المرجع الالكتروني للمعلوماتية
المرجع الألكتروني للمعلوماتية

الفقه الاسلامي واصوله
عدد المواضيع في هذا القسم 7045 موضوعاً
المسائل الفقهية
علم اصول الفقه
القواعد الفقهية
المصطلحات الفقهية
الفقه المقارن

Untitled Document
أبحث عن شيء أخر



مبحث جواز إجتماع الأمر والنهي وعدمه‏  
  
70   07:43 صباحاً   التاريخ: 5 / 7 / 2020
المؤلف : الشيخ محمد علي الأراكي
الكتاب أو المصدر : أصول الفقه
الجزء والصفحة : ج‏1، ص: 186
القسم : الفقه الاسلامي واصوله / علم اصول الفقه / المباحث اللفظية /

...وقبل الخوض ينبغي رسم امور:

 

[الامر الاول فى محلّ النزاع‏]

الأوّل: أنّ محلّ النزاع ما إذا اجتمع طبيعتان إحداهما مأمور بها والاخرى‏ منهي عنها في موضوع واحد وإن كان هذا الموضوع كلّيا صادقا على الكثيرين كالصلاة في الدار المغصوبة، فيقع النزاع في أنّه لا بدّ من تقييد أحد الأمر والنهي فرارا من التالي الفاسد الذي يلزم من ابقائهما وهو اجتماع الأمر والنهي الذين هما ضدّان في محلّ واحد وهو الوجود الخارجي، أو هما باقيان والتالي المذكور غير لازم؛ لأنّ متعلّق الأمر والنهي ليس هو الوجود الخارجي بل هو الطبيعتان وهما متغايرتان، فالنزاع في الحقيقة صغروي بمعنى أنّه بعد الاتفاق على أنّ الأمر والنهي ضدّان- والضدّان لا يجتمعان في محلّ واحد فهما أيضا لا يجتمعان في محلّ واحد- وقع النزاع في أنّ بقاء الأمر والنهي في الوجود الواحد الذي يكون مجمعا لعنوانين هل هو اجتماع لهما في محلّ واحد أو ليس به، والتقييد بالواحد يكون لإخراج ما إذا لم يتّحد الطبيعتان وجودا وإن اتّحدا مفهوما كالسجود للّه والسجود للصنم، لا لإخراج الواحد الجنسي أو النوعي كالصلاة في الدار المغصوبة.

[الامر الثانى فى الفرق بين هذا النزاع والنزاع فى النهى فى العبادات‏]

الثاني: أنّ المحقّق القمّي قدّس سرّه جعل الفرق بين هذا النزاع والنزاع في النهي في العبادات بأنّ موضوع هذا النزاع ما إذا كان بين الطبيعتين عموم من وجه كصل ولا تغصب؛ وموضوع النزاع الآخر ما إذا كان بينهما عموم مطلق ك «صلّ ولا تصلّ في الحمّام».

وردّه صاحب الفصول قدّس سرّه وجعل الفرق بأنّه إن لم يؤخذ مفهوم إحدى الطبيعتين في مفهوم الاخرى بل كان بين مفهوميهما التغاير الكلّى فهذا موضوع لهذا النزاع وإن كان بينهما عموم مطلق كالأمر بالحركة والنهي عن التداني إلى موضع مخصوص.

وإن اخذ مفهوم إحداهما في مفهوم الاخرى وكان التغاير بينهما بمجرّد الإطلاق والتقييد بأن تعلّق الأمر بالمطلق والنهي بالمقيّد فهدا موضوع للنزاع الآتي.

وردّهما الشيخ المرتضى قدّس سرّه في التقريرات والمحقّق الخراساني في الكفاية بأنّ مجرّد الاختلاف الموردي لا يوجب عقد مسألتين، بل لا بدّ من اختلافهما في جهة البحث، فالجهة المبحوث عنها هنا هي أنّ تعدّد الوجه والعنوان في شي‏ء واحد هل‏ يوجب تعدّد متعلّق الأمر والنهي أولا؟ وهناك أنّ النهي المتعلّق بالعبادة أو المعاملة هل يوجب الفساد أولا؟ نعم لو قيل بالامتناع هنا وترجيح جانب النهي كان مثل الصلاة في الدار المغصوبة موضوعا للنزاع الآتي.

وأنت خبير بأنّه ليس غرض المحقّق القمّي وصاحب الفصول قدّس سرّهما بيان انحصار الفرق في المورد حتى يرد عليهما ما أورده المحقّقان الجليلان قدّس سرّهما، بل الغرض- بعد الفراغ عن تعدّد جهة البحث في المسألتين وكونهما صنفين من الكلام غير مرتبطين ووضوح ذلك بحيث لا يحتاج إلى البيان- هو التنبيه على أنّ كلّا من النزاعين غير جار في جميع الموارد بل في مورد خاص، غاية الأمر اختلفا في تعيين هذا المورد.

والحقّ أنّ المعيار في تعيينه هو ما ذكره صاحب الفصول وأنّه إن لم يكن بين المفهومين تغاير كلّي، بل كان أحدهما مأخوذا في الآخر مع كون النسبة بينهما عموما مطلقا، وبعبارة اخرى كانت الطبيعتان عامّا وخاصّا مفهوميّا ومصداقيا فهما مجرى للنزاع الآتي، ولا مطرق لهذا النزاع فيهما، وإن لم يجتمع هذان القيدان سواء وجد أحدهما أولا فبالعكس.

والسرّ أنّ ملاك كلام المجوّز على ما يأتي هو أنّ الاتّحاد في الوجود الخارجي لا يوجب وحدة متعلّقي الأمر والنهي، بل يكفي في تعدّدهما تعدّد المفهومين؛ فإنّ مفروض الطلب عنده هو الوجود الذهني التعقّلي، فلا جرم يكفي عنده في تعدّد مورد الأمر والنهي التعدّد المفهومي الذهني، ولا يضرّ الاتّحاد الوجودي الخارجي، وهذا لا يتمّ في المطلق والمقيّد المفهومي والمصداقي.

وقد يقال بأنّه كما أنّ طبيعتي الصلاة والغصب متعدّدان مفهوما فكذلك المطلق والمقيّد؛ فإنّهما أيضا مفهومان متمايزان في الذهن لكون كلّ منهما قسيما للآخر في الذهن، فملاك جواز الاجتماع أعني: التعدّد الذهني موجود فيهما.

وفيه: أنّهما وإن كانا متمايزين ذهنا، إلّا أنّ ما بسببه يتمايز المطلق عن المقيّد ويصير قسيما له هو عدم دخل شي‏ء وجودي أو عدمي؛ فإنّ معنى التقييد دخل شي‏ء وجودا أو عدما، ومعنى الإطلاق عدم دخل شي‏ء أصلا، فمعنى محبوبيّة المطلق محبوبيّة أصل الطبيعة مع عدم مدخليّة شي‏ء آخر في المطلوب أصلا، لا أن يكون عدم مدخليّة شي‏ء آخر ضميمة للمطلوب؛ إذ لا معنى لذلك.

وبعبارة اخرى: محبوبيّة وصف الإطلاق ليس إلّا محبوبيّة المقسم ولا شكّ في أنّ المقسم عين القسمين في الذهن، وحينئذ فلو تعلّق المبغوضيّة بالمقيّد لزم تعلّق الحبّ والبغض بشي‏ء واحد ذهني؛ لاتّحاد المقيّد مع المقسم في الذهن.

وهذا بخلاف ما إذا انتفى القيدان معا كالصلاة والغصب؛ فإنّه لا إشكال في كونهما مفهومين متمايزين في الذهن.

وكذا لو انتفى أحدهما إمّا بكون النسبة عموما من وجه مع كون أحد المفهومين مأخوذا في الآخر كالصلاة الجهريّة والصلاة في الحمّام؛ فإنّ الصلاة المقيّدة بوصف الجهريّة بما هي كذلك مغايرة في الذهن مع الصلاة المقيّدة بوصف كونها في الحمّام بما هي كذلك.

وبالجملة فحالهما عند المجوّز حال السجود للّه والسجود للصنم، فكما أنّ الأخيرين شيئان في الخارج أحدهما مأمور به والآخر منهي عنه وجامعهما وهو أصل السجدة خال عن الحبّ والبغض، فكذا حال الأوّلين في الذهن.

وإمّا بكون التغاير الكلّي بين المفهومين مع كون النسبة عموما مطلقا كالحركة والتداني إلى موضع مخصوص، نعم يمكن فرض مبغوضيّة المقيّد بوجه لا ينافي محبوبيّة المطلق وذلك بأن نفرض تعلّق المبغوضيّة بنفس الإضافة لا بالطبيعة المضافة، فتكون الصلاة في الحمّام محبوبة باعتبار أصل الصلاة ومبغوضة باعتبار إيقاعها في الحمّام مثل أن يكون الماء في الآنية المخصوصة محبوبا باعتبار أصل الماء ومبغوضا باعتبار الكون في هذه الآنية، وهذا لا ضير فيه إلّا أنّه خارج عن محلّ الكلام؛ إذ الكلام فيما إذا كان النهي متعلّقا بالعبادة.

[الامر الثالث فى انّ هذه المسألة فقهيّة او اصوليّة وكلاميّة]

الثالث: لا وجه لكون هذه المسألة فقهيّة؛ فإنّ المسألة الفقهيّة ما يكون البحث فيه راجعا إلى الحكم الشرعي من التكليفي أو الوضعي، وموضوعه فعل المكلّف، وهذا المعنى وإن كان موجودا في بعض مسائل الاصول كما في الاستصحاب بناء على حجيّته من باب التعبّد والأخبار، حيث إنّ البحث فيه راجع إلى أنّ إبقاء الحالة السابقة الذي هو فعل المكلّف واجب شرعا أولا، إلّا أنّه غير موجود في المقام؛ فإنّ المتنازع فيه هنا هو الإمكان والامتناع العقليّان لا الحكم الشرعي، والموضوع هو الأمر والنهي لا فعل المكلّف، ومجرّد ترتّب صحّة العبادة وفسادها على نتيجة هذه المسألة لا يوجب إلّا فقهيّة المترتّب لا المترتّب عليه.

نعم يكون هذه المسألة اصوليّة وكلاميّة لتوجّه نظر الاصولي والمتكلّم إليها وحصول غرضيهما بها،

أمّا الأوّل فلأنّ معيار المسائل الاصوليّة هو القواعد الممهّدة من العقل أو الشرع التي بعد الفراغ منها تكون نتيجتها مثمرة لاستكشاف حال المكلّف بالنسبة إلى الأحكام الأوّليّة الواقعيّة أعني الثابتة في اللوح المحفوظ المتساوي فيها جميع المكلّفين من العالم والجاهل.

إمّا بأن توصل المكلّف إليها علما مثل قاعدة الحسن والقبح العقليين وثبوت الملازمة العقليّة بين حكم العقل وحكم الشرع؛ فإنّه إذا حكم العقل بحسن شي‏ء نقطع بمقتضى الملازمة العقليّة بوجوبه واقعا عند الشرع وكذا مسألة الضدّ.

وإمّا بأن يفيد تنجّزها في حقّ المكلّف مثل قاعدة الاحتياط في الشكّ في أطراف العلم الإجمالي، فإنّه لإحراز الواقع والاجتناب عمّا هو الواجب الاجتناب واقعا، فلو كان هذا الواحد واجب الاجتناب واقعا يصحّ من الشارع المؤاخذة على ترك اجتنابه، وكذا في الشكّ البدوي قبل الفحص.

وإمّا بأن يفيد إسقاطها عن المكلّف مثل قاعدة البراءة في الشكّ البدوي بعد الفحص؛ فإنّ التكليف المنفي بها لو كان ثابتا واقعا يقبح من المولى المؤاخذة على مخالفته.

وإمّا بأن يفيد تنجّزها تارة وإسقاطها اخرى مثل قاعدة الاستصحاب؛ فإنّه لو اجري في ثبوت التكليف وكان ثابتا واقعا كان منجّزا، أو في نفي التكليف وكان في‏ الواقع ثابتا كان مسقطا، ومثل حجيّة خبر الواحد فإنّه لو قام على وجوب شي‏ء كان واجبا واقعا كان منجّزا، ولو قام على جوازه كان مسقطا.

وليس معيار الاصوليّة وقوع نتيجة المسألة كبرى لدليل الحكم الشرعي؛ فإنّ قاعدة «كلّ ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» فقهيّة ومع ذلك يقع كبرى للدليل المذكور، مثلا يقال: البيع يضمن بصحيحه فكذا بفاسده بمقتضى كلّ ما يضمن بصحيحه إلخ، فالفرق بين هذه القاعدة وأمثالها من القواعد الفقهيّة وبين القواعد الاصوليّة أنّ الاولى لا يفيد لإثبات حكم آخر ما وراء نفسها، والثانية معطية قانونا للمكلّف بالنسبة إلى الأحكام الواقعيّة الأوّليّة كما عرفت، وبالجملة فمسألتنا هذه من القواعد العقليّة الموصلة إلى الحكم الواقعي علما كما هو واضح فتكون اصوليّة.

وأمّا الثاني: فلأنّ معيار الكلاميّة كون المسألة باحثه عن أحوال المبدا والمعاد والوسائط، والبحث في مسألتنا أيضا راجع إلى أنّه هل يقبح من الحكيم تعالى الأمر والنهي بشي‏ء واحد ذي وجهين بالاعتبارين أولا، فيكون بحثا عن حال المبدا.

وأمّا جعل هذه المسألة من المبادي في الاصول فلا وجه له من جهة إمكان أن يقال بكون كلّ ما ذكر في الاصول من المطالب التي لم يتعرّض لها في علم آخر من المسائل لا المبادي، ووجه ذلك أنّه لا إشكال في أنّ وصول المكلّف إلى الحكم الشرعي بسبب الادلّة يتوقّف على مقدّمات عديدة كتعلّم اللغة والصرف والنحو إلى غير ذلك ممّا له دخل ولو بعيدا في فهم الحكم من الدليل، فاللازم على الاصولي إدراج تمام ذلك في الاصول لاشتراك الجميع في الدخل في غرضه من استكشاف حال المكلّف بالنسبة إلى الواقعيّات، غاية الأمر قد كفاه عن مئونة ذكر بعض ذلك بدويّته في علم آخر، ولهذا بعض المطالب التي لم ينقّح في الصرف أو النحو قد نقّح في هذا العلم مثل دلالة صيغة الأمر على الوجوب، ومن هنا تبيّن أنّ جميع ما ذكر في الاصول من المطالب لا يخلو من الدخل في الغرض المذكور فيكون بجملتها من المسائل، نعم قد ذكر في أثنائها بعض المطالب تطفّلا.

[الامر الرابع لا فرق في جريان النزاع بين ثبوت الأمر والنهي ...]

الرابع: لا فرق في جريان النزاع بين ثبوت الأمر والنهي بالدليل اللفظي وبين‏ ثبوتهما بالدليل اللبّي وهذا واضح، ثمّ إنّ محلّ النزاع هو ما إذا كان أحد العنوانين من حيث هو مشتملا على مقتضى الوجوب من دون نقص، والآخر من حيث هو مشتملا على مقتضى الحرمة من دون نقص، فيقع النزاع في أنّ هذين الحكمين الحيثيتين هل يمكن فعليتهما معا أولا، فالصلاة في الدار المغصوبة ليس حالها حال الصلاة بدون الطهارة حتى عند المانع.

ألا ترى أنّ الاولى صحيحة مع نسيان الغصب والجهل به، والثانية باطلة مع نسيان الطهارة أيضا، ووجه ذلك أنّ المقتضي في الثانية ناقص؛ لفقدها شرطا شرعيّا فلا يصحّ في حال من الأحوال، وفي الاولى تامّ والمانع من مقرّبيّتها مبعديّة العنوان المتّحد معها، فإذا زال مبعديّته بالنسيان أو الجهل كانت الصلاة مقرّبة.

وبالجملة فلا مانع من الفعليّة من قبل نفس العنوان بما هي هي، بل المانع لو كان فإنّما هو منع العقل من اجتماع الفعليتين لمكان التضاد، فإذا أثبتنا عدمه أيضا كان ترتّب الأثر أعني الوجوب الفعلي والحرمة الفعليّة على المقتضيين حينئذ بطريق القهريّة، فلا وجه للقول بالجواز عقلا والامتناع عرفا؛ إذ لا معنى لمحكّميّة العرف في هذا المطلب القهري.

[الامر الخامس فى عموم هذا النزاع للوجوب والحرمة الغيريين‏]

الخامس: لا إشكال في عموم هذا النزاع للوجوب والحرمة الغيريين كالنفسيين وكذا المختلفين؛ لأنّ التضاد بين المحبوبيّة والمبغوضيّة غير مختص بصورة كون كليهما نفسيّا وهذا واضح، فلا مدخليّة لقيد النفسيّة فيما هو ملاك كلام المانع أصلا.

وأمّا التخييريّان فيمكن منع جريان النزاع فيهما والقول بجواز اجتماعهما في الشي‏ء الواحد بوجه واحد فضلا عن الواحد بوجهين، فالأوّل كما إذا قال المولى:

أكرم إمّا زيدا وإمّا عمروا ولا تكرم أحدهما، وكما إذا قال: أكرم إمّا زيدا وإمّا عمروا، لا تكرم إمّا عمروا وإمّا بكرا، فإنّ كلّ واحد من إكرام زيد وعمرو في المثال الأوّل وإكرام عمرو في المثال الثاني طرف للوجوب التخييري وللحرمة التخييريّة، وواضح أنّه بوجه واحد، والثاني إذا أمر بالصلاة والصوم تخييرا ونهى عن التصرّف في دار زيد والتكلّم مع عمرو كذلك؛ فإنّ الصلاة في هذه الدار لها حيثيّتان‏ بإحداهما طرف للوجوب التخييري وبالاخرى للحرمة التخييريّة.

وسرّ عدم الجريان مع مساعدة الوجدان أنّ ملاك كلام المانع وهو التضادّ موجود في التعيينيين غير موجود في التخييريين، فإنّ الأمر التعييني مقتض لوجود المتعلّق وطارد لعدمه، والنهي التعييني مقتض لعدمه طارد لوجوده.

وواضح أنّ هذين المعنيين ينافيان ولا يجتمعان، وهذا بخلاف التخييريين؛ فإنّ الأمر التخييري ليس مقتضيا لوجود هذا الفرد الخاص طاردا لعدمه، لجواز عدمه مع البدل، وكذا النهي التخييري ليس مقتضيا لعدم هذا الخاص وطاردا لوجوده لجواز وجوده؛ مع البدل.

نعم الأوّل مقتض بالنسبة إلى وجود أحد الفردين وطارد لعدم كليهما، والثاني مقتض لعدم أحدهما وطارد لوجود كليهما، وبعبارة اخرى مقتضى الأوّل عدم ترك كليهما ومقتضي الثاني عدم الجمع بينهما، وهذان يجتمعان ولا يتنافيان.

وقد يستشكل فيما إذا اشترك الأمر التخييري والنهي التخييري في فرد واختصّ كلّ منهما بفرد كالمثال الثاني بأنّ الأمر التخييري له إطلاق بالنسبة إلى وجود الفرد الثالث الذي اختص به النهي التخييري وعدمه بمعنى ثبوته في كلتا الحالتين، والحال أنّه في صورة وجود هذا الثالث يتعيّن الحرمة في الفرد المشترك تعيّنا عرضيّا، وحينئذ يمتنع كونه محلا للوجوب التخييري؛ إذ معنى الأوّل المنع من الفعل مطلقا ومعنى الثاني الترخيص فيه مع البدل.

وكذا النهي التخييري له إطلاق بالنسبة إلى وجود الفرد الثالث الذي اختصّ به الأمر التخييري وعدمه بمعنى ثبوته في كلا الحالين، والحال أنّه في صورة عدم هذا الفرد يتعيّن الوجوب في الفرد المشترك، ومع ذلك يمتنع كونه محلا للحرمة التخييريّة؛ إذ معنى الأوّل المنع من الترك مطلقا، ومعنى الثاني الترخيص فيه مع البدل.

ووجه عدم جريان هذا الإشكال فيما إذا اشترك الأمر والنهي التخيريّان في كلا الفردين كالمثال الأوّل لزوم كون متعلّقات الأوامر والنواهي معرّاتا عن الوجود والعدم إطلاقا وتقييدا.

والجواب أنّ امتناع الإطلاق مشترك بين الصورتين، فكما أنّه ممتنع في الصورة الثانية لما ذكر، فكذا في الصورة الاولى، ووجهه أنّ من المسلّم عدم إمكان الإطلاق عند عدم إمكان التقييد، والتقييد في هذه الصورة ممتنع؛ لأنّه لو قيّد الأمر التخييري بصورة عدم الفرد الثالث والنهي التخييري بصورة وجود الثالث الآخر لزم تقييد كلّ من الأمر والنهي بصورة انتفائه وسقوطه، مثلا لو قيّد الأمر بإكرام زيد أو عمرو بصورة عدم إكرام بكر، وكذا النهي عن إكرام عمرو أو بكر بصورة وجود إكرام زيد، لزم أن يتوجّه في حال وجود إكرام زيد وعدم إكرام بكر أمر تخييري ونهي تخييري والحال أنّه في هذا الحال ليس في البين أمر تخييري ولا نهي تخييري كما هو واضح، فلا بدّ من أخذ متعلّق هذا الأمر وهذا النهي مهملة بالنسبة إلى وجود الثالث وعدمه وعدم أخذ وجوده ولا عدمه فيه لا إطلاقا ولا تقييدا، وبذلك يرتفع الإشكال.

[الامر السادس فى قيد المندوحة]

السادس: قد استشكل في الكفاية على من اعتبر في العنوان قيد المندوحة بأنّ الكلام في المقام في وجود المانع وعدمه من جهة اجتماع الضدّين مع قطع النظر عن وجوده وعدمه من الجهات الأخر، فقيد المندوحة لا ربط له بالمقام؛ إذ مرجع الكلام في المقام إلى استحالة نفس التكليف وفائدة هذا القيد رفع الاستحالة من متعلّقه.

أقول: لو جعل مصبّ النزاع أنّه هل يكفي تعدّد متعلّقي الأمر والنهي بالوجه والعنوان في رفع محذور اجتماعهما في محلّ واحد، أو لا بدّ في رفعه من تعدّدهما بالوجود الخارجي كان ما ذكره قدّس سرّه حقّا، وأمّا لو جعل مصبّه أنّه هل يجوز اجتماع الأمر والنهي وورودهما في الوجود الواحد بوجهين أو لا يجوز وجعل كفاية تعدّد الوجه علّة للجواز، ولزوم تعدّد الوجود علّة لعدمه كما هو الواقع فلا ريب في أنّه لا بدّ من أن يكون طرح النزاع بهذا الوجه في مورد عدم وجود المانع المسلّم المانعيّة عند الطرفين في البين؛ لوضوح عدم الوجه لطرحه في مورد ثبوت هذا المانع.

ثمّ هو منحصر في عدم ثبوت المندوحة، وذلك لأنّ المفروض عدم المانع من غير جهة اجتماع الأمر والنهي، يعني محلّ الكلام ما إذا كان المقتضي في نفس‏ العنوانين تامّا والمانع المتصوّر من جهة اجتماعهما إمّا لزوم اجتماع الضدّين أو النقيضين أو التكليف بما لا يطاق، فعدم الجواز في مورد عدم ثبوت المندوحة من قبل العنوان المأمور به مسلّم لا نزاع فيه، للزوم التكليف بما لا يطاق على تقدير الاجتماع، وفي مورد ثبوتها يكون محلا للخلاف والنزاع على حسب الرأيين في لزوم اجتماع الضدّين على تقدير الاجتماع وعدمه.

[الامر السابع فى دفع توهّمين‏]

السابع: ربّما يتوهّم ابتناء هذا النزاع على النزاع في تعلّق الطلب بالطبيعة أو بالفرد تارة بأنّه لو قلنا هناك بالتعلّق بالفرد تعيّن هنا القول بالامتناع، ولو قلنا هناك بالتعلّق بالطّبيعة يمكن هنا القول بالجواز لتعدّد الطبائع، وبالامتناع لسراية حكم الطبيعة إلى الفرد، واخرى بأنّ كلّ واحد من القولين هنا يبتني على واحد من القولين هناك، فالجواز على التعلّق بالطبيعة، والامتناع على التعلّق بالفرد.

والحقّ خطاء كلا التوهّمين، وتوضيحه يحتاج إلى بيان مراد القائلين هناك فنقول: لا شكّ في أنّ قيد الوجود والعدم كما أنّه يكون ملغى في الطبيعة كذلك يكون ملغى في الفرد؛ ولهذا قولنا: زيد موجود ليس ببديهيّة، وقولنا: زيد معدوم ليس بتناقض، فكلّ من الطبيعة والفرد على هذا يمكن لحاظه عاريا عن الوجود والعدم، ويمكن لحاظه باعتبار الوجود.

وحينئذ نقول: لو كان مراد القائلين هناك بالطبيعة والفرد هما باللحاظ الأوّل فكلاهما خطاء؛ إذ هما بهذا اللحاظ ليسا إلّا نفسهما، فلا يقعان متعلّقين للطلب ولا لغيره من الأعراض.

ولو كان المراد هما باللحاظ الثاني فيكون مرجع النزاع إلى أنّ الوجود الذي لا بدّ من اعتباره في متعلّق الطلب هل هو صرف الوجود الذي لا يضاف إلّا إلى الطبيعة، أو لا بدّ وأن يكون هو الوجودات الخاصّة المضافة إلى الأفراد، والعناوين المأخوذة في الأدلّة اللفظيّة إنّما احدث باعتبار الحكاية عنها لا باعتبار نفسها.

فحينئذ على تقدير القول هناك بالتعلّق بالطبيعة كما يمكن القول هنا بالجواز، كما هو واضح، كذلك يمكن القول بالامتناع، وذلك بأن يقال: إنّ الطلب وإن كان أوّلا وبالذات متعلّقا بالطبيعة إلّا أنّه بالأخرة يسري إلى الفرد؛ لمكان الاتّحاد بينهما خارجا، فيكون المحلّ واحدا نظير الحرارة، فإنّ موضوعها ليس إلّا مطلق النار من دون مدخل للخصوصيات فيه، ومع ذلك يسري منها إلى أفرادها، ولهذا صحّ أن يقال: إنّ هذه النار حارّة.

وكذا على تقدير القول هناك بالتعلّق بالفرد كما يمكن هنا القول بالامتناع كما هو واضح كذلك يمكن القول بالجواز، وذلك لإمكان تعرية الفرد عن بعض الخصوصيّات المتخصّص هو بها مع عدم خروجه بذلك عن فرديته، مثلا قد يشار في الذهن إلى الزيد بلحاظ أنّه زيد مع قطع النظر عن كونه ابن عمرو، وقد يشار إليه بلحاظ أنّه ابن عمرو مع قطع النظر عن كونه زيدا، وهو في كلا اللحاظين فرد، وكذا الحال فيما نحن فيه، فالحركة الخاصّة في الدار المغصوبة قد يلحظ بعنوان هذا الغصب مع قطع النظر عن حيث صلاتيّته وقد يلحظ بعنوان هذه الصلاة مع قطع النظر عن جهة غصبيّته، ولا شكّ في أنّ هذين اللحاظين متغايران في الذهن، والفرديّة في كليهما مع ذلك محفوظة.

[الامر الثامن فى انّ محلّ الكلام ما اذا كان ملاك المحبوبية والمبغوضية تماما]

الثامن: قد مرّ أنّ محلّ الكلام ما إذا كان ملاك المحبوبيّة في أحد العنوانين تماما بلا نقص وكذلك ملاك المبغوضيّة في الآخر، أمّا غير هذه الصورة فليس محلا لهذا النزاع، هذا بحسب مقام الثبوت.

أمّا بحسب مقام الإثبات فنقول: لو كان الروايتان متعرضتين للحكم الحيثيّتي، فإن علم أحمالا بأنّ أحد الملاكين ليس بموجود في مورد التصادق كما لو علم بعد ورود أكرم العلماء ولا تكرم الفسّاق بانتفاء أحد ملاكي الوجوب والحرمة في العالم الفاسق كان من باب التكاذب والتعارض بين الروايتين فلا بدّ من العمل في مورد التصادق بأظهرهما دلالة لو كان، وإلّا فمقتضى الاصول، وليس من باب الاجتماع كما مرّ وهذا واضح.

وأمّا لو علم بوجود جميع الملاكين في مورد التصادق فعدم ملاحظة الأظهريّة والظاهريّة بين الروايتين ممّا لا كلام فيه، لعدم التعارض بينهما حتّى على القول‏ بالامتناع، وإنّما الكلام في أنّ حكم العقل في مورد التصادق حينئذ على القول بالامتناع ماذا؟

والحقّ أنّه مختلف بحسب الموارد، ففي مورد ثبوت المندوحة في أحد الملاكين بمعنى إمكان إحرازه في غير مورد التصادق يكون حكم العقل تقييد هذا الأحد بغير مورد التصادق وترجيح الآخر فيه وإن كان الأوّل أقوى وأهمّ بمراتب من الثاني، ولا يوجب أقوائيته ترجيحه وطرح الآخر؛ إذ لا وجه لرفع اليد عن أحد الغرضين ولو كان في غاية الضعف لأجل الآخر ولو كان في غاية القوّة بعد إمكان إحرازهما جميعا.

مثلا لو فرضنا أنّ المطلوبيّة في الصلاة متعلّقة بصرف الوجود المتساوي فيه جميع الأمكنة من دون مدخليّة لخصوصيّة مكان فيها، ولكنّ المبغوضيّة في الغصب مستوعبة لجميع الخصوصيّات والأفراد وقلنا بامتناع الاجتماع، فاللازم بحكم العقل هو الحكم من الابتداء باختصاص المطلوبيّة بما سوى الصلاة الواقعة في الدار المغصوبة وكونها مبغوضة لو تمكّن المكلّف من المكان المباح من دون حاجة إلى موازنة مصلحتها مع مفسدة الغصب.

ولهذا لو كان المقدّمة الغير المنحصرة للواجب حراما لم يقتض وجوب الواجب إلّا وجوب ما سواها من المقدّمات المباحة، وفي مورد عدم ثبوت المندوحة من أحد الجانبين، بمعنى عدم إمكان الجمع بين الغرضين بإحراز أحدهما في غير مورد التصادق ودوران الأمر بين إحراز هذا أو ذاك يكون حكم العقل ملاحظة مرجّحات باب المزاحمة وترجيح أقوى المتزاحمين.

ومن هنا ظهر حكم ما إذا تكفّل الروايتان للحكم العقلي وعلم وجود الملاكين في مورد التصادق فإنّ حكم العقل في هذه الصورة أيضا هو التفصيل المذكور بعينه، والفرق بينها وبين الصورة السابقة هو أنّ التعارض هناك منتف على القولين كما عرفت، وهنا منتف على القول بالجواز وثابت على القول بالامتناع، وعلامته ما ذكر من التفصيل لا ملاحظة الأظهريّة والظاهريّة بين الروايتين، ففي صورة ثبوت‏ المندوحة ترجيح غير ذي المندوحة وإن كان ذوها أقوى ودليله أظهر، وفي صورة عدمها ترجيح اقوى الملاكين وإن كان دليل غيره أظهر.

وممّا ذكرنا ظهر أنّ ما في الكفاية من الحكم بالرجوع إلى مرجّحات باب المزاحمة وترجيح أقوى المناطين عند إحراز الاقتضاء من كليهما في المجمع بناء على القول بالامتناع غير صحيح بإطلاقه، والصحيح هو التفصيل بين صورتي ثبوت المندوحة وعدمها والحكم في الاولى بتقييد ذي المندوحة وفي الثانية بما ذكره سيّما مع كون محلّ الكلام في هذا المبحث هو صورة ثبوتها.

[الامر التاسع فى الاجزاء باتيان المجمع فى التوصّليات والتعبّديات‏]

التاسع: لا إشكال في حصول الإجزاء والامتثال في التوصليّات بإتيان المجمع حتّى على القول بالامتناع، لفرض حصول الملاك والمقتضي فيه، وأمّا التعبّديات فكذا الكلام فيها على القول بالجواز، بمعنى أنّ الآتي بالمجمع صدر منه إطاعة ومعصية، وأمّا على القول بالامتناع فلا إشكال في عدم حصول الإجزاء والامتثال لو كان الفاعل عالما بموضوع الحرام وحكمه؛ لوضوح عدم إمكان مقربيّة الوجود المبعّد، وكذا لو كان جاهلا بالحكم عن تقصير أو ناسيا بمقدّمة اختياريّة أو شاكّا فيه قبل الفحص، هذا على المختار على تقدير الامتناع من تقييد جانب الأمر وترجيح جانب النهي، وأمّا على ما اختاره صاحب الكفاية من ترجيح أقوى المناطين فمع ترجيح جانب النهي يكون الحال كما على المختار، ومع ترجيح جانب الأمر يحصل الإطاعة بدون المعصية في جميع الأقسام.

بقي الكلام فيما إذا كان الفاعل معذورا سواء كان جاهلا بالموضوع أو بالحكم عن قصور، أو ناسيا له بمقدّمة غير اختياريّة، أو شاكا فيه بعد الفحص.

فنقول: يمكن القول بصحّة العبادة وإجزائها في هذا الفرض على القول بالامتناع أيضا، بحيث لو تبيّن الخلاف بعد العمل مثل ما إذا تبيّن بعد الصلاة كونها واقعة في الدار المغصوبة لم يجب الإعادة ولا القضاء، وإتمام هذه الدعوى يكون بأحد من ثلاثة وجوه:

الأوّل: أنّه لا يعتبر في العبادة وجود الامر ولا قصده ولا داعيه، وإنّما المعتبر فيها كون العمل بوجه يكون مقرّبا لفاعله، وحينئذ فنقول: لا إشكال في وجود الجهة المحسّنة في المجمع بالفرض، والجهة المقبحة وإن كانت موجودة فيه أيضا إلّا أنّها لا تؤثّر في الفاعل شيئا، بمعنى أنّها لا تبعّده عن ساحة المولى ولا توجب انحطاط رتبته عنده؛ لعدم تنجيزها بواسطة عدم المعلوميّة، فحينئذ يجب عقلا فيما إذا قصد الفاعل العنوان العبادي المتّحد معها بداعي الجهة المحسّنة الموجودة فيه كالصلاتيّة أن يكون هذا العنوان مقرّبا له.

والحاصل أنّ النهي والتحريم وإن كان موجودا فعلا واقعا والأمر قد زال بمزاحمته، إلّا أنّ هذا التحريم قد انسلخ عنه الأثر وهو التعبّد واستحقاق العقوبة مع أىّ عنوان اتّحد متعلّقة، فلو كان العنوان المتّحد مع متعلّقه عباديّا فلا مانع من أن يؤثّر أثره من القرب وإن كان يزول تأثيره بالمزاحمة عند تأثير جهة التحريم.

الثاني: تصحيح الأمر في حقّ المعذور، بدعوى أنّ الحكم الظاهري يمكن اجتماعه مع الحكم الواقعي وإن قلنا بعدم إمكان اجتماع الحكمين المتضادّين في عرض واحد، فالخمر يمكن أن يكون حراما في الواقع وحلالا في الظاهر؛ وذلك لما قرّر في محلّه من عدم استحالة جعل الحكمين المتضادّين في موضوع واحد إذا كان أحدهما في طول الآخر؛ فإنّ الحكم الظاهري مجعول في موضوع الشاك في الواقع، فهو متأخّر رتبة عن الشكّ في الواقع، والشكّ فيه متأخّر رتبة عن نفس الواقع، إلى آخر ما بيّن في محلّه.

وحينئذ نقول: يمكن بناء على هذا جعل الحكم الترخيصي في موضوع الشاك في الغصب موضوعا أو حكما من دون منافاته للحرمة الواقعيّة؛ فإذا أمكن ذلك أمكن جعل الحكم الوجوبي في هذا الموضوع أيضا، وضدّيته للحرمة لا يوجب الفرق؛ فإنّ الترخيص أيضا ضدّ لها؛ لوضوح تحقّق التضاد بين الأحكام الخمسة بأسرها، فهذا الوجوب وإن كان كالحكم الظاهري مجعولا في حقّ الشاكّ في الواقع، إلّا أنّه يفيد أثر الحكم الواقعي أعني: أنّ موافقته موجبة لسقوط الإعادة والقضاء عن المكلّف ولو مع تبيّن الخلاف والحرمة، ووجه ذلك وجود ملاك المحبوبيّة واقعا في المأتيّ به‏ بالفرض، فتبيّن الخلاف فيه غير متصوّر وكذا في الأمر؛ فإنّه وإن كان متعلّقا بموضوع الشاكّ إلّا أنّه حكم واقعي في حقّه، والعلم بالواقع موجب الانتفاء موضوعه لا كاشف عن عدم مجعوليّته في حقّ الشاكّ واقعا.

وبالجملة، فتبيّن الخلاف غير متصوّر بالنسبة إلى عنوان الصلاة، نعم هو متصوّر بالنسبة إلى عنوان الغصب حيث يتبيّن كونه حراما واقعا، ومن هنا ظهر وجه الفرق بين هذه الصلاة والصلاة باستصحاب الطهارة بأنّ تبيّن الخلاف فيها ممكن بالنسبة إلى الملاك، حيث إنّ ملاك المحبوبيّة غير موجود في الصلاة بدون الطهارة وإن كان لا يمكن بالنسبة إلى الآخر كما هنا.

الثالث: تصحيح [الأمر] بضدّ الامتثال في حقّ المعذور بدعوى إمكان داعويّة الأمر المتعلّق بموضوع إلى موضوع آخر مثله، كما يمكن داعوية الأمر المتوجّه من المولى إلى عبده لغيره بغرض دفع العقوبة عنه؛ فإنّ العنوان المأمور به المتّحد مع العنوان المنهيّ عنه حاله حاله عند عدم الاجتماع بلا فرق، غاية الأمر وجود المانع العقلي من الأمر به عند الاجتماع، ولهذا لو كان الأمر توصليّا كان الإتيان بالمجمع مجزيا بلا كلام، كما لو قال: خط لي هذا الثوب فخاطه في المكان المغصوب.

و بالجملة، وجه داعويّة الأمر إلى متعلّقه ليس إلّا كونه مسقطا للأمر فإذا فرض كون موضوع آخر محصّلا لغرض المولى يكون مسقطا للأمر أيضا؛ إذ لا وجه لبقاء الأمر مع سقوط الغرض، نعم قصد العبد أعني قصد الأمر المتعلّق بسائر الأفراد لا يتمشّي إلّا في حقّ العالم بالحرمة، وأمّا الجاهل فالمتمشي في حقّه قصد الأمر المتعلّق بالطبيعة، غاية الأمر أنّه يخيّل سرايته إلى هذا الفرد فتبيّن خطائه.

[الامر العاشر فى دفع توهّمين آخرين‏]

العاشر: ربما يتوهّم تارة ابتناء هذا النزاع على النزاع الواقع في المعقول في أصالة الماهيّة أو الوجود، بمعنى أنّه لو قيل هناك بأصالة الماهيّة فلا بدّ هنا من الالتزام بالجواز لتعدّد الماهيّات، ولو قيل هناك بأصالة الوجود فلا بدّ هنا من الالتزام بالامتناع لوحدة الوجود، وذلك لأنّ الأصيل هو المنشأ للآثار، فلا بدّ أن يكون هو المتعلّق للطلب.

واخرى ابتنائه على النزاع في تعدّد الجنس والفصل ووحدتهما والأوّل ملازم للجواز والثاني للامتناع.

والحقّ خطاء كلا التوهّمين‏

أمّا الأوّل فلأنّه لا ريب في أنّ الشي‏ء الواحد كما لا يعقل أن يكون له أزيد من وجود واحد كذلك لا يعقل أن يكون له أزيد من ماهيّة واحدة؛ فإنّ الماهيّة عبارة عن المقول في جواب ما هو الذي هو سؤال عن حقيقة الشي‏ء ونوعه، ومن الواضح أنّه لا يمكن أن يكون للشي‏ء الواحد إلّا نوع واحد.

نعم يصحّ حمل العناوين المتعدّدة على موضوع واحد إلّا أنّه لا يمكن أن يكون كلّها ماهيّات له، بل لا بدّ من كون كلّها أو ما سوى الواحد منها عرضيّات.

وأمّا الثاني فلأنّ العنوانين المجتمعين في موضوع واحد لا دخل لهما بالجنس والفصل، مثلا الحركة الخاصّة في الدار المغصوبة بأيّ كيفيّة تكيّفت وفي أيّ مكان تحقّقت لها جنس وفصل، وعنوان الصلاة عرضي قد انتزع من كيفيّاتها الخاصّة مع قصد القربة، وكذا عنوان الغصب عرضي قد انتزع من اضافتها إلى دار الغير.

إذا عرفت ذلك فلنشرع في برهان كلّ من القولين، فنقول وعلى اللّه التوكّل:

أقوى ما احتجّ به للقول بالجواز هو أنّ المقتضي موجود والمانع مفقود، لا نزاع في وجود المقتضي لما عرفت من أنّ محلّ الكلام ما إذا كان ملاك كلّ من الأمر والنهي موجودا في مورد التصادق، إنّما النزاع في وجود المانع وهو لزوم اجتماع الضدّين من الأمر والنهي ومباديهما من الحبّ والبغض والمصلحة والمفسدة في شي‏ء واحد وهو الوجود الخارجي وعدمه، والحقّ عدمه.

وبيانه يحتاج إلى مقدّمة وهي: أنّ الأعراض على ما ذكره أهل المعقول منحصرة في ثلاثة أقسام:

الأوّل: ما يكون عروضه واتصافه في الخارج كحرارة النار وبرودة الماء.

والثاني: ما يكون عروضه في الذهن واتّصافه في الخارج، والمراد بكون العروض في الذهن عدم وجود ما يكون بحذائه في الخارج كالابوّة والبنوّة والفوقيّة والتحتيّة؛ فإنّها امور انتزاعيّة متعلّقة في الذهن وليس شي‏ء في الخارج يكون بحذائها، ولكنّ المتّصف بها هي الذوات الخارجيّة بخلاف الحرارة ونظائرها؛ فإنّ ما يكون بحذائها موجود في الخارج والمتّصف بها أيضا هو الذوات الخارجيّة، والعرضي المتّحد من القسم الأوّل كالضارب يحمل على الذات بحمل ذو هو، فمعنى زيد ضارب زيد ذو الضرب، والعرضي المتّحد من القسم الثاني كالأب تسمّى بالخارج المحمول.

والثالث ما يكون عروضه واتصافه في الذهن كالكليّة؛ فإنّها أمر يتعقّل في الذهن ومعروضه الطبائع الجامعة المتعلّقة في الذهن أيضا لا الأمر الخارجي؛ فإنّ الخارجي لا يكون إلّا جزئيّا.

إذا تمهّد هذا فنقول: لا إشكال في كون الإرادة والطلب من الأعراض، ولا في عدم كونه من القسم الأوّل؛ لأنّ وجود هذا القسم في الخارج فرع وجود المعروض فيكون متأخّرا عنه رتبة، ولا يعقل في الطلب أن يكون وجوده متأخرا في الرتبة عن المعروض، للزوم طلب الحاصل والزجر عنه وكلاهما محال، ولا في عدم كونه من القسم الثاني؛ إذ يعتبر في الاتّصاف الخارجي لشي‏ء بشي‏ء عدم مناقضة الشي‏ء الأوّل لوجود الشي‏ء الثاني، وعدم كونه علّة لعدمه؛ إذ لا يعقل اتصاف الشي‏ء بما هو علّة لعدمه، ولا شكّ في أنّ وجود موردي الأمر والنهي معدم لهما، فتعيّن كونه من القسم الثالث فيكون حال الطلب [حال‏] وصف الكليّة، فكما أنّ وصف الكليّة يعرض على الطبائع في الذهن فكذا الطلب أيضا يعرض عليها في الذهن، لكنّ الطبيعة من حيث هي لمّا لم يكن إلّا هي فلا بدّ من لحاظ الوجود معها أيضا، فيكون متعلّق الأمر طبيعة الصلاة باعتبار الوجود مثلا، ومتعلّق النهي طبيعته الغصب بهذا الاعتبار، ولا شكّ في أنّهما شيئان متمايزان في الذهن وإن اتّحدا في الوجود الخارجي.

فإن قلت: على ما قرّرت من أنّ متعلّق الطلب هو الطبيعة المقيّدة بالوجود الذهني فالمراد بالوجود الذهني الذي هو القيد المقوّم ما ذا؟ لا يعقل أن يكون المراد ذهن الآمر، وأمّا ذهن المأمور فلازمه كفاية التصوّر في مقام الامتثال وعدم لزوم‏ الإتيان الخارجي.

قلت: الجواب أوّلا: بالنقض بالكلّي الطبيعي فنقول: قد يلحظ الطبيعة في الذهن معرّاتا عن الوجود والعدم فيقال بأنّها ليس إلّا هي، وقد يلحظ بلحاظ الوجود فيحكم بأنّها كلّي، فالمراد بالطبيعة التي يحكم عليها بالكليّة ما ذا؟ لا يعقل أن يكون المراد الطبيعة بوجودها الخارجي؛ إذا الخارجي ليس إلّا جزئيا، ولا هي بوجودها الذهني، إذ الوجود الذهني أيضا جزئيّ من الجزئيّات ومباين للخارجيّات فلا ينطبق عليها، ولا هي معرّاتا عن الوجودين؛ فإنّها حينئذ لا يكون جزئيا ولا كليّا.

وثانيا: بالحل وهو مشترك بين المقامين وهو: أنّ الوجود الذهني تارة يعتبر بالمعنى الاسمي وهذا واضح، واخرى بالمعنى الحرفي أي بأن يكون آلة لرؤية الخارج؛ فإنّ الذهن صفحة يرى بها الخارج ويحكي عنه، فالناظر بهذا النظر كأنّه يرى الخارج بنفسه، فالوجود الذي يوجد قيدا للطبيعة في كلا المقامين أي مقام عروض الكليّة ومقام تعلّق الطلب هو الوجود الذهني الملحوظ باللحاظ الحاكي، فوجود الإنسان الملحوظ باللحاظ الحاكي يحكم بأنّه موجود في زيد وعمرو وبكر، وهذا معنى كليّته وإن كان لو لوحظ بما هو موجود في الذهن كان جزئيّا وباين الخارج، بل الملحوظ للاحظ آخر، بل لهذا اللاحظ بلحاظ آخر.

وكذلك وجود الصلاة الملحوظ في الذهن باللحاظ المرآتي متعلّق للطلب لا بما هو ملحوظ في الذهن، وحينئذ فلا جرم لا يحصل امتثاله إلّا بالعمل الخارجي؛ إذ ملحوظ الآمر بهذا اللحاظ لا ينطبق إلّا عليه، وعرض هذه الطبيعة وهو المطلوبيّة لا يسري إلى الفرد كما هو الحال في وصف الكليّة.

فإن قلت: إذا كان متعلّق الطلب وجود الطبيعة الملحوظ باللحاظ الحاكي يجب أن يسري المطلوبيّة منها إلى الفرد لمكان العينيّة؛ فإنّ اللاحظ بهذا اللحاظ يرى الطبيعة عين الأفراد في الخارج.

قلت: الأجزاء التحليليّة المتجزّاة عند العقل التي يحكم باتّحاد بعضها مع بعض في الخارج كما في كلّ واحد، وهي خصوصيات يجزّئ العقل خصوصياته ويحكم‏ باتّحادها في الخارج لا يمكن الحكم بعينيّة بعضها مع بعض إلّا بعد فرض التغاير، فإنّه لا يعقل الحكم بأنّ هذا عين ذاك إلّا بعد فرض وجود هذا وذاك في البين، فلا بدّ في مقام الحمل من نظرين طوليين، تفصيلي واجمالي، وذلك بأن ينظر الطرفين أوّلا اثنين، ثمّ ينظرهما واحدا في الخارج فيحكم باتحادهما فيه.

وحينئذ فما يعرض على أحد الطرفين في النظرة الاولى أي النظر التفصيلي التحليلي لا يسري إلى الآخر؛ لمكان التغاير والبينونة بينهما في هذا النظر، وذلك مثل وصفي الموضوعيّة والمحموليّة اللاحقين لذاتي الموضوع والمحمول عند ملاحظة كلا منهما منفردا ومنفصلا عن الآخر مقدّمة للحمل والحكم بالاتحاد.

ومثل الجنسيّة والفصليّة العارضين لذاتي الجنس والفصل عند تحليل العقل الشي‏ء الخارجي بحسب الحقيقة بجزءين قبل الحكم باتّحادهما.

ومثل وصف الكليّة العارضة على صرف الوجود المضاف إلى أصل الطبيعة في مقام تجزئة العقل بين الجهة الجامعة بين الأفراد وبين الخصوصيّات المتميّزة لها قبل الحكم بالاتّحاد.

ومثل وصف الكثرة في قولنا: الماء في الدنيا كثير اللاحق بصرف وجود الماء في لحاظ التجريد لا لأصل الطبيعة ولا للأفراد.

وحينئذ فنقول: لا إشكال في أنّ الطالب يحلّل في ذهنه الأجزاء التي لها دخل في غرضه عن الأجزاء الآخر ويعلّق طلبه بماله الدخل في غرضه دون غيره، فيكون صرف الوجود بالنسبة إلى الخصوصيّات التي لا دخل لها في الغرض معروضا للطلب في عالم تخليته عن تلك الخصوصيّات، فلهذا لا يسري الطلب منه إلى الأفراد.

وممّا ذكرنا يتّضح وجه الحكم في مسألة فرعيّة وهي أنّ بيع الصاع من الحنطة مثلا يتصوّر على وجهين، الأوّل: أن يبيع الكلّي في الذمّة، ولازمه كون التلف من البائع قبل التعيّن، والثاني: أن يبيع صاعا من الصبرة المشاهدة وهو يتصوّر على ثلاثة وجوه:

الأوّل: أن يكون على وجه النكرة بأن يكون المبيع إحدى الصيعان المشتمل‏ عليها الصبرة ولازمه كون التالف مردّدا بين كونه من مال البائع أو المشتري؛ فإنّ إحدى الصيعان التي هي المبيع كما يحتمل تطبيقه على الموجود كذلك يحتمل تطبيقه على التالف وادّعوا الإجماع على بطلان هذا القسم.

والثاني: أن يكون على وجه الإشاعة ولازمه كون التلف بينهما بالنسبة.

والثالث: أن يكون على وجه الكلّي في الخارج، ولازمه كون التلف من مال البائع ما بقي من الصبرة مقدار صاع؛ فإنّ وجه هذا الأخير أنّ البائع قد باع الصاع الكلّي من المشتري، غاية الأمر مقيّدا بوجوده في الخارج وهو مع هذا القيد وإن كان ملازما للاتّحاد مع خصوصيّة من الخصوصيّات، إلّا أنّه في عالم تجريده عن الخصوصيّات وقع متعلّقا للملكيّة، فلا تسري منه الملكيّة إلى الخصوصيّات بل هي باقية على ملك البائع، ولهذا يكون تلفها من ماله ما بقي منها خصوصيّته واحدة؛ فإنّ تلف الكلّي إنّما يكون بتلف تمام خصوصيّاته ولا يصدق بتلف بعضها.

فإن قلت: إنّ المفاهيم المتعقّلة لا واقعيّة لها بل هي صرف إدراكات للعقل، وإنّما الواقعيّة للموجود الخارجي، وما جعلته متعلّقا للطلب أعني: صرف وجود أصل الطبيعة، مجردا لمفهوم التعقّلي، ومتعلّق الطلب لا بدّ وأن يكون منشئا للآثار، فلا محالة يكون مما له الواقعيّة وهو الوجود الخارجي، ولا ريب في كونه واحدا إلّا بعد وقته فيعود المحذور.

قلت: إن أردت بعدم الواقعيّة لصرف الوجود عدم وجوده في الخارج بما هو عليه في الذهن من وصف الجامعيّة والتجرّد عن الخصوصيّات فهو مسلّم، وإن أردت عدم وجوده من الأصل ولو بكيفيّة اخرى مغايرة لكيفيته في الذهن فهو ممنوع بل هو موجود في الخارج، غاية الأمر وصف اتّحاده مع الأفراد واندماجه فيها على خلاف ما هو عليه في الذهن من وصف تجرّده منها.

والحاصل أنّ الطبيعي ليس مجرّد المفهوم التعقّلي، بل له حظّ من الوجود الخارجي، فالوجود كما يضاف إلى الفرد أعني: الخصوصيّة المميّزة كذلك يضاف إلى الطبيعي أيضا على الحقيقة، غاية الأمر أنّ الوجود المضاف إليهما وجود واحد.

والدليل على وجود الطبيعي أنّه لو توجّه شبح من بعيد وتيقنّا بأنّه حيوان وشككنا في أنّه بعير أو فرس وكان بعيرا في الواقع فلا ريب أنّ وصف المعلوميّة مختص بحصّة وجود الحيوان والمشكوكيّة بحصّة وجود البعير، ولا يسري معلوميّة الأوّل إلى الثاني ولا مشكوكيّة الثاني إلى الأوّل، ولو لم يكن هاهنا شي‏ء وواقعيّة إلّا وجود البعير لما كان لنا إلّا شي‏ء واحد مشكوك ولم يكن في البين شي‏ء تعلّق به المعلوميّة.

وأيضا من المعلوم بالوجدان أنّ الإنسان قد يصير طالبا لنفس الكلّي الطبيعي من دون أن يسري طلبه إلى الخصوصيّات، كما في طلب شرب الماء وكما في طلب وجود الإنسان إذا كان لأجل الكراهة من الانفراد في البيت، فلو لم يكن للطبيعي حظّ من الوجود لما وقع متعلّقا للطلب.

فثبت أنّه يمكن أن يشير الآمر في عالم اللحاظ إلى نفس الطبيعي ويوجّه الطلب نحوه من دون لزوم الإشكال.

فإن قلت: ما ذكرت من جعل متعلّق الطلب صرف الوجود إنّما يتمّ في الماهيّات المتأصّلة، وأمّا العناوين المنتزعة فلا وجود لها في الخارج حتى يمكن اعتبار صرف الوجود معها، وذلك لأنّ موطنها هو الذهن، والخارج إنّما هو ظرف لمنشا انتزاعها، فلا بدّ من صرف الأوامر والنواهي المتعلّقة بتلك العناوين ظاهرا إلى الوجودات الخارجيّة التي هي منشأ لانتزاعها، وجعل تلك العناوين إشارة إليها وحاكية عنها، وحينئذ فيلزم المحذور من اجتماع الأمر والنهي في الواحد.

قلت: نحن إذا تعقّلنا صرف الوجود في الماهيّات المتأصّلة نتعقّله بهتا في جانب منشأ الانتزاع، مثلا عنوان الضارب والقاعد لا مدخل في منشأ انتزاعهما إلّا لذات ما واتّصافهما بحقيقة الضرب والقعود، من دون مدخليّة لخصوصيّات الفاعل أو الفعل فيه.

فإذا جعلنا الأمر بالصلاة والنهي عن الغصب متعلّقين بمنشإ انتزاعهما نقول: لا مدخل في منشأ انتزاع الصلاة إلّا لمطلق الحركة بالهيئة الخاصّة المتلبّسة بقصد القربة من دون مدخلية للوقوع في دار الغير فيه، وكذا لا مدخل في منشأ انتزاع الغصب إلّا لمطلق الحركة في دار الغير بدون رضاه من دون مدخليّة للوقوع بالهيئة الخاصّة والتلبّس بنيّة القربة فيه، فيتعقّل هنا صرف وجود يكون منشأ لانتزاع الصلاة وهو متعلّق للأمر، وصرف وجود آخر يكون منشئا لانتزاع الغصب وهو متعلّق للنهي.

هذا خلاصة الكلام في حجّة المجوّز.

ومنه يظهر فساد ما قيل في حجّة المنع، وحاصله أنّ تعدّد العنوان في محلّ النزاع لا يوجب تعدّد المعنون، بل هو يتّحد حقيقة ووجودا من غير فرق بين القول بأصالة الماهيّة أو الوجود.

ووجه فساده هو أنّ الطلب كما عرفت ليس من الأعراض الخارجيّة كالبياض حتّى يقال بأنّه لا يمكن التكليف في عروضه بين حيثيّة دون اخرى لاندماج الحيثيّات واتّحادها في الخارج، بل هو من الأعراض التي يكون عروضها واتّصافها في الذهن، والتفكيك بين الحيثيّات في الذهن ممكن، فيقع الكلام حينئذ في أنّ لهذه الحيثيّات التحليليّة العقليّة واقعيّة في الخارج أولا، وقد أثبتنا الواقعيّة لها.

ثمّ إنّه قد استدلّ للجواز بوجوه أخر، منها أنّه لو امتنع اجتماع الوجوب والحرمة في واحد بوجهين لما وقع نظيره، وقد وقع في الشرع كما في العبادات المكروهة كالصلاة في الحمّام، والمستحبّة كالفريضة في المسجد، والمباحة كالصلاة في البيت، وذلك لأنّ الأحكام الخمسة متضادّة بأسرها.

ويمكن الجواب عنه على القول بالامتناع بأنّ الحال في تلك الموارد مختلفة؛ لأنّ الحكم المخالف للأمر العبادي فيها إمّا أن يكون متعلّقا بأمر خارج عن العبادة متّحد معها في الوجود أحيانا، كما في الصلاة في موضع التهمة؛ فإنّ النهي التنزيهي متعلّق بالكون في الموضع المذكور المتّحد مع الصلاة في الخارج أحيانا أو يكون متعلّقا بنفسها، وهذا على قسمين:

إمّا أن يكون في البين مندوحة وذلك بأن يكون الأمر العبادي متعلّقا بصرف الوجود، أولا يكون وذلك بأن يتعلّق الأمر العبادي بالوجود الساري الاستغراقي، فالأوّل كما في الصلاة في الحمام، فإنّ الصلاة خارج الحمّام بدل عن الصلاة فيه، والثاني كما في صوم يوم العاشوراء والنافلة المبتدأة عند طلوع الشمس؛ فإنّ الاستحباب فيها متعلّق بالطبيعة باعتبار الوجود الساري، فيكون صوم كلّ يوم ونافلة كلّ زمان مستحبّين على الاستقلال لا بما هما فردان للطبيعة، فلا يقع صوم غير يوم العاشوراء بدلا عن صومه ونافلة غير زمان الطلوع بدلا عن نافلته، بل هما مستحبّان مستقلان.

أمّا القسم الأوّل فلا إشكال فيه على القول بالجواز مطلقا، وأمّا على القول بالامتناع فينبغي التكلّم في حكم اجتماع الوجوب مع الكراهة، ويظهر منه وممّا تقدّم حكم غيره من باقي صور اجتماع حكمين تكليفيين في واحد بوجهين، فنقول على هذا القول هذه الصورة بعد اشتراكها مع الصورة السابقة في بقاء الملاكين وعدم التزاحم بين الجهتين أعني: المصلحة الوجوبيّة والحزازة هنا وفي عدم إمكان بقاء الأمر والنهي الفعليين بحالهما وعدم ورود التقييد على شي‏ء منهما يفرق بينهما بلزوم تقييد الأمر هناك مع بقاء ملاكه وهو المصلحة بحكم العقل، ولزوم تقييد الكراهة الفعليّة هنا مع بقاء ملاكها وهو الحزازة بحكمه أيضا.

وذلك لأنّ الصورتين وإن كانا مشتركين في ثبوت المندوحة من جانب الأمر وعدم ثبوتها من جانب النهي بمعنى كون الأمر لا مقتضى بالنسبة إلى الخصوصيّة وكون النهي مقتضى بالنسبة إليها، إلّا أنّ الاقتضاء من جانب النهي التحريمي شديد ملزم مانع من النقيض طارد للوجود، فيكون بضميمة ثبوت المندوحة من جانب الأمر مزاحما للأمر ومعاندا له ومقيّدا له وإن كان مصلحته أشدّ وأقوى.

وهذا بخلاف الاقتضاء في جانب النهي التنزيهي، فإنّه ليس بشديد بحيث يكون ملزما للترك ومانعا من النقيض طاردا للوجود، بل اقتضاؤه للترك مشوب بالترخيص في الفعل، فلهذا لا يزاحم الأمر ولا يعانده وإن كان فيه المندوحة، فإذا صار الأمر بلا مانع يلزم قهرا انعدام الكراهة الفعليّة من البين مع بقاء الحزازة، فيكون الصادر من المكلّف بناء على هذا عبادة مشتملة على الحزازة، فلهذا يكون‏ أقل ثوابا بالنسبة إلى الفرد الخالي عن تلك الحزازة.

فإن قلت: ينافي هذا الذي ذكرت من ارتفاع الكراهة الفعليّة من البين إطلاق المكروه على هذه العبادة.

قلت: حال الكراهة هاهنا حال الحليّة في الغنم، فكما أنّ حليّة الغنم حكم اقتضائي متعلّق بحيث الغنميّة لو خلّي وطبعه مع قطع النظر عن الطواري والحالات، بمعنى أنّ الغنم لو لوحظ في قبال الكلب والخنزير حكم الشارع بحليّته، فلهذا لا منافاة بينهما أصلا، وبين أن يكون الحكم الشرعي الفعلي للغنم بسبب العوارض حرمة أشدّ من حرمة الكلب والخنزير فكذا الكراهة هاهنا؛ فإنّ جعل الشارع حكم الكراهة في موضوع يكون على نحوين:

الأوّل: أن يكون حكما فعليّا ناظرا إلى جميع الأحوال والطواري.

والثاني: أن يكون حكما اقتضائيّا متعلّقا بالحيثيّة مع قطع النظر عن جميع الطواري، فهذا القسم لا منافاة أصلا بينها، وبين أن يكون الحكم الشرعي الفعلي لهذا الموضوع بسبب العوارض الخارجيّة هو الوجوب أو حكما آخر مضادّا للكراهة، ونظيره في الإخبارات قولنا: الرجل خير من المرأة، فإنّه إخبار عن خيريّة حيثية الرجل مع قطع النظر عن الطواري من حيثيّة المرأة كذلك، ولهذا تكون هذه القضيّة صادقة حتّى في مورد صارت المرأة بسبب الضمائم الخارجيّة خيرا من الرجل فعلا.

ومن هنا ظهر أنّ لفظ الكراهة في هذا المقام يكون بمعناه في سائر المقامات، غاية الأمر أنّ لازم اجتماع الحزازة مع ملاك الأمر أهليّة الثواب، لا أنّ للفقهاء في هذا المقام في هذا اللفظ اصطلاحا جديدا.

أمّا القسم الثاني فامتناع الاجتماع فيه غير مختص بالقول بالامتناع، بل هو ثابت على القول بالجواز أيضا؛ وذلك لما عرفت سابقا من خروج المطلق والمقيّد المفهوميين والمصداقيين عن محلّ النزاع، فلو تعلّق النهي بالمقيّد وجب تقييد المطلق وإن كان النهي تنزيهيّا.

وكيف كان فعلى القول بالجواز فمثل الصلاة في الحمام ممّا تعلّق النهي فيه ظاهرا بالمقيّد لا بالأمر الخارج كالكون في الحمام ولم يوجب ذلك تقييد في المطلق يلزم بحكم العقل إرجاع النهي المتعلّق به إلى التقيّد والخصوصيّة، والقول بأنّ نفس الصلاة في الحمّام مثلا لا نقص في مطلوبيتها أصلا، بل في إيقاع هذا المطلوب النفيس في الحمام ركاكة وحزازة نظير وضع الدر الثمين في الخزف، والتقيّد وإن كان ليس له في الخارج وجود على حده، إلّا أنّه في الذهن قابل للانفكاك عن الطبيعة، فحال هذا القسم عند المجوّز حال القسم السابق في محفوظيّة الأمر والنهي الفعليين، غاية الأمر أنّه اجتمع مورداهما هناك بحسب الصدق وهنا بحسب المورد دون الصدق، وأمّا على الامتناع فيمكن أن يكون النهي متعلّقا بالتقيّد واقتضائيّا يعني أنّ هذا التقيّد من حيث هو ولو خلّي والطبع مكروه، وهذا النهي لا يصير فعليّا لوجود المانع معه أبدا وأن يكون متعلّقا بالمقيّد وإرشاديّا للإرشاد إلى ما ليس فيه حزازة من سائر الأفراد.

وأمّا القسم الأخير فالحال فيه أشكل من سابقه، وذلك لما ادّعوا عليه الإجماع من كون الفعل في هذا القسم عبادة ومع ذلك يكون الترك أرجح كما يظهر من هذا ومنهم عليهم السلام عليه؛ فإنّ مقتضى الأوّل رجحان الفعل ومرجوحيّة الترك، ومقتضي الثاني العكس، وهذا محال حتّى عند المجوّز لوجهين، اتّحاد الوجه وعدم المندوحة، فيلزم التفصّي عليه أيضا.

وما يمكن أن يتفصّى به كلّ من المجوّز والمانع من هذا الإشكال أحد أمرين، الأوّل: أن يقال: إنّ للعبادة ضدّا لا يمكن الجمع بينه وبينها وهو ارجح منها، ولكن لمّا كانت عقولنا قاصرة عن إدراكه علّق الطلب المتعلّق به حقيقة إلى ترك العبادة ونسب إليه بالعرض والمجاز، نظير طلب ترك الحركة عند تعلّق الغرض بالسكون أو عكسه.

والحاصل أنّ الترك من حيث إنّه ترك العبادة مرجوح ولم يحدث فيه من قبل هذا القيد رجحان أصلا وإنّما نسب إليه الطلب بالعرض والمجاز وإلّا فهو متعلّق في‏ الحقيقة بذلك الضد، ثمّ إنّه ربّما يحتمل أن يكون هذا الضد منطبقا على الترك وأن يكون ملازما له، وأنت خبير بعدم معقوليّة الأوّل؛ لعدم تعقّل انطباق الوجودي على العدمي، فتعيّن أن يكون ملازما له.

والثاني أن يكون النهي إرشاديّا للإرشاد إلى أرجحيّة هذا الضدّ وللوصلة إلى درك ما فيه من الفضيلة الزائدة، وعلى هذا يكون النهي متعلّقا بالترك على الحقيقة، وعلى أيّ حال فيكون المقام من باب المزاحمة والدوران؛ إذ كما أنّ طلب شيئين لا يمكن الجمع بينهما- في زمان وجوبا- محال، فكذلك طلبهما استحبابا، فالأمر بالعبادة بواسطة مزاحمة الضدّ الأهمّ قد زال وبقي ملاكه، فلهذا لو أتى المكلّف فقد أتى بالعبادة؛ لكفاية الملاك في صحّتها، ولو تركها فقد أدرك الأهمّ.

فتحصّل من جميع ما ذكرنا أنّ الاستدلال بتلك العبادات لا يجدي للمجوّز شيئا لعدم كونه ملزما للخصم، وذلك لما عرفت من لزوم التفصّي على المانع خاصّة في بعض الأقسام، وعليه وعلى المجوّز أيضا في بعض آخر.

 




قواعد تقع في طريق استفادة الأحكام الشرعية الإلهية وهذه القواعد هي أحكام عامّة فقهية تجري في أبواب مختلفة، و موضوعاتها و إن كانت أخصّ من المسائل الأصوليّة إلاّ أنّها أعمّ من المسائل الفقهيّة. فهي كالبرزخ بين الأصول و الفقه، حيث إنّها إمّا تختص بعدّة من أبواب الفقه لا جميعها، كقاعدة الطهارة الجارية في أبواب الطهارة و النّجاسة فقط، و قاعدة لاتعاد الجارية في أبواب الصلاة فحسب، و قاعدة ما يضمن و ما لا يضمن الجارية في أبواب المعاملات بالمعنى الأخصّ دون غيرها; و إمّا مختصة بموضوعات معيّنة خارجية و إن عمّت أبواب الفقه كلّها، كقاعدتي لا ضرر و لا حرج; فإنّهما و إن كانتا تجريان في جلّ أبواب الفقه أو كلّها، إلاّ أنّهما تدوران حول موضوعات خاصة، و هي الموضوعات الضرريّة و الحرجية وبرزت القواعد في الكتب الفقهية الا ان الاعلام فيما بعد جعلوها في مصنفات خاصة بها، واشتهرت عند الفرق الاسلامية ايضاً، (واما المنطلق في تأسيس القواعد الفقهية لدى الشيعة ، فهو أن الأئمة عليهم السلام وضعوا أصولا كلية وأمروا الفقهاء بالتفريع عليها " علينا إلقاء الأصول وعليكم التفريع " ويعتبر هذا الامر واضحا في الآثار الفقهية الامامية ، وقد تزايد الاهتمام بجمع القواعد الفقهية واستخراجها من التراث الفقهي وصياغتها بصورة مستقلة في القرن الثامن الهجري ، عندما صنف الشهيد الأول قدس سره كتاب القواعد والفوائد وقد سبق الشهيد الأول في هذا المضمار الفقيه يحيى بن سعيد الحلي )


آخر مرحلة يصل اليها طالب العلوم الدينية بعد سنوات من الجد والاجتهاد ولا ينالها الا ذو حظ عظيم، فلا يكتفي الطالب بالتحصيل ما لم تكن ملكة الاجتهاد عنده، وقد عرفه العلماء بتعاريف مختلفة منها: (فهو في الاصطلاح تحصيل الحجة على الأحكام الشرعية الفرعية عن ملكة واستعداد ، والمراد من تحصيل الحجة أعم من اقامتها على اثبات الاحكام أو على اسقاطها ، وتقييد الاحكام بالفرعية لإخراج تحصيل الحجة على الاحكام الأصولية الاعتقادية ، كوجوب الاعتقاد بالمبدء تعالى وصفاته والاعتقاد بالنبوة والإمامة والمعاد ، فتحصيل الدليل على تلك الأحكام كما يتمكن منه غالب العامة ولو بأقل مراتبه لا يسمى اجتهادا في الاصطلاح) (فالاجتهاد المطلق هو ما يقتدر به على استنباط الاحكام الفعلية من أمارة معتبرة أو أصل معتبر عقلا أو نقلا في المورد التي لم يظفر فيها بها) وهذه المرتبة تؤهل الفقيه للافتاء ورجوع الناس اليه في الاحكام الفقهية، فهو يعتبر متخصص بشكل دقيق فيها يتوصل الى ما لا يمكن ان يتوصل اليه غيره.


احد اهم العلوم الدينية التي ظهرت بوادر تأسيسه منذ زمن النبي والائمة (عليهم السلام)، اذ تتوقف عليه مسائل جمة، فهو قانون الانسان المؤمن في الحياة، والذي يحوي الاحكام الالهية كلها، يقول العلامة الحلي : (وأفضل العلم بعد المعرفة بالله تعالى علم الفقه ، فإنّه الناظم لأُمور المعاش والمعاد ، وبه يتم كمال نوع الإنسان ، وهو الكاسب لكيفيّة شرع الله تعالى ، وبه يحصل المعرفة بأوامر الله تعالى ونواهيه الّتي هي سبب النجاة ، وبها يستحق الثواب ، فهو أفضل من غيره) وقال المقداد السيوري: (فان علم الفقه لا يخفى بلوغه الغاية شرفا وفضلا ، ولا يجهل احتياج الكل اليه وكفى بذلك نبلا) ومر هذا المعنى حسب الفترة الزمنية فـ(الفقه كان في الصدر الأول يستعمل في فهم أحكام الدين جميعها ، سواء كانت متعلقة بالإيمان والعقائد وما يتصل بها ، أم كانت أحكام الفروج والحدود والصلاة والصيام وبعد فترة تخصص استعماله فصار يعرف بأنه علم الأحكام من الصلاة والصيام والفروض والحدود وقد استقر تعريف الفقه - اصطلاحا كما يقول الشهيد - على ( العلم بالأحكام الشرعية العملية عن أدلتها التفصيلية لتحصيل السعادة الأخروية )) وتطور علم الفقه في المدرسة الشيعية تطوراً كبيراً اذ تعج المكتبات الدينية اليوم بمئات المصادر الفقهية وبأساليب مختلفة التنوع والعرض، كل ذلك خدمة لدين الاسلام وتراث الائمة الاطهار.


العتبة العلوية ... رفع راية (من كنت مولاه فهذا علي مولاه ) احتفاء بذكرى عيد الولاية عيد الغدير الأغر
غسل وتعطير حرم أبي الفضل العبّاس (عليه السلام)
قسم الهدايا والنذور في العتبة العلوية المقدسة يستعد لخدمة الزائرين في عيد الغدير الأغر
العتبة العلوية ... تواصل الاستعدادات في مختلف أرجاء مرقد أمير المؤمنين (ع) احتفاء بعيد الغدير الأغر عيد الله الأكبر