سياسة الحرب النفسية على المستوى العسكري
المؤلف:
الدكتور بطرس خالد
المصدر:
الإعلام والحرب النفسية
الجزء والصفحة:
ص 52- 56
2025-11-29
18
سياسة الحرب النفسية على المستوى العسكري:
من المعلوم أن الحرب تقوم على صراع الإرادات، إنها صراع إرادتي خصمين يحاول كلاهما أن يجبر خصمه على الرضوخ لإرادته، فالهدف الأساسي لأي حرب، هو كسر إرادة الصمود لدى العدو وبالدرجة الأولى قيادته، وإجباره على الاستسلام الكامل غير المشروط، أي تجريده من الإمكانات والقوى المادية والمعنوية، وجعله لا إرادياً يتراجع في كل موقع حاملاً معه خسائره الكبيرة، ولا ريب أن أخطر أسلحة الحرب فتكاً هي التي تستهدف تمزيق الروح المعنوية وتساعد الخصم على تحقيق سياسة دولته وأهدافها، لهذا نجد جميع الجيوش في العالم تستخدم أساليب الحرب النفسية لتحجيم قوة الخصم، ومحاولة التأثير على معنوياته والقضاء عليها من جهة، ورفع معنويات قطعها العسكرية وتحريكها باتجاه إيجابي للصمود أمام الأزمات في أوقات الشدة والخطر من جهة ثانية... من هنا، لنا أن نتصوّر خطورة الدور الذي تلعبه الحرب النفسية، خاصة في المجال العسكري، فالجيش هو نواة الدولة، وأي نقد أو تشهير أو فشل يطاله، هذا معناه بالتأكيد، بأن الدولة نفسها قد سُلّط عليها الضوء، وطالها النقد، وحاصرها الفشل.
فإذا قيل مثلاً، أن سياسة الدولة ليست متزنة، أو أن وضعها الداخلي مرتبك أو أن اقتصادها ليس مستقراً، أو إذا أثيرت حولها الشائعات والتصورات التي لا تمت إلى الحقيقة بصلة، لتشويه صورتها والانتقاص من قوتها ودفاعاتها الهادفة إلى تحقيق النمو الشامل، هنا تستطيع الدولة أن تأخذ موقف الدفاع وترد على مثل هذه المواقف من دون أن تشعر بإحراج كبير، فبيان أو تصريح من المسؤول المعني بالأمر المشار إليه، قد يُطمئن من يهمهم الأمر، أو يجنبهم القلق على أقل تقدير، ويصحح ما أشارت إليه الشائعات عن أن النشاط الذي تقوم به ليس مجدياً.
أما حين تتسرّب شائعة تنطوي على أبعاد وخلفيات تؤثر مباشرة على معنويات الجيش وتشكّل استغلالا للمشاعر الوطنية، هنا تصبح المشكلة أكبر وأخطر، ذلك أن بوادر القلق وعدم الارتياح والرضا تولّد في النفوس أعراض الانفعال والاضطراب من الوضع السائد وبالتالي ينعكس بصورة عجز وارتباك في صفوف الجيش وينتقص من قدرة العسكريين ويمنعهم عن الاستجابة والمشاركة الفعالة ويقودهم إلى الفشل.
وهذه الحالة شغلت اهتمام الباحثين في علم النفس نسبة لخطورتها، وقد وجدوا أنه لابد من اتباع طرق لإثارة انتباه الجنود إلى فعالية القيادة وأهدافها، بحيث يتمكن القادة من عزل الحرب النفسية التي يشنها الخصم ضد قضيته، لأن الجندي عليه أن يؤمن بالهدف، ويكون متأكداً من أن النظام الذي يسود قيادته سليم، وأن يكون مقتنعاً من أنه يقاسي ويعيش المحن لأسباب ودوافع وطنية مقدسة ونبيلة وليس جزافاً، وهنا يأتي دور التوجيه المعنوي، ودور التوعية التي تعزز إيمان الجندي بوطنه وقيادته وتجعله أكثر قدرة وتعاطفاً، ولديه مقومات الاستمرار والتواصل والنضال، فلا تغريه شائعة أو تجعل منه هدفاً سهل المنال.
دور التوجيه المعنوي:
شدد علم النفس العسكري على أهمية دور التوجيه في إعداد المقاتلين ورفد استعدادهم للمضي قدماً بثبات من دون الوقوع في ثغرات التراجع، وعلى ضوء معطيات الظروف القائمة، مهما كانت الدوافع والمبررات التي تقف لهم بالمرصاد، إذ يفترض بكل مقاتل أن يتمتع بإرادة صلبة ويظل مؤمناً بمواقف قيادته، فالخطر كل الخطر، أن تستدرجه إحدى أساليب الحرب النفسية إلى الإحباط، فالجندي لا يكون جندياً إذا بدا منهكاً، مستسلماً، فاقد القدرة على الاستجابة لنداءات واجباته العسكرية. أما الجانب الأكثر أهمية الذي أُشير إليه في مجال مواجهة الحرب النفسية، فهو اعتماد برنامج توجيهي واضح يستند إلى مبررات تساعد المقاتل على تقبل الهدف الذي أعدُ من أجله، ويتضمن فقرات مُعدة بصورة منظمة ترفد استعداد الجنود وتعطيهم الحوافز التي تحصن دفاعاتهم النفسية، وترتقي بمعنوياتهم إلى أعلى مستوى من التكامل.
وقد حدّد علم النفس اتجاهات الحرب النفسية شقين في أساسيين، وهما:
- حماية المقاتل من الانجراف وراء التيارات الهدّامة.
- وتوجيه نشاط مكثف من أجل الحد من قوة الخصم ومنعه من الاستمرار في شن حملاته الهجومية ضد مصالحه.
وهذا يشترط بالتأكيد وجوداً فعالاً ونشيطاً داخل المؤسسات العسكرية يأخذ على عاتقه إنجاز هذه المهمة التي تتطلب الدقة والذكاء وشخصية موثوقاً بها.
وبذلك تعتبر الحرب النفسية من أهم موضوعات الساعة، ويمكن أن نطلق عليها تسمية "مرض التحدي"، لأنها تتحدى المعنويات وتستخدم أسلحة حادة تطعن الشخصية وينتج عنها تلوث فكري وسلوكي، وهذا شيء خطير توقف عنده علم النفس واعتبره محوراً أساسياً في نضاله مع أزمة الحرب النفسية التي أصرّ على أنها حرب باردة هي حرب أعصاب؛ قد تكون حرباً بلا مدافع وبلا سلاح موجه، ولكنها أشد خطراً لأنها تعتمد على أساليب خبيثة تصيب الإنسان في إنسانيته وتعطيه شعوراً بالخيبة يقلل من قابليته على التحسس بمسؤولياته الوطنية، ويجعله عاجزاً عن تفهم الظروف ومجابهتها بالأساليب الواقعية والعملية.
وتعمد الحرب النفسية في سياستها إلى استخدام الوسائل التي تحدث شرخاً عميقاً في خصال الشخصية ومظاهر السلوك وفي طبيعة الأداء والآراء والمعتقدات والقيم المعنوية والروحية للفرد، ومن تلك الأساليب:
1. استخدام أساليب الابتزاز غير المشروع لتهديد أمن وسلام الدول ودفع قواتها المسلحة إلى الاستسلام.
2. ضرب الموارد الأساسية وافتعال الأزمات السياسية والاقتصادية للتأثير على الرأي العام.
3. تعميق الشعور العام بفقدان العدالة للتشكيك بسلامة النظام الداخلي، وإرساء حالة من الترقب والاحتجاج والتمرد على الأمر الواقع والأوضاع السائدة.
4. إثارة النعرات الطائفية ليسود التباغض بين أبناء الشعب الواحد ويعيش الأفراد عمق مرارة الوضع المشحون بالتشويش والقلق، وهذا يفتح خندقاً عميقاً بين أبناء الشعب المنقسم، وتقع البلاد في مأزق حرج؛ وحدّة الصراع هذه بالتأكيد تخدم الخصم.
5. بثّ الشائعات بهدف إلهاء العسكريين عن الاندفاع وعن الوقوف صفاً واحداً للدفاع عن قضيتهم وأهدافها.
6. اعتماد أساليب الدعاية التي رأى فيها علم النفس توأماً للشائعة، لها نفس الخطورة كمصدر مؤثر على الرأي العام لسعة انتشارها إلى درجة لا يضاهيها أي مرض آخر....
وتأسيساً على ما سبق، يتضح دور الحرب النفسية ،وأهميتها سلماً وحرباً، إذ توجه وتشن للحليف والصديق، المحايد والمعادي، وأن هذه الأهمية في الحقيقة ما هي إلا أحد التداعيات التي تميز النظام العالمي الجديد وتتطلب التكامل والشمولي، سواء في الحرب أو السياسة أو الاقتصاد، ولا تقتصر على طرف دون الآخر، من خلال كونها تمثل إحدى الآليات الرئيسية في إدارة الأزمات بين أطراف الصراع، بل أصبح التوسع في استخدام وسائلها وطرقها وأساليبها المختلفة وعلى كافة المستويات لدعم وتحقيق الغايات والأهداف القومية للدول من أهم سمات النظام العالمي للحصول على دور مؤثر ومتميز يحقق غاياتها وأهدافها.
وفي المقابل، فإن عدم الاهتمام أو تبني هذا البعد الرهيب أو ما يُطلق عليه السياسة النفسية للدولة وتحديد وتقنين علاقاتها وباقي السياسات الاستراتيجية التخصصية للدولة سيؤدي، حتماً، إلى:
- التأثير السلبي لقوى الدولة الشاملة (سياسية، اقتصادية، عسكرية)، من جهة.
- حدوث هزات عنيفة في المجتمعات السياسية والداخلية والعسكرية للدولة على المستوي المحلي أو الإقليمي والدولي من جهة أخرى.
الاكثر قراءة في الدعاية والحرب النفسية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة