الحرب النفسية في الحرب العالمية الثانية
المؤلف:
الدكتور بطرس خالد
المصدر:
الإعلام والحرب النفسية
الجزء والصفحة:
ص 36- 41
2025-11-29
19
الحرب النفسية في الحرب العالمية الثانية:
إن مجالات الدعاية في كلتا الحربين العالميتين كانت متشابهة، غير أن مجهودات الحرب النفسية في الحرب العالمية الثانية كانت أكبر في مجالها، فأصبح اسم الحرب النفسية الاسم الجديد للدعاية وبدأ الراديو يلعب دوراً رئيسياً في نشر الدعاية على عدد كبير من المستمعين الهدف، وفي فترة الحرب الثانية استطاعت دول المحور (روما، برلين، طوكيو) أن تنال رضا شعوبها في القيام بحرب عدوانية أولاً ثم تفتيت خصومها للحصول على النصر، وكان عليها أن تدخل الخوف والرعب في نفوس أعدائها المباشرين، وقد استخدمت الدعاية السوداء بشكل واسع النطاق قبل العمليات الحربية يرغم ما بذل من جهد كبير لإخفائها.
1- الدعاية الألمانية والبريطانية:
يرى الألمان أن الدعاية هي العامل الحاسم في الحرب النفسية الحديثة الذي يمكن استخدامه لهزيمة العدو بأقل قدر من إراقة الدماء.
وقد نسقت وزارة الدعاية الألمانية جميع نشاطات الدعاية وأثرت وسيطرت بشكل كامل على كل أوجه الحياة الاجتماعية مبلورة الرأي العام المطلوب في ألمانيا وخارجها، وقامت وسائل الإعلام النازية وهيئاتها بالمبالغة في وصف آلة الحرب الألمانية التي لا تقهر.
لقد اكتشف الألمان نقاط الضعف النفسية في خصومهم وتضمن هذا الضعف الخوف والرعب من الحرب، والرأي المعارض للحرب في أوروبا، فأخذوا يقدمون متطلباتهم لخصومهم موفرين لعدوهم طريقاً آخر لتفادي حرب أخرى مما مكنهم من إعادة احتلال أرض الراين وضم النمسا وتشيكوسلوفاكيا بهذا
الأسلوب.
ساعدت الدعاية الألمانية في نجاح الدعاية البريطانية، حيث أنها وقفت موقف المدافع للرد على دعايات الحلفاء، وهذا نوع سيء من الدعائية لأنه يذكر المستمع أو القارئ برأي العدو، كما إن محاولة الرد على هذه الدعايات حملت الناس على الظن بأن الألمان يحاولون استثارة عطف الأمريكان والعالم.
لقد استطاعت وكالات الأنباء البريطانية والحليفة أن تتوصل إلى نتائج بعيدة المدى في كسب الرأي العام في مناطق كثيرة من العالم إلى جانب الحلفاء وذلك من خلال:
أ. إلقاء مشاعر اليأس والقنوط في قلوب الألمان، وكان ذلك بتوجيه الدعاية إلى العدو عن طريق اعتمادها على المطبوعات والنشرات التي تلقيها الطائرات على صفوف الأعداء، وقد كانت هذه النشرات تحتوي على حقائق ولكن ليس كل الحقائق، وغايتها من ذلك كانت كسب ثقة الأعداء.
ب. وضع جواسيس داخل بلاد العدو ساعدوا على نشر النشرات وكتابة الشعارات العدائية على الحوائط ونشر الشائعات التي تفتت الأعداء، وكانت هذه الوسيلة الوحيدة للنشر قبل اختراع المذياع.
لقد نجحت هذه الدعاية وصدقها الناس، وبتكرارها أكثر من مرة وانتشارها بين الناس أصبحت حقيقة لا شك فيها، وكان للصحافة دور كبير أيضاً وذلك بتضخيم الأخبار والمبالغة فيها حتى أيقن الناس بصدق الشائعات، وهذا ما ساعد على تعبئتهم نفسيا للقتال ضد العدو الألماني، وهكذا نجحت دعاية الحلفاء في تحقيق أهدافها الثلاث، وهذا مما دفع بالألمان إلى الجنوح للسلم بعد أن صار موقفها الحربي في غاية السوء مما هدد بوقوع كارثة.
لقد استسلمت الدانمارك والنرويج والأراضي المنخفضة جزئياً نظراً للخوف من الحرب الذي خلقته وسائل الدعاية الألمانية، وكان للحرب الخاطفة وغارات الألمان الجوية والبرية في عمق المنطقة الخلفية لقوات الحلفاء وتدمير قياداتها أثر كبير، إضافة إلى أن قوات الحلفاء كانت تتوقع أن تكون الحرب شبيهة في استراتيجيتها وتكتيكاتها بالحرب العالمية الأولى مما وضعها في موقف نفسي لم تكن مستعدة للتعامل معه.
ولقد حقق الألمان ثلاثة انتصارات في المجالات التالية:
- في المجال السياسي: بجعل كتلة كبيرة من الرأي العام الدولي ترى أن مستقبل العالم يتوقف على الاختيار بين الشيوعية والفاشية.
- في المجال الاستراتيجي: حيث تبدو كل ضحية على أنها الضحية الأخيرة.
- في الميدان السيكولوجي: باستخدام (الذعر الكامل) بجعل الشعب الألماني نفسه يخشى من تصفية الشيوعية له، كما استخدمت أفلام عمليات الحرب الخاطفة لإخافة الجماعات الحاكمة في دول أخرى ولتحطيم المعنويات، وتسبب عن ذلك ما يسمى (بالانهيار العصبي) للأمم وذلك بإبقائها دائماً في حالة شك وعدم تيقن مما يمكن أن يحدث لها غداً.
من ناحية أخرى لوحظ أن كلاً من ألمانيا وبريطانيا وجدتا في الإذاعة وسيلة فعالة يمكن توجيهها إلى كل دول أوروبا على الموجات العادية بل تستطيع كل منهما أن تتداخل في الإذاعة الأخرى بالقيام بما يسمى "أعمال التشويش". ولقد ركز كل منهما على جذب أكبر عدد من المستمعين ومحاولة التأثير في عواطفهم ومعتقداتهم وولائهم.
2- الدعاية الأمريكية:
أنشأت أثناء الحرب العالمية الثانية وكالتين شاركتا في عمليات العمليات النفسية. كانت إحداهما مكتب معلومات الحرب الذي تولى السيطرة على الدعاية المحلية والدعاية البيضاء المستخدمة في الخارج، وقد بذلت جهود مكثفة لتعبئة الشعب الأمريكي وضمان مساندته للحرب وقامت صناعة السينما والحكومة بإنتاج أعداد هائلة من الأفلام تناولت الموضوعات الأساسية في الحرب وكان من أشهرها سلسة أفلام فرانك كابرا (لماذا نحارب) أما الوكالة الثانية فهي "مكتب الخدمات الاستراتيجية" الذي تتلخص مهامه الرئيسية في الآتي:
- جمع معلومات الاستخبارات.
- القيام بعمليات الدعاية السوداء.
- القيام بعمليات الدعاية الهدامة من مؤامرات وتقويض بالتعاون مع السلطات العسكرية النظامية. هذا وقد تم إنشاء شعبة العمليات النفسية الخاصة بالقوات المسلحة تحت خدمات الاستخبارات العسكرية للجيش (G2D).
أما الحرب النفسية في الميدان فقد كانت تدار بواسطة شعبة العمليات النفسية في مسرح العمليات الأوروبي وفرع العمليات النفسية في الباسفيك. وتم تطوير الحرب النفسية التكتيكية الأمريكية في مسرح العمليات في البحر الأبيض المتوسط وأوروبا. فشكلت وحدات الدعاية في الجيش للعمل، مع تزويدها بمحطات لا سلكية متحركة ومطابع ذات قدرة عالية للإنتاج حتى أصبحت المنشورات التعبوية تنتج كلية ضمن وحدات الجيش للعمليات النفسية، كما استخدمت مكبرات الصوت المركبة على الطائرات والمدرعات وقد أثبتت الأخيرة نجاحها ضد الألمان في أوروبا وجزيرة أوكيناوا.
3- الدعاية اليابانية:
لم يأتوا بجديد في الحرب النفسية، وقد أحسنوا استخدام الأنباء في اجتذاب المستمعين الأمريكيين واستمرت وكالة "دومي" في إصدار نشراتها بالإنجليزية وأجهزة مورس اللاسلكية في إرسال الأنباء للصحف الأمريكية.
4- الدعاية الروسية:
نجح الروس في معركة الحرب النفسية، إذ قاموا بتجميع مواطنيهم وتكتيلهم ضد العدو، إذ طالبوا الشعب بأداء الصلوات في الكنائس من أجل النصر، وأطلقوا على الحرب اسم "الحرب الوطنية الكبرى" وأعادوا للألمان ذكرى (فردريك) وبعثوا نصيحة (بسمارك) بعدم إلقاء جنودهم في أي مغامرة نحو الشرق من بلادهم، وأثاروا طبقة (اليونكرز) ضد النازيين غير المحترفين، الذين يحطمون الجيش الألماني، واستخدموا الأسرى الألمان في الدعاية وجعلوا الجنرالات النازيين يتحولون إلى حركة ألمانيا الحرة.
الاكثر قراءة في الدعاية والحرب النفسية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة