كتب التفسير/تفسير علي بن إبراهيم(تفسير القمي)/الامامة
«
يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك » قال : نزلت هذه الآية في علي « وإن لم
تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس » قال : نزلت هذه الآية في منصرف رسول
الله (ص) من حجة الوداع وحج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع لتمام عشر
حجج من مقدمه المدينة ، وكان من قوله بمنى أن حمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها
الناس اسمعوا قولي واعقلوه عني ، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا ، ثم
قال : هل تعلمون أي يوم أعظم حرمة؟ قال الناس : هذا اليوم ن قال : فأي شهر؟ قال
الناس : هذا ، قال صلى الله عليه وآله : وأي بلد أعظم حرمة؟ قال الناس : بلدنا
هذا، قال صلى الله عليه وآله : فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة
يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ، ألا
هل بلغت أيها الناس؟ قالوا : نعم ، قال : الله اشهد.
ثم قال صلى
الله عليه وآله : ألا وكل مأثره أو بدع كانت في الجاهلية أودم أو مال فإنها تحت
قدمي هاتين ، ليس أحد أكرم من أحد إلا بالتقوى ، ألا هل بلغت؟ قالوا : نعم ، قال :
اللهم اشهد ، ثم قال : ألا وكل ربا كان في الجاهلية فهو موضوع وأول موضوع منه ربا
العباس بن عبد المطلب ألا وكل دم كانت في الجاهلية فهو موضوع وأول موضوع منه دم
ربيعة ، ألا هل بلغت؟ قالوا : نعم ، قال : اللهم اشهد.
ثم قال : ألا
وإن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه ، ولكنه راض بما تحتقرون من أعمالكم ، ألا
وإنه إذا اطيع فقد عبد ، ألا يا أيا الناس إن المسلم أخو المسلم حقا ، ولا يحل لامريء
مسلم دم امرئ مسلم وماله إلا ما أعطاه بطينة نفس منه ، وإني امرت أن اقاتل الناس
حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها فقد عصوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها
وحسابهم على الله ، ألا هل بلغت بها الناس؟ قالوا : نعم ، قال : اللهم اشهد.
ثم قال : أيها
الناس احفظوا قولي تنتفعوا به بعدي وافقهوه تنتعشوا به بعدي ، ألا لا ترجعوا بعدي
كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف على الدنيا ، فإن أنتم فعلتم ذلك ولتفعلن
لتجدونني في كتبية بين جبرئيل وميكائيل أضرب وجوهكم بالسيف ، ثم التفت عن يمينه
وسكت ساعة ثم قال : إن شاء الله أو علي بن أبي طالب.
ثم قال : ألا
وإني قد تركت فيكم أمرين إن أخذتم بهما لن تضلوا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ،
فإنه قد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ، ألا فمن اعتصم
بهما فقد نجا ومن خالفهما فقد هلك ، ألا هل بلغت؟ قالوا : نعم ، قال : اللهم اشهد
، ثم قال : ألا وإنه سيرد علي الحوض منكم رجال فيدفعون عني ، فأقول : رب أصحابي! ،
فيقال : يا محمد إنهم أحدثوا بعدك وغيروا سنتك ، فأقول : سحقا سحقا.
فلما كان آخر
يوم من أيام التشريق أنزل الله تعالى « إذا جاء نصر الله والفتح » فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : نعيت
إلي نفسي ، ثم نادى : الصلاة جامعة في مسجد الخيف ، فاجتمع الناس وحمد الله وأثنى
عليه ثم قال : نضر الله امرء سمع مقالتي فوعاها وبلغها لمن لم يسمعها ، فرب حامل
فقه غير فقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ
مسلم : إخلاص العمل لله ، والنصيحة لائمة المسلمين ، ولزوم جماعتهم ، فإن دعوتهم
محيطة من ورائهم ، المؤمنون إخوة تتكافأ دماؤهم ، يسعى بذمتهم أدناهم ، وهم يد على
من سواهم ، أيها الناس إني تارك فيكم الثقلين ، قالوا : يا رسول الله وما الثقلان؟
فقال : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، فإنه قد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا
حتى يردا علي الحوض كإصبعي هاتين ـ وجمع بين سبابتيه ـ ولا أقول كهاتين ـ وجمع بين
سبابته والوسطى ـ فتفضل هذه على هذه.
فاجتمع قوم من
أصحابه وقالو : يريد محمد صلى الله عليه وآله أن يجعل الامامة في أهل بيته ، فخرج
منهم أربعة نفر إلى مكة ودخلوا الكعبة وتعاهدوا وتعاقدوا وكتبوا فيما بينهم كتابا
إن أمات الله محمدا أو قتله أن لا يردوا هذا الامر في أهل بيته أبدا ، فأنزل الله تعالى
على نبيه في ذلك « أم أبرموا فإنا مبرمون أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى
ورسلنا لديهم يكتبون » فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله من مكة يريد المدينة
حتى نزل منزلا يقال له : غدير خم ، وقد علم الناس مناسكهم وأوعز إليهم وصيته إذا نزل
عليه هذه الآية « يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك وإن لم يفعل فما بلغت رسالته
والله يعصمك من الناس » فقام رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : تهديد ووعيد
، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس هل تعلمون من وليكم؟ قالوا : نعم الله
ورسوله ، قال : ألستم تعلمون أني أولى بكم منكم بأنفسكم ؟ قالوا : بلى ، قال :
اللهم اشهد ، فأعاد ذلك عليهم ثلاثا في كل ذلك يقول مثل قوله الاول ويقول الناس
كذلك ويقول : اللهم اشهد ، ثم أخذ بيد أمير المؤمنين صلوات الله عليه فرفعها حتى
بدا للناس بياض إبطيهما ، ثم قال صلى الله عليه وآله : ألا من كنت مولاه فهذا
علي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله
، وأحب من أحبه ، ثم قال : اللهم اشهد عليهم وأنا من الشاهدين.
فاستفهمه عمر
بين أصحابه فقال : يا رسول الله هذا من الله أو من رسوله؟ فقال رسول الله صلى
الله عليه وآله : نعم من الله ومن رسوله ، إنه أمير المؤمنين ، إمام المتقين ،
وقائد الغر المحجلين ، يقعده الله يوم القيامة على الصراط فيدخل أولياءه الجنة
وأعداءه الناء ، فقال أصحابه الذين ارتدوا بعده : قد قال محمد صلى الله عليه
وآله في المسجد الخيف ما قال وقال ههنا ما قال ، وإن رجع إلى المدينة يأخذنا
بالبيعة له ، فاجتمعوا أربعة عشر نفرا وتآمروا على قتل رسول الله صلى الله وآله
وسلم وقعدوا له في العقبة ، وهي عقبة أرشى بين الجحفة والابواء ، فقعدوا سبعة عن
يمين العقبة وسبعة عن يسارها لينفروا ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله ، فلما
جن الليل تقدم رسول الله صلى الله عليه وآله في تلك الليلة العسكر ، فأقبل ينعس
على ناقته ، فلما دنا من العقبة ناداه جبرئيل : يا محمد إن فلانا وفلانا وفلانا قد
قعدوا لك ، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : من هذا خلفي؟ فقال حذيفة بن
اليمان : أنا حذيفة بن اليمان يا رسول الله، قال : سمعت ما سمعت؟ قال : بلى ، قال
: فاكتم ، ثم دنا رسول الله صلى الله عليه وآله منهم فناداهم بأسمائهم ، فلما
سمعوا نداء رسول الله فروا ودخلوا في غمار الناس ، وقد كانوا عقلوا رواحلهم
فتركوها ، ولحق الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وطلبوهم ، وانتهى رسول
الله صلى الله عليه وآله إلى رواحلهم فعرفها ، فلما نزل قال : ما بال أقوام
تحالفوا في الكعبة إن أمات الله محمدا أو قتله أن لا يردوا هذا الامر في أهل بيته
أبدا؟ فجاؤا إلى رسول الله فحلفوا أنهم لم يقولوا من ذلك شيئا ولم يريدوه ولم
يهموا بشيء من رسول الله صلى الله عليه وآله! فأنزل الله « يحلفون بالله ما
قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا » من قتل
رسول الله صلى الله عليه وآله « وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله
فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة
ومالهم في الارض من ولي ولا نصير » فرجع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى
المدينة وبقي بها المحرم والنصف من صفر لا يشتكي شيئا ، ثم ابتدأ به الوجع الذي
توفي فيه صلى الله عليه وآله.
المصدر : بحار الأنوار
المؤلف : العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
الجزء والصفحة : جزء 37 / صفحة [ 146 ]
تاريخ النشر : 2026-02-05