

القانون العام

القانون الدستوري و النظم السياسية


القانون الاداري و القضاء الاداري

القانون الاداري

القضاء الاداري

القانون المالي


المجموعة الجنائية


قانون العقوبات

قانون العقوبات العام

قانون العقوبات الخاص

قانون اصول المحاكمات الجزائية

الطب العدلي

التحقيق الجنائي


القانون الدولي العام و المنظمات الدولية

القانون الدولي العام

المنظمات الدولية


القانون الخاص

قانون التنفيذ

القانون المدني


قانون المرافعات و الاثبات

قانون المرافعات

قانون الاثبات

قانون العمل

القانون الدولي الخاص

قانون الاحوال الشخصية


المجموعة التجارية

القانون التجاري

الاوراق التجارية

قانون الشركات


علوم قانونية أخرى

علم الاجرام و العقاب

تاريخ القانون

المتون القانونية
تمييز اختلال التوازن المعرفي مما يشتبه به
المؤلف:
صبا علي داود
المصدر:
اختلال التوازن المعرفي في عقود الاستهلاك في مرحلة تنفيذ العقد
الجزء والصفحة:
ص 15-21
2026-05-04
40
من خلال الاحاطة بفكرة اختلال التوازن المعرفي ، يتضح جلياً ان اساس هذا الاختلال هو عدم المساواة في العلم والمعرفة بين الطرفين ، مما يترتب عليه عدم تحقيق التكافؤ بين الاداءات نتيجة لذلك، فيؤدي ذلك الى اختلال العدالة العقدية في مرحلتي أبرام العقد وتنفيذه التي يسعى المشرع الى تحقيقها ، وبذلك يتضح ان هذه الفكرة تتفق مع التوازن الارادي والتوازن الاقتصادي حيث ان لكل منهما تطبيقاً من تطبيقات العدالة العقدية ، حيث ان العدالة في اطار المعاملات يقتضي لتحقيقها أن يتساوى طرفا العلاقة العقدية في الحقوق والالتزامات ، وان لا يتخلل هذه العلاقة تفاوت بين الاداءات ، مع ذلك لا يمنع ان تكون هنالك بعض الاختلافات بينهما ولبيان ذلك سوف نقسم هذا الفرع على فقرتين : اولاً - تمييز إختلال التوازن المعرفي عن التوازن الارادي .
ثانياً - تمييز إختلال التوازن المعرفي عن التوازن الاقتصادي :-
أولاً : - تمييز إختلال التوازن المعرفي من إختلال التوازن الإرادي :-
يتحقق التوازن العقدي بين مصالح الاطراف في اطار العلاقات التعاقدية بحصول كل طرف على المنفعة التي يصبو اليها ، وتكون متناسبة مع الاداء المطلوب منه القيام به، يقتضي لتحقيقه المساواة بين مراكز الاطراف من حيث الحرية والمعرفة ، فقد تكون مصالح الاطراف غير متساوية كما لو شاب ارادة احد الطرفين عيب من عيوب الارادة التقليدية الاكراه او الغلط او التغرير مع الغبن الفاحش او الاستغلال مما يحول بذلك دون تحقيق التوازن العقدي بينهما ، فقد تكون مصالح الاطراف غير متساوية أيضاً بسبب نقص الخبرة والمعرفة بصدد المعلومات والبيانات الخاصة بالمنتجات والخدمات المقدمة للاستهلاك وخاصة في ضوء التطور الذي شهده العالم في كافة المجالات ، وما ترتب عليه من ظهور انماط جديدة من السلع والخدمات ذات تركيب فني معقد ، يصعب معها على المستهلكين وحدهم الالمام بتفاصيلها مقارنة مع منتجيها أو مقدميها أو بائعيها يملكون بصددها مقومات العلم والمعرفة كافة نتيجة مزاولة نشاطهم على سبيل الانتظام والاستمرار (1) ، ومن ثم فأن انعدام التوازن الارادي او المعرفي بين مراكز الاطراف يشكلان بذلك سبباً في إختلال التوازان العقدي ، و تكون المنفعة التي يحصل عليها المتعاقد لا تتناسب مع الاداء المقابل، أي ان احد الطرفين المتعاقدين يأخذ اكثر مما يعطيه للمتعاقد الآخر ، على نحو لا تتحقق معه العدالة العقدية ، ومن ثم لا يمكن ان يوصف العقد بأنه عادل نافع (2) ، وقد يوجد تشابه بين المصطلحين من حيث الأثر المترتب على العلاقة العقدية ، الا انه يجب يجب التميز بينهما ، فهنالك فروق بين الاختلال التوازن المعرفي والتوازن الارادي تتمثل بالآتي :-
1- من حيث الأساس :-
عرف البعض التوازن الارادي بأنه (( تطابق الارادتين المتعاقدتين على ماهية العقد وموضوعه وما يثير تطبيقه من اوضاع كتلك المتعلقة بتسليم المبيع ودفع الثمن وما يتضمنه العقد من شروط كتلك المتعلقة بالاعفاء او التخفيف من المسؤولية )) (3) نستنتج من خلال هذا التعريف ان الاساس الذي يقوم عليه التوازن الارادي هو التراضي ، ويراد منه اطلاق ارادة الطرفين المتعاقدين في تحديد محتوى العقد وترتيب آثاره بمستوى واحد من حيث حرية الارادة ، فلكل من الطرفين المتعاقدين الحرية في التعاقد من عدمه ، كذلك لهما كامل الحرية في تحديد الالتزامات والشروط في جو يسوده المفاوضة والمناقشة ، وحرصاً كل منهم على تحقيق مصالحهم فأنهم يرتضون لأنفسهم أفضل ما يكون من الشروط ، مما يحقق للعقد توازن ذاتي ارادي ، بوصف ارادة الاشخاص حرة فلا تتجه الا ما يحقق مصالحها ، فهم الذين يصنعون عدالتهم بأنفسهم فكل ما ينتج عنها يكون متوازناً عادلاً، لذا فأن قوام هذا التوازن هو الارادة الحرة للاطراف المتعاقدين (4) ، بينما التوازن المعرفي يراد به أن يكون طرفا العلاقة العقدية على مستوى واحد من حيث العلم والمعرفة ، وان كان بشكل نسبي مما يساعد على تحقيق التوازن العقدي بين الحقوق والالتزامات (5) وبذلك نستنتج ان اساس التوازن المعرفي هو التكافؤ في العلم المبني على التقارب في امتلاكهم المعلومات والبيانات بصدد السلعة أو الخدمة المتعاقد بشأنها ومن مفهوم المخالفة فأن التباين في المعرفة وعدم المساواة بين الطرفين بصدد المعلومات والبيانات المتعلقة بالمحل المتعاقد عليه ، يؤدي الى ظهور علاقة عقدية غير متوازنة بين الحقوق والالتزامات ، نتيجة اختلال الجانب الموضوعي المعرفي ، مما يحول دون تحقيق العدالة العقدية ، ومن ثم فأن اختلال التوازن المعرفي ذو طابع موضوعي يتم تقديره بصدد كل علاقة عقدية على حدى .
2- من حيث النطاق :-
لما كانت الارادة الحرة المشتركة للاطراف هي الاساس الجوهري للتوازن الارادي ، لضمان تحقيق مصالحهم بحصول كل طرف على منفعة تتناسب مع الاداء المقابل ، الا ان هذه المصالح قد تكون غير متوازنة نتيجة اسباب عدة ، كما لو شاب ارادة أحد الطرفين المتعاقدين عيب ذو طابع شخصي ، ومن الاسباب الشائعة لاختلال التوازن الارادي أن يقدم طرف على تعاقد غير عادل تحت تأثير الاكراه الاقتصادي، بمعنى أن يكون أحد الطرفين المتعاقدين يتمتع بمركز إقتصادي قوي نتيجة احتكاره سلعة او خدمة من ضروريات الحياة ، ومن ثم بالتالي يستغل من وضع تبعية الآخر في فرض ارادته وتضمين عقده شروط مجحفة ، فلا يكون امامه الا اختيار التعاقد او رفضه وليس له الحرية لتحديد مضمون العقد بإرادة حرة مشتركة مع أرادة الطرف القوي ، تنحصر ارادته فقط بحرية قبول العقد بشكل كامل (6)
لم يتضمن القانون المدني العراقي وكذلك الحال بالنسبة الى القانون المدني المصري ضمن ثناياه نصوص صريحة تعالج الاكراه الاقتصادي، مع ذلك ذهب جانب من الفقه الى ان القول ان المشرع العراقي عند تعريفه للاكراه بموجب المادة (112) التي نصت بالقول " الاكراه هو أجبار الشخص بغير حق على ان يعمل عملا دون رضاه " ، جاء بعبارة من يعمل عمل ، والعمل يشمل التصرفات القولية والفعلية فضلاً عن الى تضمنه العنصر الاساس للاكراه الاقتصادي الا وهو الاجبار الذي يتحقق بممارسة احد المتعاقدين ضغط غير مشروع على المتعاقد الآخر لحمله على قبول طلباته اما لتعديل بعض شروط العقد الحالية واضافة شروط جديدة او ابرام عقد جديد ، نتيجة عدم المساواة بالقوة التفاوضية من خلال استخدام المهني لقوته الاقتصادية واستغلال الرهبة التي تولدت لدى المتعاقد الضعيف (7) ، ومن ثم يمكن ان تكون مادة (112) مدني عراقي ومادة (127) مدني مصري مجالاً للأعمال (8) اما فيما يتعلق بموقف المشرع الفرنسي فقد نص الى عيب الاكراه الاقتصادي كأحدى العيوب التي تصيب الارادة ذهبت المادة (1143) من قانون العقود الفرنسي لسنة 2018 بالقول يتحقق الاكراه أيضاً عندما يحصل أحد الأطراف باستغلال حالة التبعية التي يوجد فيها المتعاقد الآخر على تعهد منه ما كان ليضع توقيعه لو لا وجود الاجبار ويجني من ذلك منفعة فاحشة بشكل جلي " والجدير بالذكر من العيوب الاخرى التي تصيب ارادة المتعاقد وتكون سبب في اختلال التوازن الارادي الغلط ، هو ما يقع به المتعاقد و ناتج عن تصور غير واقع لحقيقة الشيء مما يحمله على التعاقد (9) وغيرها من العيوب الاخرى ، بذلك نستنتج بأن الارادة الحرة السليمة التي تشكل ركن الرضا هي الاساس لهذا التوازن ، و يكون نطاقه أوسع من اختلال التوازن المعرفي الذي ينحصر نطاقه فقط في اطار العقود التي تلعب بها البيانات والمعلومات أهمية اساسية بالنسبة للمستهلك .
3- من حيث آلية المعالجة :-
لما كان التوازن الارادي يختل بسبب عيب ذي طابع شخصي يصيب ارادة أحد الطرفين المتعاقدين ، فنجد أغلب القواعد العامة في القانون المدني تعطي للمتعاقد الذي شاب أرادته أحدى عيوب الرضا حق بنقض العقد وهذا ما ذهب اليه المشرع العراقي فقد أعطى للمتعاقد الذي شاب ارادته عيب الارادة تغرير مع الغبن خياراً اما اجازة العقد فيتحول بذلك الى عقد اما نقض العقد صحيح وبأثر رجعي والتحلل منه نصت بذلك المادة (121) من القانون المدني العراقي بقولها " اذا غرر المتعاقدين بالاخر وتحقق في العقد غبنا فاحشاً كان العقد موقوفاً على اجازة العاقد المغبون وذهب بصدد عيب الاكراه بعدم نفاذ العقد اذ نصت المادة ( 115) من القانون المدني بالقول " من اكره اكراها بأحد نوعي الاكراه على ابرام العقد لا ينفذ عقده " اما فيما يتعلق بموقف المشرع المصري فقد اعطى للمتعاقد الذي شاب ارادته عيب الاكراه حق بأبطال العقد احتراماً للارادة الحقيقية وهذا ما ذهبت اليه مادة ( 128) مدني المصري بقولها " يجوز ابطال العقد للاكراه اذا تعاقد شخص تحت سلطان رهبة بعثها المتعاقد الآخر في نفسه دون حق .. واعطى للمتعاقد الذي شاب ارادته عيب التدليس طلب ابطال العقد وهذا ما ذهبت اليه مادة (125) مدني مصري بقولها " يجوز ابطال العقد للتدليس اذا كانت الحيل التي لجأ اليها احد المتعاقدين أو نائب عنه من الجسامة بحيث لولاها لما ابرم الطرف الثاني العقد " اما فيما يتعلق بموقف المشرع الفرنسي فقد ذهب الى اعطاء المتعاقد الذي شاب ارادته عيب الاكراه حق بأبطال العقد وهذا ما نصت عليه المادة (1142) من قانون المدني الفرنسي بقولها "يعتبر الإكراه الاقتصادي سبباً للبطلان سواء تمت ممارسته من قبل الطرف الآخر أو الغير" بينما نجد آلية معالجة التفاوت في مستوى العلم والمعرفة بين الطرفين حظيت بحماية خاصه من قبل تشريعات الدول محل في المقارنة ان بظهور قواعد تشريعية خاصة سميت بقواعد حماية المستهلك سعياً من وراء ذلك الى حماية الطرف الاقل خبرة ودراية ومن خلال النص على جملة من الالتزامات والحقوق ومن أهمها الالتزام المهني بالأعلام للمستهلك بجميع البيانات الجوهرية عن المنتجات بهدف اعادة المساواة في العلم والمعرفة بين الطرفين للمحافظة على العقد قدر الامكان ، حيث ذهبت المادة (6 ) من قانون حماية المستهلك العراقي رقم 1 لسنة 2010 بالقول " المستهلك الحق في الحصول على المعلومات اولاً جميع المعلومات المتعلقة بحماية حقوقه ومصالحه مشروعة وثانياً المعلومات الكاملة عن مواصفات السلع والتعرف على الطرق السليمة لأستعمالها .." ، والمادة (4) من قانون حماية المستهلك المصري رقم 181 لسنة 2018 بتقرير هذ الالتزام والبيانات الواجب الاعلام عنها اذ نصت بالقول " يلتزم المورد بإعلام المستهلك بجميع البيانات الجوهرية عن المنتجات ، وعلى الأخص مصدر المنتج وثمنه وصفاته وخصائصه الاساسية وأي بيانات اخرى " .
ثانياً : تمييز اختلال التوازن المعرفي عن اختلال التوازن الاقتصادي :-
يعد التوازن العقدي بين الحقوق والالتزامات الطرفي العلاقة العقدية من أهم الدعائم لتحقيق العدالة العقدية ، غير ان هذا التوازن يختل مما يحول دون تحقيقها لأسباب منها أن يكون أحد الطرفين في مركز اقتصادي قوي ناتج عن احتكاره سلعة أو خدمة تعد من ضروريات الحياة التي لا غنى عنها بما يمكنه أمتلاك قدرة تفاوضية عالية بصدد التعاملات ، بينما الطرف المتعاقد الآخر ضعيف اقتصادياً لا يتمتع بمركز أقتصادي قوي، مما يعكس بذلك تفاوتاً شديداً بين الطرفين في القدرات الاقتصادية وذلك ما يسمى بأختلال التوازن الإقتصادي (10).
لا يقتصر اختلال المراكز العقدية بين الاطراف على التفاوت في المقدرات الاقتصادية فقد يكون اختلال بين مراكز الاطراف في المقدرات المعرفية بصدد البيانات والمعلومات الجوهرية الخاصة بالسلع والخدمات المقدمة للاستهلاك ، ولا سيما في ضوء التطور التكنولوجي والاقتصادي وما ترتب عليه من ظهور كم هائل من السلع والخدمات ذات خصائص فنية معقدة يصعب على المستهلك بمفرده ان يكون
ملماً وعالماً بالمعلومات التي تخصها كافة ، في مقابل مقدمي هذه السلع والخدمات الذين بحوزتهم المعلومات والبيانات التي تخصها كافة ومدى اهميتها بالنسبة للمستهلك بحكم تخصصهم في مزاولة نشاطهم ، مما يعكس بذلك تفاوت بين الطرفين في المقدرات المعرفية (11) ، ان هذا التفاوت بين مراكز الاطراف من ناحيه الاقتصادية والمعرفية من شأنه أن يؤدي الى انعدام التناسب بين اداءات الاطراف مما يحول بذلك دون تحقيق العدالة العقدية ، بالرغم من وضوح هذين المفهومين من حيث ان كليهما يشكلان تطبيقاً من تطبيقات العدالة العقدية وان تخلفهما يحول دون تحقيقها الا ان قد يوجد نوع من الخلط بينهما من حيث أن عدم التوازن الاقتصادي يمكن ان يحتوي على عدم التوازن المعرفي فيكونان وحدة واحدة يجمعها عدم التوازن الاقتصادي ، الا انه يمكن الرد على ذلك بأن كليهما مفهوم مستقل عن الآخر من حيث نطاقه وآلية المعالجة يشكلان اوجه الخلاف بينهما :-
1 - من حيث النطاق :-
يقصد بالاختلال في التوازن الاقتصادي بأنه عدم التناسب الظاهر في المراكز الاقتصادية بين اطراف العقد ، حيث أن أحدهما طرف قوي يتمتع بمركز اقتصادي عالي وطرف آخر ضعیف اقتصادياً ، مما يؤدي الى تفاوت فلاح بين حقوق التزامات الاطراف (12) ، وبذلك نستنتج ان إختلال التوازن الاقتصادي يكمن في وجود طرفين أحدهما يتمتع بمقدرة اقتصادية عالية ناتجه عن الاحتكار والتخصص بتقديم سلعة أو خدمة ما سواء كانت طبية أو غذائية أو تكنولوجية ، و يجد هذا الاحتكار مصدره أما بنصوص القانون كشركات توريد الماء والكهرباء أو ان يكون هذا الاحتكار فعلياً ناتجاً عن الممارسة والتخصص في انتاج او بيع سلعة أو تقديم خدمة ما على سبيل الانتظام والاستمرار وتظهر أمثلته في مجال التأمين بشتى أنواعه والنقل البحري ، في مقابل الطرف الآخر الذي يكون ضعيفاً اقتصادياً لا يملك ما يملكه الطرف الآخر ، مما يؤدي بذلك الى سيطرة الطرف الأقوى بتحديد محتوى العقد على الوجه الذي يخدم تحقيق مصالحه وأهدافه دون النظر الى مصالح الطرف الضعيف ، وأن ضعف المستهلك الاقتصادي وحاجته الى اقتناء هذه السلعة او الخدمة تجعله يخضع لسيطرة الطرف الاقوى فيضطر الى التعاقد معه ، مما يؤدي الى اختلال موازين القوة الاقتصادية بين الطرفين (13) .
ذهب جانب من الفقه ان اختلال موازين القوة الاقتصادية بين الاطراف لا يقتصر على اسباب ارادية بحتة حيث قد يختل نتيجة اسباب غير ارادية خارجة عن ارادة كل منهما ، وذلك عندما تتغير الظروف الاقتصادية التي أبرم في ظلها العقد ، بسبب حدوث ظروف طارئة عامة لم تكن في حسبان المتعاقدين عند ابرامه على النحو الذي يجعل تنفيذ المدين لإلتزامه وان كان ممكناً الا انه مر رهقا يهدده بخسارة فادحة ، وفي حين ان الطرف الدائن له بالالتزام لا تتأثر موارده المالية بهذا الظرف الطارئ ، مما يؤدي الى تحقق اختلال التوازنات الاقتصادية للعقد لدرجة ان التزامات المدين لا تمثل اي مقابل لما يقدمه الدائن بمناسبته ، وقد أشارت محكمة النقض الفرنسية في حكمها الى ذلك بقولها " يؤثر التغير في الظروف تغيراً خطراً على التناسب بين الالتزامات المتبادلة " (14) ، بينما نجد إختلال التوازن المعرفي لا يتعلق بالناحية الاقتصادية وانما تفاوت في المعرفة قائم على أساس انعدام المساواة بصدد المعلومات والبيانات بشأن المحل المتعاقد عليه ، حيث ان احدهما يملك الخبرة والدراية والطرف الآخر يفتقر لها ، اي عدم المساواة في المعرفة تتعلق بشخص طرف في التعاقد (15) ، وهكذا نستنتج ان اختلال التوازن الاقتصادي مفهوم ذو نطاق أوسع يتمثل في اختلال التكافؤ في المقدرات الاقتصادية للاطراف واختلال التوازن المادي المالي بين التزامات الاطراف في عدم التعادل بين القيمة المالية للمنفعة التي يحصل عليها المتعاقد والمقابل الذي قدمه بمناسبتها .
2 - من حيث آلية المعالجة :-
ان اختلال التوازن الاقتصادي بمفهوم عدم التكافؤ بين المقدرات الاقتصادية بوجود طرف يتمتع بمركز اقتصادي قوي وطرف ضعيف لا يملك ما يملكه الطرف المقابل له ، يقود الى أن يندفع الطرف الأقوى الى تحديد محتوى العقد ، كما بينا آنفاً ، مستغلاً نفوذه وسيطرته على السوق فارضاً شروطه على وجه لا يقبل التفاوض بشأنها وغالباً ما تكون تعسفية يهدف من وراء ذلك حصول على أرباح هائلة على حساب المستهلك ، مما يؤدي بذلك الى اتصاف هذه العقود بطابع الاذعان لتوافر شروطها ، وبغية حماية المستهلك الطرف الضعيف أعطى المشرع للمحكمة بموجب المادة (167) من القانون المدني العراقي سلطة تعديل هذه الشروط او اعفاء الطرف المذعن منها التي ذهبت بالقول "اذا تم العقد بطرق الاذعان وكان قد تضمن شروطاً تعسفيه ، جاز للمحكمة أن تعدل هذه الشروط أو تعفي الطرف المذعن منها وذلك وفقاً لما تقضي به العدالة ويقع باطلاً كل اتفاق على خلاف ذلك " واعطى ايضاً حماية اخرى للطرف المذعن بموجب قاعدة عامة نص عليها بموجب المادة 166 من القانون المدني " يفسر الشك في مصلحة المدين " ، أما فيما يتعلق بموقف المشرع المصري اذ ذهب الى اعطاء ذات السلطة للمحكمة بموجب المادة (149) من القانون المدني نصت بالقول " اذا تم العقد بطرق الإذعان وكان قد تضمن شروطاً تعسفية ، جاز للقاضي أن يعدل هذه الشروط او ان يعفي الطرف المذعن منها .." ، أما المشرع الفرنسي فقد ذهب أبعد من ذلك نص على أنه في حالة وجود اي بند في العقد من شأنه ان يؤدي خلل في التعادل بين الاداءات كأنه لم يكن بهدف حماية المستهلك ، وهذا ما ذهبت اليه المادة (1171) من التعديل الاخير للقانون المدني الفرنسي الصادر 2016/2/10 بقولها " ويعد كأن لم يكن كل بند في عقد الاذعان يسبب اختلالاً كبيراً في التوازن بين حقوق والالتزامات اطراف العقد.."
ان موقف المشرع الفرنسي بوصف كل بند يدرجه الطرف الأقوى من شأنه ان يؤدي الى اختلال التناسب بين اداءات الاطراف اجدر بالترجيح ، وذلك لمنع المحكمة من التحكم بتوازنات العقد ، وعدم اعطاء فرصة للطرف القوي للانفراد في التحكم بالعقد وتحديد بنوده مادام يعلم بالجزاء المترتب على ذلك ، في حين أن الضعف المعرفي الذي يعاني منه المستهلك ويجعله يقدم على ابرام العقد وهو جاهل غیر ملم بصورة كافية بحقيقة التصرف المقدم عليه ، وبهدف حمايته كما بينا الزمت المادة (6) من قانون حماية المستهلك العراقي رقم السنة 2010 والمادة (4) من قانون حماية المستهلك المصري رقم 181 لسنة 2018 والمادة (1/111 ) من قانون حماية المستهلك الفرنسي رقم 92 - 960 لسنة 1992 ألمهني بأعلام المستهلك بكافة المعلومات بشأن المحل المتعاقد عليه مادام هذا الأخير يجهل فعلاً هذه المعلومات ، ولا تقتصر هذه الحماية فقط عند ابرام العقد بل تمتد أيضاً الى مرحله تنفيذه ....
____________
1- د . ابراهيم عبد العزيز داود ، عدم التوازن المعرفي في العقود ، دار الجامعة الجديدة الإسكندرية 2014 ، ص 24
2- منصور حاتم محسن ، العدالة العقدية ، بحث منشور في مجلة جامعة بابل ، المجلد 25 ، العدد 6 ، السنة 2017 ، ص 2586
3- د. مصطفى محمد جمال ، السعي الى التعاقد ، ط1 ، منشورات الحلبي الحقوقية ، 2001 ، ص 29 .
4- درماش بن عزيز، التوازن العقدي، أطروحة دكتوراه، جامعة ابي بكر بلقايد ، كلية الحقوق ، الجزائر ، السنة 2013 - 2014، ص 43 .
5- د . حسين عبد القادر معروف ، أثر جانحة كورونا في اختلال التوازن العقدي في الايجار وآليات معالجته ، بحث منشور في وقائع المؤتمر الدولي الأول الجائحة سؤال الازمة ومنطق الحل ما بعد الفرضية ، كلية الامام كاظم ، السنة 2020 ، ص 212 .
6- د. علاء احمد صبح ، أثر الاكراه الاقتصادي على التوازن العقدي، بحث منشور في مجلة جامعة دمياط ، العدد 3 ، السنة 2021 ، ص 665 .
7- كاظم كريم علي ، الاكراه الاقتصادي واثره على العقد في القانونين الانكليزي والعراقي ، بحث منشور في مجلة العلوم القانونية ، كلية القانون ، جامعة بغداد ، العدد الثاني ، السنة 2019 ، ص 295 .
8- نصت المادة 127 مدني بالقول " -1- يجوز ابطال العقد للإكراه إذا تعاقد شخص تحت سلطان رهبة بعثها المتعاقد الآخر في نفسه دون الحق ... .
9- د . عبد المجيد الحكيم و د. عبد الباقي البكري و د. محمد طه بشير ، الوجيز في نظرية الالتزام في القانون المدني العراقي ، مكتبة العاتك ، بغداد ، ج 1 ، السنة 1980 ، ص 80 .
10- عبد الأمير جفات كروان ، اختلال التوازن المالي في تكوين عقد المعاوضة وأثره في القوة الملزمة ، بحث منشور في مجلة جامعة بابل للعلوم الأنسانية ، المجلد 26 ، العدد 5 ، السنة 2018 ، ص 291 .
11- د. آمانج رحيم احمد ، حماية المستهلك في نطاق العقد ، ط 1 ، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر ، لبنان ،2010 ، ص 169 .
12- ره نج آزاد محمد سعيد ، حكم الشروط التعسفية في عقد الاستهلاك ، ط1 ، مركز الدراسات العربية ، السنة 2022 ، ص 17.
13- د. محمد حسين عبد العال ، مفهوم الطرف الضعيف في الرابطة العقدية، دار النهضة العربية ، القاهرة ، السنة 2007 ، ص 73.
14- قرار محكمة النقض الفرنسية المؤرخ 2004/3/16 نقلاً عن محمد محسن على ، الالتزام بإعادة التفاوض في عقود النفط ، دار الجامعة الجديدة ، الاسكندرية ، السنة 2019 ، ص 264 .
15- د. ابراهيم عبد العزيز داود ، عدم التوازن المعرفي في العقود ، دار الجامعة الجديدة الإسكندرية 2014 ، ص 28.
الاكثر قراءة في القانون المدني
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)