عبد الله بن
النضر التميمي ، عن جعفر بن محمد المكي ، عن عبد الله ابن إسحاق المدائني ، عن
محمد بن زياد ، عن مغيرة ، عن سفيان ، عن هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير قال
: كنا جلوسا في مجلس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله فتذاكرنا أعمال أهل
بدر وبيعة الرضوان ، فقال أبو الدرداء : يا قوم ألا اخبركم بأقل القوم مالا
وأكثرهم ورعا وأشدهم اجتهادا في العبادة؟ قالوا : من؟ قال : أمير المؤمنين علي ابن
أبي طالب عليه السلام ، قال : فوالله إن كان في جماعة أهل المجلس إلا معرض عنه
بوجهه ثم انتدب له رجل من الانصار فقال له : يا عويمر لقد تكلمت بكلمة ما وافقك
عليها أحد منذ أتيت بها ، فقال أبو الدرداء : يا قوم إني قائل ما رأيت وليقل كل
قوم منكم ما رأوا ، شهدت علي بن أبي طالب بشويحطات النجار ، وقد اعتزل عن مواليه واختفى
ممن يليه واستتر بمغيلات النخل ، فافتقدته وبعد على مكانه ، فقلت : لحق بمنزله ،
فاذا أنا بصوت حزين ونغمة شجي وهو يقول : « إلهي كم من موبقة حلمت عن مقابلتها
بنقمتك ، وكم من جريرة تكرمت عن كشفها بكرمك ، إلهي إن طال في عصيانك عمري وعظم في
الصحف ذنبي فما أنا مؤمل غير غفرانك ، ولا أنا براج غير رضوانك » فشغلني الصوت
واقتفيت الاثر ، فإذا هو علي بن أبي طالب عليه السلام بعينه ، فاستترت له وأخملت
الحركة ، فركع ركعات في جوف الليل الغابر ، ثم فرغ إلى الدعاء والبكاء والبث
والشكوى ، فكان مما به الله ناجاه أن قال : « إلهي أفكر في عفوك فتهون علي خطيئتي
، ثم أذكر العظيم من أخذك فتعظم علي بليتي » ثم قال : « آه إن أنا قرأت في الصحف
سيئة أنا ناسيها وأنت محصيها ، فتقول : خذوه ، فياله من مأخوذ لا تنجيه عشيرته ،
ولا تنفعه قبيلته ، يرحمه الملا إذا أذن فيه بالنداء » ثم قال : « آه من نار تنضج
الاكباد والكلى ، آه من نار نزاعة للشوى ، آه من غمرة من ملهبات لظى ».
قال : ثم أنعم
في البكاء فلم أسمع له حسا ولا حركة ، فقلت : غلب عليه النوم لطول السهر ، اوقظه
لصلاة الفجر ، قال أبوالدرداء : فأتيته فإذا هو كالخشبة الملقاة ، فحركته فلم
يتحرك ، وزويته فلم ينزو ، فقلت : « إنا لله وإنا إليه راجعون » مات والله علي بن
أبي طالب قال : فأتيت منزله مبادرا أنعاه إليهم ، فقالت فاطمة عليها السلام : يا
أبا الدرداء ما كان من شأنه ومن قصته؟ فأخبرتها الخبر ، فقالت : هي والله يا أبا
الدرداء الغشية التي تأخذه من خشية الله ، ثم أتوه بماء فنضحوه على وجهه فأفاق ،
ونظر إلي وأنا أبكي ، فقال : مما بكاؤك يا أبا الدرداء؟ فقلت : مما أراه تنزله
بنفسك ، فقال : يا أبا الدرداء فكيف ولو رأيتني ودعي بي إلى الحساب وأيقن أهل
الجرائم بالعذاب. واحتوشتني ملائكة غلاظ وزبانية فظاظ ، فوقفت بين يدي الملك
الجبار ، قد أسلمني الاحباء ورحمني أهل الدنيا ، لكنت أشد رحمة لي بين يدي من لا
تخفى عليه خافية ، فقال أبو الدرداء : فوالله ما رأيت ذلك لاحد من أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وآله.
المصدر : بحار الأنوار
المؤلف : العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
الجزء والصفحة : جزء 41 / صفحة [ 11 ]
تاريخ النشر : 2026-05-19