوثة وأحاديث، وقوله تعالى:{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ } أي شيء كتبوه كذبا ومينا فيما زعموا نحوقوله تعالى:{أساطير الأولين} اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا انتهى وقال غيره: أساطير جمع أسطار وأسطار جمع سطر فهو جمع الجمع.

وقوله:{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ } يمكن أن يكون القائل بعض المؤمنين وإنما قاله اختبارا لحالهم واستفهاما لما يرونه في الدعوة النبوية، ويمكن أن يكون من المشركين وإنما قاله لهم ليقلدهم فيما يرونه، وعبر عن القرآن بمثل قوله:{ما ذا أنزل ربكم} لنوع من التهكم والاستهزاء، ويمكن أن يكون شاكا متحيرا باحثا، والآية التالية وكذا قوله فيما سيأتي:{ وقيل للذين اتقوا ما ذا أنزل ربكم } يؤيد أحد الوجهين الأخيرين.

وقوله:{ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ } أي الذي يسأل عنه أكاذيب خرافية كتبها الأولون وأثبتوها وتركوها لمن خلفهم، ولازم هذا القول دعوى أنه ليس نازلا من عند الله سبحانه.

قوله تعالى:{ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ } إلى آخر الآية.

قال في المفردات: الوزر - بفتحتين - الملجأ الذي يلتجأ إليه من الجبل، قال تعالى:{كلا لا وزر إلى ربك يومئذ المستقر} والوزر بالكسر فالسكون - الثقل تشبيها بوزر الجبل، ويعبر بذلك عن الإثم كما يعبر عنه بالثقل، قال تعالى:{ليحملوا أوزارهم كاملة} الآية كقوله:{ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ }.

قال: وحمل وزر الغير بالحقيقة هو على نحوما أشار إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله:{من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجره شيء، ومن سن سنة سيئة كان له وزرها ووزر من عمل بها أي مثل وزر من عمل بها،} وقوله:{ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} أي لا تحمل وزره من حيث يتعرى المحمول عنه، انتهى.

والذي ذكره من الحديث النبوي مروي من طرق الخاصة والعامة جميعا ويصدقه من الكتاب العزيز مثل قوله تعالى:{ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ }: الطور: 21، وقوله:{ونكتب ما قدموا وآثارهم}: يس: 12 والآيات في هذا المعنى كثيرة.

وأما قوله في تفسير قوله (صلى الله عليه وآله وسلم):{كان له وزرها ووزر من عمل بها}: أي مثل وزر من عمل بها فكلام ظاهري لا بأس بأن يوجه به الآية والرواية لرفع التناقض بينهما وبين مثل قوله تعالى:{لا تزر وازرة وزر أخرى}: الأنعام: 164، وقوله:{ليوفينهم ربك أعمالهم}: هود: 111، إذ لوحمل الآمر وزر السيئة وعذب بعذابها دون الفاعل ناقض ذلك الآية الأولى، ولو قسم بينهما وحمل كل منهما بعض الوزر وعذب ببعض العذاب ناقض الآية الثانية، وأما لو حمل السان والآمر مثل ما للعامل الفاعل لم يناقض شيئا.

وأما بحسب الحقيقة فكما أن العمل عمل واحد حسنة أوسيئة كذلك وزره وعذابه مثلا واحد لا تعدد فيه، غير أن نفس العمل لما كان قائما بأكثر من واحد - قيامه بالآمر والفاعل قياما طوليا لا عرضيا يوجب المحذور - كانت تبعته من الوزر والعذاب قائمة بأكثر من واحد، فهناك وزر واحد يزرها اثنان، وعذاب واحد يعذب به الآمر والفاعل جميعا.

ويسهل تصور ذلك بالتأمل في مضمون الآيات المبنية على تجسم الأعمال فإن العمل كالسيئة مثلا على تقدير التجسم واحد شخصي يتمثل لاثنين ويعذب بتمثله إنسانين الآمر والفاعل أو السان والمستن فهو بوجه بعيد كالشخص الواحد يتصوره اثنان فيلتذان أو يتألمان معا به وليس إلا واحدا.

وقد تقدم بعض الكلام في هذا المعنى في ذيل قوله تعالى:{ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ } الآية في الجزء التاسع من الكتاب، وسيأتي إن شاء الله تفصيل القول فيه فيما يناسبه من المورد.

وكيف كان فقوله:{ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} اللام للغاية وهي متعلقة بقوله:{ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ } وفي قوله:{يضلونهم} دلالة على أن حملهم لأوزار غيرهم إنما هو من جهة إضلالهم فيعود الإضلال غاية والحمل غاية الغاية، والتقدير قالوا أساطير الأولين ليضلوهم وهم أنفسهم ضالون فيحملوا أوزار أنفسهم كاملة ومن أوزار أولئك الذين يضلونهم بغير علم.

وفي تقييد قوله:{ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ } بقوله{كاملة} دفع لتوهم التقسيم والتبعيض بأن يحملوا بعضا من أوزار أنفسهم وبعضا من أوزار الذين يضلونهم فيعود الجميع أوزارا كاملة بل يحملون أوزار أنفسهم كاملة ثم من أوزار الذين يضلونهم.

وقوله:{ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ } من تبعيضية لأنهم لا يحملون جميع أوزارهم بل أوزارهم التي ترتبت على إضلالهم خاصة بشهادة السياق فالتبعيض إنما هو لتمييز الأوزار المترتبة على الإضلال من غيرها لا للدلالة على تبعيض كل وزر من أوزار الإضلال وحمل بعضه على هذا وبعضه على ذاك ولا تقسيم مجموع أوزار الإضلال وحمل قسم منه على هذا وقسم منه على ذاك مع تعريته عن القسم الآخر فإن أمثال قوله تعالى:{ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ }: الزلزال: 8 تنافي ذلك فافهم.

ومما تقدم يظهر وهن ما استفاده بعضهم من قوله:{ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ } أن مقتضاه أنه لم ينقص منها شيء ولم تكفر بنحوبلية تصيبهم في الدنيا أوطاعة مقبولة فيها كما تكفر بذلك أوزار المؤمنين.

وكذا ما استفاده بعض آخر أن في الآية دلالة على أنه تعالى قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين إذ لوكان هذا المعنى حاصلا للكل لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار به فائدة.

وجه الوهن أن ما ذكراه من خزي الكافرين وإكرام المؤمنين وإن كان حقا في نفسه كما تدل عليه الآيات الدالة على خزي الكفار بما يصيبهم في الدنيا وحبط أعمالهم وشمول المغفرة والشفاعة لطائفة من المؤمنين، لكن هذه الآية ليست ناظرة إلى شيء من ذلك بل العناية فيها إنما هي بالفرق بين أوزار أنفسهم وأوزار غيرهم الذين أضلوهم وأن الطائفة الثانية يلحقهم بعضها وهي التي ترتبت من الأوزار على الإضلال بخلاف الطائفة الأولى فهي لهم أنفسهم.

وأوهن منهما ما ذكره بعضهم أن{من} في قوله{ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ } إلخ زائدة أوبيانية، وهو كما ترى.

وتقييده سبحانه قوله:{يضلونهم} بقوله:{بغير علم} للدلالة على أن الذين أضلهم هؤلاء المشركون الذين قالوا: أساطير الأولين إنما ضلوا باتباعهم لهم تقليدا وبغير علم فالقائلون أئمة الضلال وهؤلاء الضلال أتباعهم ومقلدوهم ثم ختم سبحانه الآية بذمهم وتقبيح أمرهم جميعا فقال:{ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ }.

قوله تعالى:{قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد} إلخ، إتيانه تعالى بنيانهم من القواعد هو حضور أمره تعالى عنده بعد ما لم يكن حاضرا، وهذا شائع في الكلام وخرور السقف سقوطه على الأرض وانهدامه.

والظاهر - كما يشعر به السياق - أن قوله:{ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ } كناية عن إبطال كيدهم وإفساد مكرهم من حيث لا يتوقعون كمن يتقي أمامه ويراقبه فيأتيه العدومن خلفه فالله سبحانه يأتي بنيان مكرهم من ناحية قواعده وهم مراقبون سقفه مما يأتيه من فوق فينهدم عليهم السقف لا بهادم يهدمه من فوقه بل بانهدام القواعد.

وعلى هذا فقوله:{ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ } عطف تفسيري يفسر قوله:{فأتى الله بنيانهم} إلخ والمراد بالعذاب العذاب الدنيوي.

وفي الآية تهديد للمشركين الذين كانوا يمكرون بالله ورسوله بتذكيرهم ما فعل الله بالماكرين من قبلهم من مستكبري الأمم الماضية حيث رد مكرهم إلى أنفسهم فكانوا هم الممكورين.

قوله تعالى:{ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ } الإخزاء من الخزي وهو على ما ذكره الراغب الذل الذي يستحيى منه، والمشاقة من الشق وهو قطع بعض الشيء وفصله منه فهي المخاصمة والمعاداة والاختلاف ممن من شأنه أن يأتلف ويتفق فمشاقة المشركين في شركائهم هو اختلافهم مع أهل التوحيد وهم أمة واحدة فطرهم الله جميعا على التوحيد ودين الحق ومخاصمتهم لهم وانفصالهم عنهم.

والمعنى: أن الله سبحانه سيخزيهم يوم القيامة ويضرب عليهم الذلة والهوان بقوله: أين شركائي الذين كنتم تشاقون أهل الحق فيهم وتخاصمونهم وتوجدون الاختلاف في دين الله.

قوله تعالى:{ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ } الخزي ذلة الموقف والسوء العذاب على ما يفيده السياق.

وهؤلاء الذين وصفهم الله بأنهم أوتوا العلم وأخبر أنهم يتكلمون بكذا هم الذين رزقوا العلم بالله وانكشفت لهم حقيقة التوحيد فإن ذلك هو الذي يعطيه السياق من جهة المقابلة بينهم مع وصفهم بالعلم وبين المشركين الذين ينكشف لهم يومئذ أنهم ما كانوا يعبدون إلا أسماء سموها وسرابا توهموه.

على أن الله سبحانه يخبر عنهم أنهم يتكلمون يومئذ ويقولون كذا وقد قال في وصف اليوم:{ لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا }: النبأ: 38 والقول لا يكون صوابا بحق المعنى إلا مع كون قائله مصونا من خطأه ولغوه وباطله، ولا يكون مصونا في قوله إلا إذا كان مصونا في فعله وفي علمه فهؤلاء قوم لا يرون إلا الحق ولا يفعلون إلا الحق ولا ينطقون إلا بالحق.

فإن قلت: فالذين أوتوا العلم بناء على ما فسر، هم أهل العصمة لكن تدفعه كثرة ورود هذه اللفظة في كلامه تعالى وإرادة غيرهم كقوله:{ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ }: القصص: 80، وقولهوَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ }: الحج: 54 إلى غير ذلك من الموارد الظاهر فيها عدم إرادة العصمة من إيتاء العلم.

قلت: ما ذكرناه إنما هو استفادة بمئونة المقام لا أنه مدلول اللفظ كلما أطلق في كلامه تعالى.

وأما قولهم: إن المراد بالذين أوتوا العلم هم الأنبياء فقط أوالأنبياء والمؤمنون الذين علموا في الدنيا بدلائل التوحيد أوالمؤمنون فحسب أوالملائكة فلا دليل في كلامه تعالى على واحد منها بخصوصه.

قوله تعالى:{ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ} إلى آخر الآية الظاهر أنه تفسير للكافرين الواقع في آخر الآية السابقة كما أن قوله الآتي:{ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ } إلخ، تفسير للمتقين الواقع في آخر الآية التي قبله، ولا يستلزم كونه بيانا للكافرين كونه من تمام قول الذين أوتوا العلم حتى يختل نظم الكلام بقولهم:{إن الخزي اليوم} إلخ، ثم بيانهم بقولهم:{الذين تتوفاهم الملائكة} إلخ دون أن يقولوا: الذين توفاهم الملائكة كما لا يخفى.

وقوله:{فألقوا السلم} أي الاستسلام وهوالخضوع والانقياد، وضمير الجمع للكافرين والمعنى الكافرون هم الذين تتوفاهم الملائكة ويقبضون أرواحهم والحال أنهم ظالمون لأنفسهم بكفرهم بالله فألقوا السلم وقدموا الخضوع والانقياد مظهرين بذلك أنهم ما كانوا يعملون من سوء، فيرد عليهم قولهم ويكذبون ويقال لهم: بلى قد فعلتم وعملتم إن الله عليم بما كنتم تعملون قبل ورودكم هذا المورد وهو الموت.

قوله تعالى:{ فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ } الخطاب للمجموع كما كان قوله:{ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ} وكذا قوله:{ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ } إلخ، ناظرا إلى جماعة الكافرين دون كل واحد واحد منهم.

وعلى هذا يعود معناه إلى مثل قولنا ليدخل كل واحد منكم بابا من جهنم يناسب عمله وموقفه من الكفر لا أن يدخل كل واحد منهم جميع الأبواب أوأكثر من واحد منها، وقد تقدم الكلام في معنى أبواب جهنم في تفسير قوله تعالى:{ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ }: الحجر: 44.

والمتكبرون هم المستكبرون بحسب المصداق وإن كانت العناية اللفظية مختلفة فيهما كالمسلم والمستسلم فالمستكبر هو الذي يطلب الكبر لنفسه بإخراجه من القوة إلى الفعل وإظهاره لغيره والمتكبر هو الذي يقبله لنفسه ويأخذه صفة.

___________________

1- تفسير الميزان ،الطباطبائي،ج12،ص186-191.

تفسير الامثل
- ذكر الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذه  الآيات (1) :

حمل أوزار الآخرين:

دار الحديث في الآيات السابقة حول عناد المستكبرين واستكبارهم أمام الحق، وسعيهم الحثيث في التنصل عن المسؤولية وعدم التسليم للحق.

أمّا في هذه الآيات فيدور الحديث حول منطق المستكبرين الدائم، فيقول القرآن: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ } فليس هووحي الهي، بل أكاذيب القدماء.

وكانوا يرمون بكلامهم المؤذي هذا إِلى أمرين:

الأوّل: الإِيحاء بأن مستوى تفكيرهم وعلميتهم أرقى ممّا أنزل اللّه!

الثّاني: ما جاء به النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إِنْ هوإِلاّ أساطير الأولين قد صيغت بعبارات جذابة لتنطلي على عوام الناس، وهذا ليس بالجديد، وما محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) إِلاّ معيد لما جاء به الأوّلون من أساطير.

{الأساطير}(2): جمع أسطورة، وتطلق على الحكايات والقصص الخرافية والكاذبة، وقد وردت هذه الكلمة تسع مرات في القرآن الكريم نقلا عن لسان الكفار ضد الأنبياء تبريراً لمخالفتهم الدعوة إِلى اللّه عزَّوجلّ.

وفي جميع المواطن ذكروا معها كلمة {الأوّلين} ليؤكدوا أنّها ليست بجديدة وأنّ الأيّام ستتجاوزها! حتى وصل بهم الحال ليغالوا فيما يقولون، كما جاء عن لسانهم في الآية (31) من سورة الأنفال: {قد سمعنا لونشاء لقلنا مثل هذا}.

والملاحظ على مستكبري يومنا توسلهم بنفس تلك التهم الباطلة هروباً من الحق وإِضلالا للآخرين، ووصلت بهم الحماقة لأنْ يعتبروا منشأ الدين من الجهل البشري، وما الآراء الدينية إِلاّ أساطير وخرافات! حتى أنّهم اثبتوا ذلك في كتب (علم الإِجتماع ودوّنوه بصياغة (علمية) كما يدّعون).

أمّا لونفذنا في أعماق تفكيرهم لوجدنا صورة أُخرى: فهم لم يحاربوا الأديان والمذاهب الخرافية المجعولة أبداً، فهم مؤسسوها والداعون لنشرها، إِنّما محاربتهم للأصالة والدين الحق الذي يوقظ الفكر الإِنساني ويحطم الأغلال الإِستعمارية ويقطع دابر المنحرفين عن جادة الصواب.

إِنهم يرون عدم انسجام دعوة الدين إِلى الأخلاق الحميدة، لأنّها تعارض أهواءهم الطائشة ورغباتهم غير المشروعة.

لذلك يجدون في دعوة الحق مانعاً أمام ما يطمحون الحصول عليه، ونراهم يستعملون مختلف الأساليب لتوهين هذا الدين القيم وإِسقاطه من أنظار الآخرين كي تخلوالساحة لهم ليفعلوا ما يشاؤون.

ومن المؤسف أنّ طرح بعض الخرافات والأفكار الخاطئة في قالب ديني من قبل الجهلة، كان بمثابة العامل المساعد في تجرّي هؤلاء ودفعهم لإِلصاق تهمة الخرافات بالدين. ولابدّ للمؤمنين الواعين أمام هذه الحال من الوقوف بكل صلابة أمام الخرافات ليبطلوا هذا السلاح في أيدي أعدائهم ويذكروا هذه الحقيقة في كل مكان وأن هذه الخرافات لا ترتبط بالدين الحق أبداً ولا ينبغي للداعية المخلص أن يجعل الخرافات ذريعة لأعداء الدين في محاربته ومحاربتنا، لأنّ عملية انسجام التعليمات الربانية مع العقل بحدّ من المتانة والوضوح لا يفسح أيّ مجال لأنّ تُوجه إِليه هكذا أباطيل.

توضح الآية الأُخرى أعمالهم بالقول: { لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ }.

لأنّ أقوالهم الباطلة لها الأثر السلبي بتضليل أعداد كبيرة من الآخرين. فمن أسوأ ممن حُمِّلَ أوزار آلاف البشر إلى وزره! والأكثر من ذلك أنْ أقوالهم ستركد في مخيلة مَنْ يأتي بعدهم من الأجيال لتكون منبعاً لإِضلالهم، ممّا يزيد في حمل الأوزار باطراد.

وقد جاءت عبارة {ليحملوا} بصيغة الأمر، أمّا مفهومها فلبيان نتيجة وعاقبة أعمال أُولئك المظلِلين، كما نقول لشخص ما: لكونك قمت بهذا العمل غير المشروع فعليك أن تتحمل عاقبة ما فعلت بتذوقك لمرارة عملك القبيح. (واحتمل بعض المفسّرين أن لام (ليحملوا، لام نتيجة).

والأوزار: جمع وزر، بمعنى الحمل الثقيل، وجاءت بمعنى الذنب أيضاً، ويقال للوزير وزير لعظم ما يحمل من مسؤولية.

ويواجهنا السؤال التالي..لماذا قال القرآن: يحملون من أوزار الذين يضلونهم ولم يقل كل أوزارهم، فى حين أن الرّوايات تؤكد.. أن (مَنْ سنّ سنّة سيئة فعليه وزرها ووزر مَنْ عمل بها إِلى يوم القيامة)؟

أجاب بعض المفسّرين بوجود نوعين من الذنوب عند المضلَّلين، نوع ناتج من أتباعهم لأئمّة الضلال، والنوع الآخر من أنفسهم، فما يحمله أئمّتهم وقادتهم هومن النوع الأوّل دون الثّاني.

واعتبر البعض الآخر من المفسّرين أنّ {مِنْ} في هذه الجملة ليست تبعيضية، بل جاءت لبيان أنّ ذنوب الأتباع على عاتق المتبوعين.

وثمّة تفسير آخر قد يكون أقرب إِلى القبول من غيره، يقول: إِنّ الأتباع الضالين لهم حالتان من التبعية...

فتارةً يكونون أتباعاً للمنحرفين على علم وبيّنة منهم، والتأريخ حافل بهكذا صور، فيكون سبب الذنب أوامر القادة من جهة، وتصميم الأتباع من جهة أُخرى فيقع على عاتق القادة قسم من المسؤولية المترتبة على هذه الذنوب {ولا يقلل من وزر الأتباع شيء}.

وتارةً أُخرى تكون التبعية نتيجة الإِستغفال والوقوع تحت شراك وساوس المنحرفين من دون حصول الرغبة عند المتبوعين فيما لوأدركوا حقيقة الأمر، وهوما يشاهد في عوام الناس عند الكثير من المجتمعات البشرية، (وقد يسلك طريق الضلال بعنوان التقرب إِلى اللّه).. وفي هذه الحال يكون وزر ذنوبهم على عاتق مضلِّيهم بالكامل، ولا وزر عليهم إِنْ لم يقصّروا بالتحقق من الأمر.

ولا شك أنّ المجموعة الأُولى التي سارت في طريق الضلال عن علم وبيّنة من أمرها سوف لا يخفف من ذنوبهم شيء مع ما يلحق أئمّتهم من ذنوبهم.

وهنا يلزم ملاحظة أنّ التعبير {بغير علم} في الآية ليس دليلا على الغفلة الدائمة للمضلَّلِين، ولا يُعبّر عن سقوط المسؤولية ـ في جميع الحالات ـ على غير المطلعين بحال وشأن أئمّة السوء والضلالة بل يشير إِلى سقوط عوام الناس لجهلهم بشكل أسرع من علمائهم في شراك أوشباك المضلِّلِين.

ولهذا نرى القرآن في آيات أُخرى لا يبريء هؤلاء الأتباع ويحملهم قسطاً من المسؤولية كما في الآيتين (47 و48) من سورة غافر: { ولا يقلل من وزر الأتباع شيء }.

ثمّ تُذكر الآية الأُخرى أن تهمة وصف الوحي الإِلهي بأساطير الأوّلين ليست بالأمر المستجد: { قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ}.

مع أنّ بعض المفسّرين قد ذهب بالآية إِلى قصة {النمرود} وصرحه الذي أراد من خلاله محاربة رب السماء! والبعض الآخر فسرها بقصة {بخت نصر}.. إِلاّ أن الظاهر من مفهوم الآية شمول جميع مؤامرات ودسائس المستكبرين وأئمّة الضلال.

ومن لطيف دقّة العبارة القرآنية، أنّ الآية أشارت إِلى أنّ اللّه عزَّوجلّ لا يدمرّ البناء العلوي للمستكبرين فحسب، بل سيدمره من القواعد لينهار بكله عليهم.

وقد يكون تخريب القواعد وإِسقاط السقف إِشارة إِلى أبنيتهم الظاهرية، من خلال الزلازل والصواعق لتنهار على رؤوسهم، وقد يكون إِشارة إِلى قلع جذور تجمعاتهم وأحزابهم بأمر اللّه عزَّوجلّ، بل لا مانع من شمول الأمرين معاً.

وممّا يلفت النظر أنّ القرآن ذكر كلمة {السقف} بعد ذكر {من فوقهم}، فـ {السقف} عادة في الطرف الأعلى من البناء، فما الذي إستلزم ذكر {من فوقهم}؟ ويمكن حمله للتأكيد، وكذلك لبيان أنّ السقوط سيتحقق بوجودهم أسفله لهلاكهم، حيث أنّ السقوط قد يحدث بوجود أصحاب الدار أوعدم وجودهم.

وقدم لنا التأريخ قديمه وحديثه بوضوح صوراً شتى للعقاب الإِلهي، فإِحكام الطغاة والجبابرة لما يعيشون ويتمتعون في كنفه من حصون وقلاع، إِضافة لخططهم المحبوكة كي يستمر لهم ولنسلهم الحال، وما قاموا به من تهيئة وإِعداد كل مستلزمات بقاء قدرة التسلط ودوام نظام الحكم.. كل ذلك لا يعبر في الحقيقة إِلاّ عن ظواهر خاوية من كل معاني القدرة والإِقتدار والدوام، حيث تحكي لنا قصص التاريخ أنّ هؤلاء يأتيهم العذاب الإِلهي وهم بذروة ما يتمتعون به، وإِذا بالقلاع والحصون تتهاوى على رؤوسهم فيفنون ولا تبقى لهم باقية.

وعذابهم في الحياة الدنيا لا يعني تمام الجزاء، بل تكملته ستكون يوم الجزاء الأكبر {ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ}.

فيسألهم اللّه تعالى: { وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ } أي تجادلون وتعادون فيهم(3)، فلا يتمكنون من الإِجابة، ولكنْ: { قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ }.

ويظهر من خلال ذلك أنّ المتحدثين يوم القيامة هم العلماء، ولا ينبغي في ذلك المحضر المقدس الحديث بالباطل.

وإِذا رأينا في بعض الرّوايات عن أهل البيت(عليهم السلام) التأكيد على أنّ العلماء في ذلك المحضر هم الأئمّة المعصومون(عليهم السلام) لأنّهم أفضل وأكمل مصداق لذلك(4).

ونعاود الذكر لنقول: إِنّ المقصود من السؤال والجواب في يوم القيامة ليس لكشف أمر خفي، بل هونوع من العذاب الروحي، وذلك إِحقاقاً للمؤمنين الذين لاقوا اللوم والتوبيخ الشديدين في الحياة الدنيا من المشركين المغرورين.

ويصف ذيل الآية السابقة حال الكافرين بالقول: { الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ }.

لأنّ ممارسة الظلم في حقيقتها ظلم للنفس قبل الآخرين، لأنّ الظالم يتلف ملكاته الوجدانية، ويهتك حرمة الصفات الفطرية الكامنة فيه.

بالإِضافة إِلى أنّ الظلم متى ما شاع وانتشر في أي مجتمع، فالنتيجة الطبيعية له أن يعود على الظالمين أنفسهم ليشملهم الحال.

أمّا حين تحين ساعة الموت ويزول حجاب الغفلة عن العيون { فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ}.

لماذا ينكرون عملهم القبيح؟ فهل يكذبون لأنّ الكذب أصبح صفة ذاتية لهم من كثرة تكراره، أم يريدون القول: إِننا نعلم سوء أعمالنا، ولكننا اخطأنا ولم تكن لدينا نوايا سيئة فيه؟؟.

يمكن القول بإِرادة كلا الأمرين.

ولكن الجواب يأتيهم فوراً: إِنّكم تكذبون فقد ارتكبم ذنوباً كثيرة: { بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } حتى بنيّاتكم.

وليس المقام محلا للإِنكار أوالتبرير.. { فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ }.

_______________

1- تفسير الامثل،مكارم الشيرازي،ج7،ص39-44.

2 ـ يعتبرها البعض جمع الجمع، فالأساطير جمع أسطار، والأساطير جمع سطر.. ويعتبرها البعض الآخر جمعاً ليس له مفرد من جنسه.. إِلاّ أنّ المشهور ما ذكرناه أعلاه.

3 ـ تشاقون: من مادة الشقاق، بمعنى المخالفة والعداء، وأصلها من (شقَّ، أي قَطَّعَهُ نصفين).

4 ـ راجع تفسير نور الثقلين، ج3، ص50،71.

 

 

 




وهو تفسير الآيات القرآنية على أساس الترتيب الزماني للآيات ، واعتبار الهجرة حدّاً زمنيّاً فاصلاً بين مرحلتين ، فكلُّ آيةٍ نزلت قبل الهجرة تُعتبر مكّيّة ، وكلّ آيةٍ نزلت بعد الهجرة فهي مدنيّة وإن كان مكان نزولها (مكّة) ، كالآيات التي نزلت على النبي حين كان في مكّة وقت الفتح ، فالمقياس هو الناحية الزمنيّة لا المكانيّة .

- المحكم هو الآيات التي معناها المقصود واضح لا يشتبه بالمعنى غير المقصود ، فيجب الايمان بمثل هذه الآيات والعمل بها.
- المتشابه هو الآيات التي لا تقصد ظواهرها ، ومعناها الحقيقي الذي يعبر عنه بـ«التأويل» لا يعلمه الا الله تعالى فيجب الايمان بمثل هذه الآيات ولكن لا يعمل بها.

النسخ في اللغة والقاموس هو بمعنى الإزالة والتغيير والتبديل والتحوير وابطال الشي‏ء ورفعه واقامة شي‏ء مقام شي‏ء، فيقال نسخت الشمس الظل : أي ازالته.
وتعريفه هو رفع حكم شرعي سابق بنص شرعي لا حق مع التراخي والزمان بينهما ، أي يكون بين الناسخ والمنسوخ زمن يكون المنسوخ ثابتا وملزما بحيث لو لم يكن النص الناسخ لاستمر العمل بالسابق وكان حكمه قائما .
وباختصار النسخ هو رفع الحكم الشرعي بخطاب قطعي للدلالة ومتأخر عنه أو هو بيان انتهاء امده والنسخ «جائز عقلا وواقع سمعا في شرائع ينسخ اللاحق منها السابق وفي شريعة واحدة» .



محطّاتٌ عاشورائيّة: راهبُ قنّسرين يكلّم رأس الإمام الحسين (عليه السلام) ويعتنق الإسلام بسببه
السيّد الصافي يُجري جولةً ميدانيّة للمجمّع التعليميّ الأوّل والثالث ويشيد بما تحقّق من نسب إنجازٍ في ظلّ هذه الظروف
المضيفُ الخارجيّ للعتبة العبّاسية المقدّسة يرفع رايته إيذاناً ببدء خدماته لزائري الأربعين
المكتبةُ النسويّة تنظّم دورةً إلكترونيّة حول أُسُس الفهرسة الوصفيّة