

تأملات قرآنية

مصطلحات قرآنية

هل تعلم


علوم القرآن

أسباب النزول


التفسير والمفسرون


التفسير

مفهوم التفسير

التفسير الموضوعي

التأويل


مناهج التفسير

منهج تفسير القرآن بالقرآن

منهج التفسير الفقهي

منهج التفسير الأثري أو الروائي

منهج التفسير الإجتهادي

منهج التفسير الأدبي

منهج التفسير اللغوي

منهج التفسير العرفاني

منهج التفسير بالرأي

منهج التفسير العلمي

مواضيع عامة في المناهج


التفاسير وتراجم مفسريها

التفاسير

تراجم المفسرين


القراء والقراءات

القرآء

رأي المفسرين في القراءات

تحليل النص القرآني

أحكام التلاوة


تاريخ القرآن

جمع وتدوين القرآن

التحريف ونفيه عن القرآن

نزول القرآن

الناسخ والمنسوخ

المحكم والمتشابه

المكي والمدني

الأمثال في القرآن

فضائل السور

مواضيع عامة في علوم القرآن

فضائل اهل البيت القرآنية

الشفاء في القرآن

رسم وحركات القرآن

القسم في القرآن

اشباه ونظائر

آداب قراءة القرآن


الإعجاز القرآني

الوحي القرآني

الصرفة وموضوعاتها

الإعجاز الغيبي

الإعجاز العلمي والطبيعي

الإعجاز البلاغي والبياني

الإعجاز العددي

مواضيع إعجازية عامة


قصص قرآنية


قصص الأنبياء

قصة النبي ابراهيم وقومه

قصة النبي إدريس وقومه

قصة النبي اسماعيل

قصة النبي ذو الكفل

قصة النبي لوط وقومه

قصة النبي موسى وهارون وقومهم

قصة النبي داوود وقومه

قصة النبي زكريا وابنه يحيى

قصة النبي شعيب وقومه

قصة النبي سليمان وقومه

قصة النبي صالح وقومه

قصة النبي نوح وقومه

قصة النبي هود وقومه

قصة النبي إسحاق ويعقوب ويوسف

قصة النبي يونس وقومه

قصة النبي إلياس واليسع

قصة ذي القرنين وقصص أخرى

قصة نبي الله آدم

قصة نبي الله عيسى وقومه

قصة النبي أيوب وقومه

قصة النبي محمد صلى الله عليه وآله


سيرة النبي والائمة

سيرة الإمام المهدي ـ عليه السلام

سيرة الامام علي ـ عليه السلام

سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله

مواضيع عامة في سيرة النبي والأئمة


حضارات

مقالات عامة من التاريخ الإسلامي

العصر الجاهلي قبل الإسلام

اليهود

مواضيع عامة في القصص القرآنية


العقائد في القرآن


أصول

التوحيد

النبوة

العدل

الامامة

المعاد

سؤال وجواب

شبهات وردود

فرق واديان ومذاهب

الشفاعة والتوسل

مقالات عقائدية عامة

قضايا أخلاقية في القرآن الكريم

قضايا إجتماعية في القرآن الكريم

مقالات قرآنية


التفسير الجامع


حرف الألف

سورة آل عمران

سورة الأنعام

سورة الأعراف

سورة الأنفال

سورة إبراهيم

سورة الإسراء

سورة الأنبياء

سورة الأحزاب

سورة الأحقاف

سورة الإنسان

سورة الانفطار

سورة الإنشقاق

سورة الأعلى

سورة الإخلاص


حرف الباء

سورة البقرة

سورة البروج

سورة البلد

سورة البينة


حرف التاء

سورة التوبة

سورة التغابن

سورة التحريم

سورة التكوير

سورة التين

سورة التكاثر


حرف الجيم

سورة الجاثية

سورة الجمعة

سورة الجن


حرف الحاء

سورة الحجر

سورة الحج

سورة الحديد

سورة الحشر

سورة الحاقة

الحجرات


حرف الدال

سورة الدخان


حرف الذال

سورة الذاريات


حرف الراء

سورة الرعد

سورة الروم

سورة الرحمن


حرف الزاي

سورة الزمر

سورة الزخرف

سورة الزلزلة


حرف السين

سورة السجدة

سورة سبأ


حرف الشين

سورة الشعراء

سورة الشورى

سورة الشمس

سورة الشرح


حرف الصاد

سورة الصافات

سورة ص

سورة الصف


حرف الضاد

سورة الضحى


حرف الطاء

سورة طه

سورة الطور

سورة الطلاق

سورة الطارق


حرف العين

سورة العنكبوت

سورة عبس

سورة العلق

سورة العاديات

سورة العصر


حرف الغين

سورة غافر

سورة الغاشية


حرف الفاء

سورة الفاتحة

سورة الفرقان

سورة فاطر

سورة فصلت

سورة الفتح

سورة الفجر

سورة الفيل

سورة الفلق


حرف القاف

سورة القصص

سورة ق

سورة القمر

سورة القلم

سورة القيامة

سورة القدر

سورة القارعة

سورة قريش


حرف الكاف

سورة الكهف

سورة الكوثر

سورة الكافرون


حرف اللام

سورة لقمان

سورة الليل


حرف الميم

سورة المائدة

سورة مريم

سورة المؤمنين

سورة محمد

سورة المجادلة

سورة الممتحنة

سورة المنافقين

سورة المُلك

سورة المعارج

سورة المزمل

سورة المدثر

سورة المرسلات

سورة المطففين

سورة الماعون

سورة المسد


حرف النون

سورة النساء

سورة النحل

سورة النور

سورة النمل

سورة النجم

سورة نوح

سورة النبأ

سورة النازعات

سورة النصر

سورة الناس


حرف الهاء

سورة هود

سورة الهمزة


حرف الواو

سورة الواقعة


حرف الياء

سورة يونس

سورة يوسف

سورة يس


آيات الأحكام

العبادات

المعاملات
إبلاغ ولاية أمير المؤمنين عليه السلام طيلة فترة النبوّة
المؤلف:
السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ
المصدر:
معرفة الإمام
الجزء والصفحة:
ج/7ص6-32
2026-01-05
76
المقدّمة الاولى: إنّ تعريف أمير المؤمنين عليه السلام إماماً لم يقتصر على يوم الثامن عشر من ذي الحجّة في السنة العاشرة من الهجرة ضمن حجّة الوداع في وادي غدير خمّ على بُعد ميلين عن أرض الجُحفة، بل كان ذلك اليوم يوم التنصيب الكلّيّ، والتعريف لجميع الناس، والإعلان لعموم الامّة، وإلّا فإنّ الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يصرّح بمقامات أمير المؤمنين عليه السلام ودرجاته وإمامته وولايته ووصايته وخلافته واخوّته وسائر مناقبه وفضائله، وذلك في مجالس ومحافل عديدة، وفي الخفاء والعلن، وفي الصلح والحرب، وفي مكّة والمدينة، ولكلّ رهط وجماعة كانت على اتّصال به طيلة حياة أمير المؤمنين عليه السلام.
ولد أمير المؤمنين عليّ عليه في الكعبة؛ وحينما اعطي رسول الله صلّى الله عليه وآله قماطه، تلا سورة {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ}. ونشأ في حجر الرسول الكريم. وهو أوّل من صدّقه يوم كان في العاشرة من عمره. وهو القائل: نزل الوحي على رسول الله يوم الاثنين، وآمنت يوم الثلاثاء. وعند ما كانت الدعوة في سنينها الثلاث أو السبع وحيث كانت دعوة الرسول في دور الخفاء، فإنّ أحداً لم يصلّ معه في الكعبة غير أمير المؤمنين، وغير خديجة.
وفي اليوم الأوّل الذي صدع النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله بدعوته في المجلس الذي أقامه لعشيرته الأقربين، إذ دعاهم لمؤازرته في حمل أعباء النبوّة، ومعاضدته على القيام بشؤون الرسالة، لم يجبه إلّا ذلك الفتى اليافع، والعاشق المُستبسل، والنابه الواعي. وعندئذٍ اختاره للوزارة والولاية والخلافة.
ولقد قال صلّى الله عليه وآله وسلّم في ذلك اليوم: "فَأيُّكُمْ يُؤَازِرُنِي على هَذَا الأمْرِ وَأنْ يَكُونَ أخِي وَوَصِيِّي وَخَلِيفَتِي فِيكُمْ مِنْ بَعْدِي؟" ولم يجبه إلّا عليّ بقوله: أنَا يَا رَسُولَ اللهِ! قال: "فَأنْتَ أخِي وَوَصِيِّي وَوَارِثِي وَخَلِيفَتِي فِيكُمْ!".
ونلاحظ هنا أنّ تنصيب أمير المؤمنين عليه السلام في مقام الوزارة والخلافة والوصاية كان في إبّان البعثة، ومنذ ذلك اليوم الذي اعلنت فيه النبوّة لقريش وفقاً لتعيين رسول الله صلّى الله عليه وآله إيّاه عملًا بآية الإنذار: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}، وحديث العشيرة.
ويدلّ هذا المعنى بكلّ وضوح أنّ مقام الرسالة، ومقام الإمامة متلازمان متّصلان، ولا يقبلان الانفصال والانفكاك، ولا أساس للرسالة بدون الوزارة والخلافة، ولا أصل ولا جذور للنبوّة بدون الولاية. فالولاية خفيرة الرسالة، والإمامة حافظة للنبوّة، وأنَّ الوجود المحدِث للوحي والإنزال من قِبَل الرسول الكريم يصل إلى كماله بواسطة الوجود الحافظ والخفير والمخلّد لأمير المؤمنين، فقد قال عزّ من قائل: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً}.[1]
وقد تكلّمنا عن حديث العشيرة وآية الإنذار بشكل واف في الدرس الخامس من الجزء الأوّل من كتابنا هذا «معرفة الإمام».
هذا وقد دعا النبيّ الأكرم أمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما كراراً ومراراً بـ:"أمِيرُ المُؤْمِنِينَ، وَسَيِّدُ المُسْلِمِينَ، وَالإمَامُ، وَالحُجَّةُ، وَالوَصِيّ، وَسَيِّدُ العَرَبِ، وَسَيِّدٌ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَسَيِّدُ الأوصِيَاءِ، وَسِيِّدُ الخَلائِقِ، وَسَيِّدُ الوَصِيِّينَ، وَأميرُ البَرَرَةِ، وَإمَامُ البَرَرَةِ، وَخَيْرُ البَشَرِ، وَخَيْرُ الامَّةِ، وَخَيْرُ الوَصِيِّينَ، وَخَيْرُ الخَلْقِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ".
وعند ما ترك رسول الله المدينة في غزوة تبوك، واستخلف عليها عليّاً، فإنّه قال له: "أنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلَّا أنهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي".
أي: أنّ كلّ ما كان لهارون من مواصفات فهي لك إلّا النبوّة، فإنّه لا يأتي نبيّ بعدي، ولن تكون نبيّاً- أنت كهارون! أي: أنت أخي؛ أنت وصيّي! أنت خليفتي من بعدي! أنت وزيري ومعيني وحافظ نبوّتي!
وقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: "إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَعِتْرَتِي، وَإنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتّى يَرِدَا على الحَوْضَ".
وقال: "مَثَلُ أهْلِ بَيْتِي مَثَلُ سَفِينَةِ نُوحٍ، مَنْ رَكِبهَا نَجَى، وَمَنْ تَخَلَّف عَنْهَا غَرِقَ".
والمراد من أهل الذكر في الآية: {فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}.[2] هم أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم.
والمراد من حبل الله في آية: {وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا}.[3]
فهم الصراط المستقيم، والعروة الوثقى إذ لَا يَقْبَلُ اللهُ الأعْمَالَ مِنَ العِبَادِ إلَّا بِوِلَايَتِهِمْ عَلِيّاً.
والمقصود من النعيم في الآية الشريفة: {ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ}. هو نعيم الولاية.
والمقصود من المؤاخذة والسؤال في آية: {وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ}.[4] هي المؤاخذة والسؤال عن الولاية.
وقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: "لَا يَجُوزُ أحَدٌ عَنِ الصِّرَاطِ إلَّا وَكَتَبَ لَهُ عَلِيّ الجَوازَ".
وقال النبيّ: عَلِيّ قَسِيمُ الجَنَّةِ وَالنَّارِ.
وقال: عَلِيّ مَعَ القُرْآنِ وَالقُرْآنُ مَعَ عَلِيّ.
وقال: عَلِيّ مِنِّي وَأنَا مِنْهُ.
وقال: عَلِيّ مِنِّي كَنَفْسِي وَكَرَأسِي مِنْ بَدَنِي.
وقال: عَلِيّ مَعَ الحَقِّ وَالحَقُّ مَعَ عَلِيّ: اللهُمَّ أدِرِ الحَقَّ مَعَهُ حَيْثُ دَارَ.
وقال: عَلِيّ خَيْرُ البَشَرِ، مَنْ أبى فَقَدْ كَفَرَ.
والمراد من اولي الأمر في قوله: تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}،[5] هم أمير المؤمنين والأئمّة المعصومون سلام الله عليهم أجمعين.
ونزلت آية التطهير: {إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} في رسول الله، وأمير المؤمنين، والزهراء، والحسن، والحسين عليهم السلام، وفي الأئمّة الاثنى عشر المعصومين عموماً.
وقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: "أهْلُ بَيْتِي أمَانٌ لأهْلِ الأرْضِ".
وجاء في آية المباهلة: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ}.[6] والمقصود من «أنفُسَنَا» هنا هي نفس أمير المؤمنين التي جعلتها الآية نفسَ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم.
وفي قوله تعالى: في {بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ}،[7] حيث إنّ تجلّيات النور الإلهيّ المشعّة والمنتشرة في شبكات عالم الإمكان هي في البيوت التي {أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ}. والمراد من البيوت هنا هي قلوب الأئمّة الطاهرين سلام الله عليهم وأرواحهم المقدّسة.
والمقصود من {ذَوِي الْقُرْبى} في قوله تعالى: {قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى}،[8] هم قربى الرسول الكريم صلّى الله عليه وآله وسلّم من نسل الصدّيقة الكبرى عليها السلام وأمير المؤمنين عليه السلام.
والمقصود من {خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ}،[9] هم أمير المؤمنين وشيعته.
ولمّا نزلت هذه الآية، قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: "إنَّ عَلِيَّاً وَشِيعَتَهُ هُمُ الفَائِزُونَ".
والمراد من النبأ العظيم في قوله تعالى: {عَمَّ يَتَساءَلُونَ* عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ}.[10] هو عليّ بن أبي طالب عليه السلام.
والمقصود من قوله: {مِنَ النَّاسِ} في الآية: {وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ}.[11] هو أمير المؤمنين صلوات الله عليه.
والذي كان شريكاً لرسول الله في سرّه، وعمل بآية النجوي من خلال تقديمه الصدقة والهديّة إلى رسول الله هو أمير المؤمنين عليّ عليه السلام طبق الآية: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً}.[12]
وفي الآية الشريفة: {قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ}.[13]
اعتُبر أمير المؤمنين عليه السلام في مصافّ الذات الإلهيّة المقدّسة تعالى شأنها، في الشهادة والدلالة على صدق الرسالة وأحقّيّة الرسول.
وجُعل عليه السلام وليّاً ومَوْلَىً وظهيراً ونصيراً وشريكاً لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في سرّه، وذلك في قوله تعالى: وَإِنْ تَظاهَرا (أي عائشة وحفصة) {عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} (أي أمير الموحّدين عليه السلام) {وَ الْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ}.[14]
وفي إعلان البراءة من المشركين عند ما دفع رسول الله صلّى الله عليه وآله الصحيفة التي تضمّ البراءة إلى أبي بكر ليقرأها على الناس في موسم الحجّ في السنة التاسعة للهجرة في منى فنزل عليه الوحي يأمره بأن يقرأها هو أو رجل منه، فانتدب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أميرَ المؤمنين عليه السلام وأرسله خلف أبي بكر ليأخذ منه الصحيفة ويذهب بنفسه إلى مكّة فيقرأها على المشركين في موسم الحجّ.
أخذ أمير المؤمنين عليه السلام الذي كان نفس النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم الصحيفة من أبي بكر، وتوجّه إلى مكّة، وقرأها على المشركين في موسم الحجّ بعقبة" منى"! {وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} [15]- (الآيات). وانتقلت هذه
المهمّة إلى أمير المؤمنين الذي كانت نفسه وروحه من النبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم.
والمراد من الاذُن الواعية في قوله تعالى: {وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ}،[16] هو الوجود المقدّس لأمير المؤمنين عليه السلام.
والمقصود من آل ياسين في قوله جلّ شأنه في الآية: {سلام على آلياسين}، هم الأئمّة المعصومون سلام الله عليهم أجمعين.
والمراد من الذي شُرِح صدره بنور الله في قوله تبارك اسمه: {أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ}،[17] هو أمير المؤمنين عليه السلام.
والمراد من الصراط في قوله تعالى: {وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}،[18] هو صراط الله المستقيم، صراط عليّ بن أبي طالب.
والمقصود بـ{أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ} في الآية الشريفة: {أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ}،[19] هو أمير المؤمنين عليه السلام.
وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في خيبر: "لُاعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَداً رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ كَرَّارٌ غَيْرُ فَرَّارٍ، لَمْ يَرْجِعْ حتّى يَفْتَحِ اللهُ بِيَدَيْهِ".
ولمّا حان الغد، طلب عليّاً، وكان أرمد العين، فتفل في عينه، وأعطاه الراية، فذهب بها حيدر الكرّار ولم يرجع حتّى اقتلع باب خيبر فاتحاً ظافراً.
وكانت هذه الواقعة بعد فشل أبي بكر وعمر ورجوعهما خائبين خاسِرَين، إذ لم يستطيعا القيام بالمهمّة التي كلّفهما بها النبيّ صلّى الله عليه وآله في اليومين اللذين سبقا هذه الواقعة.
من هذا المنطلق، آخى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بينه وبين عليّ عليه السلام مرّتين. الاولى: في مكّة عند ما آخى بين المهاجرين أنفسهم. والثانية: بعد دخوله المدينة، عند ما آخى بين المهاجرين والأنصار. فجعل عليّاً عليه السلام أخاه في كلا المرّتين.
وقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: عَلِيّ أقْضَاكُمْ.
وفتح النبيّ لعليّ ألف باب من العلم؛ وقال: أنَا مَدِينَةُ العِلْمِ وَعَلَيّ بَابُهَا.
وقال: أنَا دَارُ الحِكْمَةِ وَعَلِيّ بَابُهَا.
وقال: أنَا مَدِينَةُ الجَنَّةِ وَعَلِيّ بَابُهَا.
ولهذا قال صلّى الله عليه وآله: أنَا وَعَلِيّ أبَوَا هَذِهِ الامَّةِ.
وقال: حَقُّ عَلِيّ على هَذِهِ الامَّةِ كَحَقِّ الوَالِدِ على وَلَدِهِ.
وقال: عَلِيّ وَزِيرِي وَوَارِثِي.
وقال: يَا عَلِيّ لَا يُحِبُّكَ إلَّا مُؤْمِنٌ ولَا يُبْغِضُكَ إلَّا مُنَافِقٌ.
وقال: عِنْوَانُ صَحِيفَةِ المُؤْمِنِ: حُبُّ عَلِيّ بْنِ أبِي طَالِبٍ.[20]
وقال: النَّظَرُ إلَى وَجْهِ عَلِيّ عِبَادَةٌ.
وقال: مَثَلُ عَلِيّ في هَذِهِ الامَّةِ مَثَلُ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}. من قرأها مرّة، فكأنما قرأ ثلث القرآن؛ ومن قرأها مرّتين، فكأنما قرأ ثلثي القرآن؛ ومن قرأها ثلاث مرّات، فكأنما ختم القرآن كلّه. ومن أحبّ عليّاً بقلبه، فقد حاز ثلث الإيمان؛ ومن تبعه بقلبه ولسانه، فقد حاز ثلثي الإيمان؛ ومن أحبّه بقلبه ولسانه وجوارحه، واتّبعه، فإنّ إيمانه أكمل الإيمان.
وقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: عَلِيّ مِنِّي كَنَفْسِي؛ طَاعَتُهُ طَاعَتِي وَمَعْصِيَتُهُ مَعْصِيَتِي.
وقال: يَا عَلِيّ! أنْتَ تُبْرِئُ ذِمَّتِي، وَأنْتَ خَلِيفَتِي على امَّتِي.
وقال: يَا عَلِيّ أنْتَ تَقْضِي دَيْنِي.
وقال: إنَّ وَصِيِّي وَوَارِثِي وَمُنْجِزَ وَعْدِي عَلِيّ بْنُ أبي طَالِبٍ.
وقال: يَا عَلَيّ! أنْتَ تُؤدِّي عَنِّي، وَتُسْمِعُهُمْ صَوْتِي، وَتُبَيِّنُ لَهُمْ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ بَعْدِي.[21]
يضاف إلى ذلك كلّه أنّ آية الولاية قد نزلت عند التصدّق بالخاتم أثناء الركوع، وذلك في مسجد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم. وقد جعلت الآية عليّاً عليه السلام في مصافّ الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم وليّاً للمسلمين بالولاية الإلهيّة على سبيل الحصر بكلّ صراحة. فقد قال عزّ من قائل: {إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ}.[22]
وهذه الآية في سورة المائدة؛ وكما نعلم فإنّ هذه السورة هي آخر سورة نزلت على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. حيث اوحيت إليه في المدينة بعد حجّة الوداع طيلة سبعين يوماً اعتباراً من يوم غدير خمّ حتّى اليوم الذي توفّي فيه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.
وفي أيّام مرضه، أمر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بغلق جميع أبواب الصحابة الملاصقة للمسجد النبويّ الشريف، وذلك لكي لا يكون هناك طريق من دورهم إلى المسجد. ولم يترك باباً مفتوحاً إلّا باب أمير المؤمنين عليه السلام الذي لم يُغْلَق بأمره صلّى الله عليه وآله وسلّم.
ومن الأبواب التي تمّ إغلاقها: باب العبّاس عمّ النبيّ، وباب عمر، وباب أبي بكر، فجاء العبّاس إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم واستأذنه أن يترك بابه مفتوحاً. فقال له رسول الله: ليس الأمر بيدي، بل الله لم يأذن بذلك. وقال عمر: يا رسول الله، إئذن لي بكوّة من أعلى بيتي لأري قدومك إلى المسجد! فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: أوحى لي ربّي أن أغلق جميع الأبواب إلّا باب عليّ بن أبي طالب. لذلك أمر بغلق جميع الأبواب بما فيها خَوفَة[23] دار أبي بكر.
فهذه الامور وقائع حصلت لأمير المؤمنين عليه السلام في زمن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم. وهذه وأمثالها ممّا لا يحيطها الإحصاء تدلّ على القرب الشديد لأمير المؤمنين من رسول الله، وعلى روحانيّته الأكيدة واقتران ولايته بولاية رسول الله. ولو لم يسبق أحد أيّ سابقة ذهنيّة أو معرفة بمهفوم وصاية الإمام عليه السلام وخلافته، كالشخص الغريب على الإسلام مثل: اليهوديّ أو النصرانيّ، ثمّ يرى هذه الأشياء، فلا ريب أنه سيقول: لا جرم إنّ هذا المقام هو مقام الخلافة والولاية والإمامة بعد رسول الله. وقد أتينا عليها كلّها بالتفصيل في المباحث المتقدّمة أو التي ستأتي في كتاب «معرفة الإمام» بأسانيد معتبرة عن كتب الشيعة، وعن كتب العامّة كحفّاظهم. وكلّ من رغب أن يرجع إلى أسانيدها عاجلًا، غير التي جاءت لحد الآن في كتاب «معرفة الإمام»، فليراجع كتاب «غاية المرام» للسيّد هاشم البحرانيّ، و«شواهد التنزيل» للحاكم الحَسْكَاني، و«فرائد السمطين» للحَمّوئيّ، والأجزاء الثلاثة من تأريخ أمير المؤمنين عليه السلام من «تاريخ دمشق» لابن عساكر.
ويستفاد من هذه المقدّمة أنّ التمهيد لخلافة الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام كان مشهوداً وملموساً تماماً منذ بدء البعثة النبويّة الشريفة، وعلى امتداد ثلاث وعشرين سنة من نبوّة الرسول العظيم صلّى الله عليه وآله وسلّم.
وكان بيّناً واضحاً لكلّ جماعة وفريق. بَيدَ أنّ الرسول الكريم لمّا أوشك أن يُدعى فيجيب بناءً على ما أخبره به جبريل من ارتحاله لذلك جاء الإعلان العامّ، والتنصيب العلنيّ، وإبلاغ ولاية أمير المؤمنين عليه السلام وإمامته لجميع طوائف المسلمين بوجه عامّ في غدير خمّ، إذ مهّد رسول الله الأرضيّة في حجّة الوداع. وكان يتحدّث في خطبة عن كتاب الله وعترته، حتّى حان موعد الغدير وهبط جبريل بهذه الآية: {بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ}.
ونختم هذه المقدّمة الشريفة بحديث شريف روى عن الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه الصلاة والسلام في مجلس المأمون، ننقله عن كتاب «غاية المرام»: روى السيّد البحرانيّ عن ابن بابويه، قال: حدّثنا عليّ بن الحسين بن شاذَوَيه المؤدّب، وجعفر بن محمّد بن مسرور، قالا: حدّثنا محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميريّ، عن أبيه، عن الريّان بن الصَّلْت، قال: حضر الإمام الرضا عليه السلام مجلس المأمون بمرو. وقد اجتمع في مجلسة جماعة من علماء أهل العراق وخراسان.
فقال المأمون: أخبروني عن معنى هذه الآية: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا}.[24]
فقالت العلماء: أراد الله تعالى بذلك الامّة كلّها.
فقال المأمون: ما تقول يا أبا الحسن؟!
فقال الرضا عليه السلام: لا أقول كما قالوا: ولكنّي أقول: أراد الله بذلك العترة الطاهرة.
فقال المأمون: وكيف عني العترة من دون الامّة؟
فقال الرضا: عليه السلام: لو أراد الامّة، لكانت بأجمعها في الجنّة لقول الله تعالى: {فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ}.[25]
ثمّ جمعهم كلّهم في الجنّة، فقال: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ}.[26]
[(و لمّا لم تكن الامّة كلّها في الجنّة، فلا محالة أنّ المراد من المصطفين الذين يشملون الأصناف الثلاثة هم العترة)]. فَصَارَتِ الوِرَاثَةُ لِلعِتْرَةِ الطَّاهِرَةِ لَا لِغَيْرِهِمْ.
فقال المأمون: مَنِ العترة الطاهرة؟!
فقال الإمام: الَّذِينَ وَصَفَهُمْ اللهُ تعالى في كِتَابِهِ: فَقَالَ: {إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}؛ وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «إنِّي مَخَلِّفٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَعِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي؛ ألَّا وَإنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتّى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ؛ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا! أيُّهَا النَّاسُ! لَا تُعَلِّمُوهُمْ فَإنَّهُمْ أعْلَمُ مِنْكُمْ»!
قالت العلماء: أخبرنا يا أبا الحسن عن العترة أ هُمُ الآل أم غير الآل؟ فقال الرضا عليه السلام: هُمُ الآل.
ويبدأ هنا نقاش الإمام عليه السلام فيعرض مواضيع نفيسة وقيّمة جدّاً تشغل ثلاث صفحات تقريباً من كتاب «غاية المرام» وهي صفحات مليئة ومن القطع الرحليّ ومشحونة بالكلمات. وقد تجنّبنا ذكر ذيلها مراعاة للاختصار.[27]
المقدّمة الثانية: إنّ صحابة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وكافّة الذين أسلموا في عصر النبيّ الأكرم عموماً لم يكونوا متساوين من كلّ الجهات، بل كانوا على درجات ومستويات مختلفة من حيث وعي النبوّة، واستيعاب معنى الوحي، وإدراك الدرجات والمقامات التي كان يتمتّع بها رسول الله، وفهم عالم الغيب، واليقين بخلوص رسول الله وإخلاصه في جميع الأعمال والسلوكيّات الشخصيّة والاجتماعيّة، والعباديّة وغير العباديّة، والنظر إلى ذلك الإنسان العظيم من حيث الطهارة المعنويّة، والاتّصال بالملأ الأعلى وجبريل، وبالتالى وإجمالًا في النظر إليه من حيث التجرّد عن النفس والاتّصال بالله جلّ اسمه في كلّ أمر من الامور.
فبعضهم كسَلْمَان، وَعَمَّار، والمِقْدَاد، وأبي ذَرّ، وعُثْمَان بنِ مَظْعُونَ، وَخَبَّابَ بن الأرَتّ، وكثير من شهداء بدر، واحد، والأحزاب، وغيرها من الغزوات، كانوا يؤمنون به إيماناً صلباً جعلهم بلا إرادة واختيار أمام إرادته واختياره صلّى الله عليه وآله وسلّم. وكانوا من الفانين فيه فناءً محضاً إذ كانوا يرونه متّصلًا بالغيب متجرّداً عن هوى النفس، منقطعاً إلى الله.
وهؤلاء لا فرق عندهم بين أن يقرأ عليهم رسول الله آيات القرآن، أو يأمرهم وينهاهم بأوامره ونواهيه الشخصيّة. ولا فرق عندهم بين أن يكون فعله عباديّاً، أو سياسيّاً، أو شخصيّاً، أو اجتماعيّاً. أو أن يكون نكاحاً، أو صوماً، أو حجّاً. ولا فرق عندهم بين أن تتعدّد زوجاته، أو أن يتزوّج زوجه ابنة بالتبنّيّ، أو غير ذلك. ولا فرق عندهم بين الهجرة والإقامة، والحرب والسلم. فكلّ ما كان وبأيّ شكل كان هو فعل الله، ومن الله، طهارة محضة، وحقيقة خالصة لا تشوبها شائبة من عشّ عالم الاعتبار والمجاز وغلّه.
وكان البعض يفرّق بين الآيات القرآنيّة والوحي المنزل، وبين آرائه وأفكاره صلّى الله عليه وآله وسلّم. فكانوا يقولون: نحن نعتبر الآيات النازلة في القرآن الكريم واجبة الاتّباع؛ أمّا آراء النبيّ فليست كذلك، وبالنتيجة، فإنّنا لا نلزم أنفسنا باتّباعه في آرائه وأفكاره الشخصيّة، ولا نجعل إرادتنا تابعة لإرادته وفانية فيها. فرسول الله له رأيه. ونحن لنا رأينا أيضاً. ونقدّم رأيه حيناً، ونقدّم آراءنا حيناً آخر.
وصفوة القول، إنّ كلامهم ككلام كثير من العامّة إذ يقولون: كان رسول الله مجتهداً في شئونه الشخصيّة وآرائه، أو في تجهيز الجيوش، وبعث الجند في غزوة أو سريّة، أو في تنسيق وتنظيم الشؤون الإداريّة والمدنيّة وتنظيمها، فهو معرّض للخطأ أحياناً. والآخرون مجتهدون أيضاً يصيبون ويخطئون.
لهذا يلاحظ أنهم كانوا يقولون له في كثير من الحالات: هل هذا كلام الله أو كلامك؟! وهل هذا الأمر منك أو من الله؟! وهل أنت قلت هذا أم الله أمرك به؟!
والملاحظ أكثر في التواريخ المعتبرة أنّ هذا السلوك كان يبدر في الأغلب من أبي بكر، وعمر. وفيما يلي عدد من النماذج:
الأوّل: في السنة السادسة من الهجرة، وفي شهر ذي القعدة تحرّك رسول الله مع جماعة من أصحابه نحو مكّة قاصدين الطواف حول بيتالله الحرام. وساقوا معهم البدن للهدي. فلمّا بلغ أرض الحديبيّة، منعه كفّار قريش من الذهاب. وعُقد بينه وبينهم صلح. وأمر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بحلق الرءوس، ونحر البدن، والحلّ من الإحرام في الحديبيّة نفسها.
فعزّ ذلك على بعض الصحابة، فلم يبدوا استعداداً للحلق والنحر، واغتمّ رسول الله وشكى ذلك إلى امّ سلمة. فقالت امّ سلمة: يا رسول الله! احلق وانحر؛ فحلق رسول الله ونحر. وحلق المعترضون ونحروا شاكّين في نبوّته.
فلمّا التأم الأمر ولم يبق إلّا الكتاب وثب عمر بن الخطّاب، فأتى أبا بكر وحدّثه بهذا الموضوع وشكى إليه عدم الدخول إلى مكّة لأداء العمرة، والنحر والحلق في الفلاة، وشروط الصلح التي كانت ثقيلة وصعبة على المسلمين. وقال له: أ لم يكن رسول الله، يفعل كذا وكذا؟!
وبعد تبادل الكلام بينه وبين أبي بكر أتى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال: يا رسول الله! أ لستَ برسول الله؟
قال: بلى! قال: أ وَلَسنا على الحقّ، وعدوّنا على الباطل؟! قال: بلى!
قال: فَعَلام نعطي الدنيّة في ديننا؟ قال: أنا عبد الله ورسوله، لن اخالف أمَره، ولن يضيّعني وهو ناصري.
قلتُ: أو لست كنت تحدّثنا أنا سنأتي البيت ونطوف حقّاً؟!
قال: بلى! أ فأخبرتك أن تأتيه العام؟! قلتُ: لا!
قال: فانّك تأتيه وتطوف به.
يقول عمر: ما شككت مذ أسلمتُ إلّا يومئذٍ [في الحديبيّة].[28]
الثاني: في السنة العاشرة من الهجرة، وفي حجّة الوداع، وقف رسول الله على جبل المروة، ونزل عليه جبرئيل بالوحي، فأمر الذين لم يسوقوا معهم الهدي (كالبدن مثلًا) أن يستبدلوا نيّة الحجّ بنيّة العمرة، ويحلّوا من إحرامهم. وكان عمر من الذين اعترضوا اعتراضاً شديداً على هذا الأمر، وقال: أ يَرُوحُ أحَدُنَا إلَى عَرَفَةَ وَفَرْجُهُ يَقْطُرُ مَنِيَّاً؟[29] فقال رسول الله: لن يؤمن بها حتّى يموت.
ولمّا بلغ رسول الله كلام عمر وأصحابه، بدت عليه علامات الغضب، حتّى جاء وخطب في الناس فقال: "أمَّا بَعْدُ؛ فَتُعَلِّمُونَ أيُّهَا النَّاسُ! لأنَا وَاللهِ أعْلَمُكُمْ وَأتْقَاكُمْ لَهُ! وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، مَا سُقْتُ هَدْياً وَلأحْلَلْتُ".[30]
وعند ما سألوه عن سبب غضبه، قال: ما لي لا أغضب وأنا آمر أمراً فلا يُتَّبَع؟ أو ما شعرت أني أمرتُ الناس بأمرٍ فإذا هم يتردّدون؟![31]
لم يَرُقْ لعمر أمر الله ورسوله، حتّى إذا تسلّم زمام الامور، رفع هذا الحكم بصراحة، وقال: ليس لأحد أن يتمتّع في الحجّ، ومَن فعل، أجريت عليه الحدّ. يقول عمر: أنا اقِرُّ أنّ التمتّع سُنّة رسول الله، ولكنّي أرى أن لا يعمل به.
يقول أبو موسى [الأشعريّ]، إنّ عُمَرَ قَالَ: هي سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- يَعْنِي المُتْعَةَ- وَلَكِنِّي أخْشَى أنْ يُعَرِّسُوا بِهِنَّ تَحْتَ الأرَاكِ، ثُمَّ يَرُوحُوا بِهِنَّ حُجَّاجَاً.[32]
الثالث: في «الطبقات الكبرى» لابن سعد روايات كثيرة حول طلب رسول الله الكتف والدواة وهو في الاحتضار ليكتب شيئاً لُامّته لا يضلّوا بعده أبداً، فقال عمر، إنَّ الرَّجُلَ لَيَهْجُرُ، كَفَانَا كِتَابُ اللهِ. وكان يمانع باستمرار، حتّى كثر اللغط بين الحاضرين عنده، فمنهم من قال: آتوه، وأنصار عمر قالوا: لا حاجة إلى ذلك، إلى أن امتعض رسول الله كثيراً، فقال: قوموا! لا ينبغي عند نبيّ نزاع؛ فودّع الدنيا وهو في غاية الحزن والألم.
وكان ابن عبّاس يكرّر هذا الكلام دائماً: الرَّزِيَّةُ كُلُّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ أنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الكِتَابَ مِنْ اخْتِلَافِهِمْ وَلَغْطِهِمْ.[33]
يقول محمّد حسنين هيكل: وَفِيمَا هُوَ في هَذِهِ الشِّدَّةِ وَفي البَيْتِ رِجَالٌ قَالَ: هَلُمُّوا أكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ أبَدَاً.
قَالَ بَعْضُ الحَاضِرِينَ: إنَّ رَسُولَ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَدْ غَلَبَهُ الوَجَعُ؛ وَعِنْدَكُمْ القُرْآنُ؛ وَحَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ؛ وَيَذْكُرُونَ أنَّ عُمَرَ هُوَ الذي قَالَ هَذِهِ المَقَالَةَ. وَاخْتَلَفَ الحُضُورُ، مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ؛ قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ؛ مِنْهُمْ مَنْ يَأبَى ذَلِكَ مُكْتَفِياً بِكِتَابِ اللهِ؛ فَلَمَّا رَأي مُحَمَّدٌ خُصُومَتَهُمْ قَالَ: قُومُوا![34]
ويقول هيكل بعد هذا الكلام مباشرة: وَمَا فَتِئَ ابنُ عَبَّاسٍ بَعْدَهَا يَرَى أنهُمْ أضَاعُوا شَيْئاً كَثِيراً بِأنْ لَمْ يُسَارِعُوا إلَى كِتَابِةِ مَا أرَادَ النَّبِيّ إمْلَاءَهُ.
أمَّا عُمَرُ فَظَلَّ وَرَأيَهُ، أنْ قَالَ اللهُ في كِتَابِهِ الكَرِيمِ: {ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ}.[35]
الرابع: ذكر ابن عساكر ستّ روايات جاء فيها أنّ رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما كانا يتناجيان فترة في يوم الطائف. ولمّا بدت الكراهيّة على وجوه بعض الصحابة (أبي بكر وعمر) بسبب طول المناجاة، وسئل النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم فيما بعد عن نجواه مع أمير المؤمنين عليه السلام قال: ما أنا انتجيته، ولكنّ الله انتجاه.
وجاء في رواية: فَرَأى الكَرَاهِيةَ في وُجُوهِ رِجَالٍ فَقَالُوا: قَدْ أطَالَ مُنَاجَاتَهُ مُنْذُ اليَوْمِ فَقَالَ: «مَا أنَا انْتَجَيْتَهُ وَلَكِنَّ اللهَ انْتَجَاهُ».
وفي رواية اخرى: فَلَحِقَ أبُو بَكْرٍ (ظ) وَعُمَرُ فَقَالا: طَالَتْ مُنَاجَاتُكَ عَلِيَّاً يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: «مَا أنَا انَاجِيهِ (كذا) وَلَكِنَّ اللهَ انْتَجَاهُ».[36]
الخامس: يقول ابن أبي الحديد: قال ابن عبّاس: خرجت مع عمر إلى الشام في إحدى خرجاته. فانفرد يوماً يسير على بعيره، فاتّبعته، فقال لي: يا ابن عبّاس! أشكو إليك ابن عمّك (عليّ بن أبي طالب) سألته أن يخرج معي، فلم يفعل.
ولم أزل أراه واجداً، فيم تظنّ موجدته؟!
قلتُ: يا أمير المؤمنين! إنّك لتعلم!
قال: أظنّه لا يزال كئيباً لفوت الخلافة.
قلت: هو ذاك. إنّه يزعم أنّ رسول الله أراد الأمر له.
فقال: يا ابن عبّاس! لو أراد رسول الله الأمر له، فكان ما ذا إذا لم يرد الله تعالى ذلك؟! إنّ رسول الله أراد أمراً، وأراد الله غيره، فنفذ مراد الله، ولم ينفذ مراد رسوله. أ وَكلّما أراد رسول الله كان؟!
وقد روى معنى هذا الخبر بغير هذا اللفظ، وهو قوله: إنّ رسول الله أراد أن يذكره للأمر في مرضه، فصددتُه عنه خوفاً من الفتنة، وانتشار أمر الإسلام.
فعلم رسول الله ما في نفسي وأمسك، وأبي الله إلّا إمضاء ما حتم.[37]
ويقول عبد الفتّاح عبد المقصود: قال عمر لابن عبّاس: كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوّة والخلافة، فنظرتْ لنفسها فاختارت، ووفّقتْ فأصابت.
فقال ابن عبّاس: أمّا قولك: إنّ قريشاً كرهت، فإنّ الله قال لقوم [يستحقّون الهلاك لكراهتهم حكم الله]: {ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ}.[38]
وأمّا قولك: إنّ قريشاً اختارت، فإنّ الله يقول: {وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ}.[39]
فلم يجبه عمر غير أنه غضب عليه.[40]
ونرى هنا أنّ عمر قد خلط بين الإرادة التكوينيّة والإرادة التشريعيّة للّه، وأخطأ؛ وجواب ابن عبّاس المفحم قد قطع عليه الطريق. وجواب عمر هذا كقول عبيد الله بن زياد للسيّدة زينب سلام الله عليها في مجلس دار الإمارة بالكوفة: الحَمْدُ لِلَّهِ الذي قَتَلَكُمْ وَأكْذَبَ احْدُوثَتَكُمْ.
فقالت زينب سلام الله عليها: «كَتَبَ اللهُ عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم» لا ينافي ارتكابك وارتكاب يزيد للقتل من وحي الجريمة. وإرادة الله لا تمنع قبح فعلكما؛ ولا تسلب منكما الاختيار. ويزيد أيضاً في الشام ينسب قتل أهل البيت إلى الله، ويرى أنّ حكومته من الله.
وكثيراً ما نجد في تأريخ بني العبّاس سلاطينهم قد مُنوا بهذا الخبط؛ فعزوا أعمالهم القبيحة إلى الله، واعتبروا سلطتهم وحكومتهم من الله لما رأوا من وجودها بأيديهم. وأمّا عدم خلافة أئمّة أهل البيت عليهم السلام فإنّهم اعتبروا ذلك ناتجاً عن عدم التقدير الإلهيّ، ونابعاً من عدم أحقّيّتهم.
وكم أنشد الشعراء المتملّقون من قصائد في وصف العبّاسيّين وحكومتهم الإلهيّة العادلة على حدِّ زعمهم، وذلك على امتداد خمسة قرون من الحكم العبّاسيّ! وكم نظموا القصائد الكثيرة في مجالس الحكّام والامراء وأبناء الامراء للحطّ من شأن أهل البيت، والتصريح بعدم أحقّيّتهم استناداً إلى عدم التقدير الإلهيّ بالنسبة لحكومتهم، فسوّدوا بذلك وجه التأريخ.
يقول أبو شَمْط: مَرْوَانُ بْنُ أبِي الجَنُوب: أنشدت المتوكّل شعراً ذكرت فيه الرافضة (أئمّة الشيعة)، فعقد لي على البحرين، واليمامة، وخلع عَلَيّ أربع خلع. وخلع عَلَيّ ابنه المنتصر. وأمر لي المتوكّل بثلاثة آلاف دينار من الذهب، فَنُثِرَتْ عَلَيّ. وأمر ابنه المُنتَصِرَ وَسَعْداً الإيتَالِي أن يلقطاها لي، ففعلا.
يقول أبُو الشَّمْط: ثمّ نثر عَلَيّ بعد ذلك لِشِعْرٍ قلته في هذا المعنى عشرة آلاف درهم.[41]
لقد فتح عمر بهذا المنطق الخاطئ طريق المغالطة لجميع حكّام الجور الذين جاءوا بعده؛ فلو كان الحصول على المنصب والإمارة والولاية في الإرادة الإلهيّة التكوينيّة دليلًا على الأحقيّة والواقعيّة في الإرادة التشريعيّة، لما كان- مِن ثَمَّ- للظلم، والقبح، والاعتداء، والخيانة، والجريمة، وأمثالها أيّ مفهوم. وكان التسلّط ونيل القدرة بأيّ! شكل وأيّ عنوان، دليلًا على الإرادة الإلهيّة وشاهداً على أحقّيّته.
بيدَ أنّ عمر كان يفهم جيّداً أنه يخلط ويغالط، ولو كانت الطوارئ الخارجيّة والوقائع والأحداث التي تجري على أساس الاعتداء والظلم والخلاف لأمر الله ورسوله دليلًا على أحقيّة الأمر الواقعيّ الخارجيّ وحقيقته، فلما ذا اعترض عمر على رسول الله في قضيّة الحديبيّة، وشكَّ في نبوّته؟ فكان له أن يقول: أراد رسول الله أمراً، وأراد الله غيره. والتسليم في هذه الحالة لأمر الله. وأراد رسول الله العمرة والطواف حول بيت الله، وأراد الله صدّ الكفّار، والحلق، ونحر البُدن في وسط الصحراء، والرجوع إلى المدينة بلا عمرة.
ولا دخل لنا بهذا المنطق العُمَرِيّ؛ فعمر كان يعرف منهجه الفكري. إلّا أنَّ ما نريد معرفته هنا أنّ هذا المنطق مخالف لمنطق الإسلام، ومعاكس لمنطق القرآن، ومغاير لدأب رسول الله وديدنه، ومناهض لآراء أرباب الأديان السماويّة.
وفي ضوء الآراء العمريّة، فإنّ سَوْقَ أمير المؤمنين عليه السلام إلى المسجد حاسر الرأس ليبايع، وكسر ضلع الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام، وإجهاض جنينها البريء: المحسن، وغصب فدك وهي نحلة الزهراء الصدّيقة، كلّ ذلك إرادة الله. ولو لم يرد الله، لما وقع. وبوجه عامّ، فلا معنى لغصب الولاية في رأيه، ذلك لأنّ عنوان الغصب في هذه الحالة ليس له تحقّق خارجيّ أبداً. فكلّ من تسنّم منصباً بأيّ شكل وعنوان، فإنّه على الحقّ، وأنّ ذلك قد جرى بإرادة الله!
وهكذا فإنّ الجرائم الواقعة في سقيفة بني ساعدة، وسَوق الناس إلى البيعة، في وقت كان جثمان رسول الله ملقى على الأرض لم يدفن بعد، والأحداث التي أعقبت السقيفة خلال مدّة حُكم الخلفاء الثلاثة التي امتدّت خمساً وعشرين سنة، ثمّ تمرّد معاوية وبغيه، واغتيال أمير المؤمنين عليه السلام في المحراب، والظلامات التي عانى منها الإمام الحسن عليه السلام، والأحداث الدامية المؤلمة في كربلاء، والمشاهد الموجعة المتمثّلة في سبي الحوراء زينب عليها السلام على مرأى من أهل الكوفة والشام والبقاع الاخرى و... و... و... قد جرى بأجمعه بإرادة الله! ولو لم يشأ ذلك، لم يحدث! ولهذا فقد كان الحقّ مع الذين ارتكبوا تلك الجرائم، وبالملازمة فقد كان الحقّ مجانباً لُاولئك المظلومين المشرّدين الذين نهشتهم السيوف من أجل إعلاء كلمة الحقّ، والذين طووا تلك الفيافي والقفار جياعاً ظامئين على جمال بغير غطاء ولا وطاء، تلفح وجوههم الشمس المحرقة.
ومن هنا يستبين للقارئ الكريم جيّداً أنّ منطق عمر كان الباعث على استبدال نبوّة الإسلام ورسول الله بالسلطنة والملكيّة والكسرويّة والقيصريّة، وكان الباعث على تحكّم الأمويّين والعبّاسيّين في رقاب المسلمين طيلة ستّة قرون متوالية وبالتالى افول دين الإسلام المقدّس وانكدار نجم النبوّة المصحوبة بولاية الرسول الأعظم وطهارته التي انبثقت عنها طهارة أهل البيت وأئمّة الحقّ. وهو الذي جعل الحكومة الجائرة والظالمة لكسرى وقيصر تتقمّص شكل الخلافة الإسلاميّة، ويظهر الحكّام بمظهر خلفاء المسلمين.
وما الفرق بين نظريّة عمر ونظريّة الناهبين والطامعين الدوليّين في عالم اليوم؟ فهؤلاء يقولون أيضاً: من كانت الحكومة بيده، فله السيادة والحقيقة والأصالة التي لا تمثّل إلّا القبض على مقاليد الامور.
ونظريّة عمر في الإمامة هي نفس نظريّة" ماكيافيلّي" الإيطالىّ، أو بتعبير أصحّ: نظريّة" ماكيافيلّي" هي نظريّة عمر نفسها. ف" ماكيافيلّي" يقول أيضاً: الملاك في الشرف والأصالة والواقعيّة عند الإنسان هو القبض على مقاليد الامور، ومن كانت له الحكومة، فهو عزيز ومنصور، وقد بلغ هدفه. ومن كان فاقداً لها، فهو متخلّف عن قافلة الوجود؛ وناءٍ عن موكب الظافرين الذين بلغوا الهدف.
والفارق بينهما فقط في اختلاف التعبير. فعمر يعبّر عن القدرة الفعليّة، والاستيلاء على المنصب بأنهما يتحقّقان عمليّاً في الخارج بإرادة الله. أمّا" ماكيافيلّي" فيعبّر عن ذلك بالواقعيّة والأصالة وملاك الشرف، ومثالها من المفردات.
ولكم أن تقارنوا بين هذا المنطق ومنطق سيّد الموحّدين ومولى المتّقين أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام إذ يقول: "وَاللهِ لَوْ اعْطِيتُ الأقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أفْلَاكِهَا على أنْ أعْصِيَ اللهَ في نَمْلَةٍ أسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ مَا فَعَلْتُ؛ وَإنَّ دُنْيَاكُمْ عِنْدِي لأهْوَنُ مِنْ وَرَقَةٍ في فم جَرَادَةٍ تَقْضَمُهَا! مَا لِعَلِيّ وَلِنَعِيمٍ يَفْنَي وَلَذَّةٍ لَا تَبْقَى"![42]
ومنطق عمر يقارب منطق أبي سفيان الذي كان يخال أنّ الحكومة تمثّل ابّهة وجلالًا وعظمة من منظار هذه الدنيا وهذه النشأة. وكان ينكر الرابطة بين النبوّة والاتّصال بعالم الغيب، والحكومة الإلهيّة الحقّة. وبعبارة اخرى، كان يقول: إنّ ما قاله محمّد عن هذه الدنيا وحكومتها وإمارتها يتعلّق بشؤون هذه الدنيا. والحكومة؛ والسلطنة، فلا خبر من عالم الغيب. ولا معنى للارتباط به، ولا معنى لخضوع هذا العالم لأحكام ذلك العالم.
ولم يستطع أبو سفيان أن يتصوّر معنى الشهامة والتضحية والجهاد والإيثار للّه والحقيقة وبلا أيّ توجّه مادّيّ؟ ولم يستطع أن يتصوّر أنّ جنود الإسلام الذين يضربون بسيوفهم ليس لهم هدف مادّيّ، ولا طموح إلى الرئاسة والحكومة على الناس، فعملهم للّهِ وفي اللهِ.
والطابور العظيم من المنافقين- سواءً الذين أسلموا في فتح مكّة، أو الذين بهرتهم عظمة الإسلام فلم يجدوا بدّاً من أن يظهروا إسلامهم- يتألّف من أمثال هؤلاء الأشخاص.
وكان المنافقون جماعة كثيرة تعدّ من الصحابة. أسلموا في الظاهر وشهدوا بوحدانيّة ورسالة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم إلّا أنّ قلوبهم لم تسلم ولم تؤمن، وكانوا ينظرون إلى الإسلام في باطنهم كحكومة قوميّة أو إمارة دنيويّة.
[1] قسم من الآية3، من السورة 5: المائدة.
[2] مقطع من الآية43، من السورة 16: النحل.
[3] صدر الآية103، من السورة 3: آل عمران.
[4] الآية8، من السورة 102: التكاثر.
[5] صدر الآية59، من السورة 4: النساء
[6] قسم من الآية33، من السورة 33: الأحزاب.
[7] الآية61، من السورة 3: آل عمران.
[8] قسم من الآية23، من السورة 42: الشوري.
[9] الآية6، من السورة 98: البيّنة.
[10] الآيتان 1 و 2، من السورة 78، النبأ.
[11] الآية207، من السورة 2: البقرة.
[12] الآية12، من السورة 58: المجادلة.
[13] الآية43، من السورة 13: الرعد.
[14] قسم من الآية4، من السورة 66: التحريم.
[15] قسم من الآية3، من السورة 9: التوبة.
[16] قسم من الآية12، من السورة 69: الحاقّة.
[17] الآية130، من السورة 37: الصافّات.
[18] قسم من الآية22، من السورة 39: الزمر.
[19] قسم من الآية153، من السورة 6: الأنعام.
[20] «تاريخ بغداد» للحافظ الخطيب، ج 4، ص 410. طبعة مطبعة السعادة- مصر.
[21] «حلية الأولياء» للحافظ أبي نعيم الإصفهانيّ، ج 1، ص 63 و 64، طبعة مطبعة السعادة- مصر.
[22] الآية55، من السورة 5: المائدة.
[23] الخَوفَةَ أو الكوَّة، نافذة صغيرة تترك مفتوحة في الغرفة ليؤدي الضوء إلي البيت.
[24] الآيتان 32 و 33، من السورة 35: فاطر.
[25] نفس المصدر السابق.
[26] نفس المصدر السابق.
[27] «غاية المرام»، تحت الحديث رقم 9، من ص 219 إلي 222.
[28] ملخّص ما جاء في «سيرة ابن هشام» ج 3، ص 781 إلي 784؛ و في تفسير «مجمع البيان» ج 5، ص 116 إلي 119، طبعة صيدا؛ و في «بحار الأنوار» طبعة الكمباني ج 6، ص 562؛ نقلًا عن «تفسير عليّ بن إبراهيم».
[29] «إعلام الوري» ص 138؛ و «علل الشرائع» ص 413، طبعة دار إحياء التراث العربيّ؛ و «فروع الكافي» ج 4، ص 249 و 246 طبعة الآخونديّ.
[30] «الوفاء بأحوال المصطفي» ج 2، ص 210؛ و كتاب «حياة محمّد» لمؤلّفة هيكل، ص 461.
[31] «حياة محمّد» لهيكل، ص 460 و 461، طبعة مطبعة مصر.
[32] «تفسير الميزان» ج 2، ص 90؛ عن «مسند» أحمد بن حنبل. طبعة الآخونديّ.
[33] «الطبقات الكبرى» لابن سعد، ج 2، ص 244. طبعة دار صادر، بيروت.
[34] «حياة محمّد» لمحمّد حسنين هيكل، ص 474 و 475.
[35] نفس المصدر السابق.
[36] «تاريخ دمشق» لابن عساكر، ج 2، ص 307 إلي 311، طبعة دار التعارف، بيروت.
[37] «شرح نهج البلاغة» ج 12، ص 78 و 79.
[38] الآية9، من السورة 47: محمّد صلّى الله عليه و آله و سلّم.
[39] قسم من الآية68، من السورة 28: القصص.
[40] «الإمام عليّ بن أبي طالب» لعبد الفتّاح عبد المقصود، ج 1، ص 220، طبعة منشورات مكتبة الوفاق، بيروت.
[41] «الكامل في التاريخ» ج 7، ص 101.
[42] «نهج البلاغة» الخطبة 216، عبده.
الاكثر قراءة في مقالات قرآنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)