التاريخ والحضارة
التاريخ
الحضارة
ابرز المؤرخين
اقوام وادي الرافدين
السومريون
الساميون
اقوام مجهولة
العصور الحجرية
عصر ماقبل التاريخ
العصور الحجرية في العراق
العصور القديمة في مصر
العصور القديمة في الشام
العصور القديمة في العالم
العصر الشبيه بالكتابي
العصر الحجري المعدني
العصر البابلي القديم
عصر فجر السلالات
الامبراطوريات والدول القديمة في العراق
الاراميون
الاشوريون
الاكديون
بابل
لكش
سلالة اور
العهود الاجنبية القديمة في العراق
الاخمينيون
المقدونيون
السلوقيون
الفرثيون
الساسانيون
احوال العرب قبل الاسلام
عرب قبل الاسلام
ايام العرب قبل الاسلام
مدن عربية قديمة
الحضر
الحميريون
الغساسنة
المعينيون
المناذرة
اليمن
بطرا والانباط
تدمر
حضرموت
سبأ
قتبان
كندة
مكة
التاريخ الاسلامي
السيرة النبوية
سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام
سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام
الخلفاء الاربعة
ابو بكر بن ابي قحافة
عمربن الخطاب
عثمان بن عفان
علي ابن ابي طالب (عليه السلام)
الامام علي (عليه السلام)
اصحاب الامام علي (عليه السلام)
الدولة الاموية
الدولة الاموية *
الدولة الاموية في الشام
معاوية بن ابي سفيان
يزيد بن معاوية
معاوية بن يزيد بن ابي سفيان
مروان بن الحكم
عبد الملك بن مروان
الوليد بن عبد الملك
سليمان بن عبد الملك
عمر بن عبد العزيز
يزيد بن عبد الملك بن مروان
هشام بن عبد الملك
الوليد بن يزيد بن عبد الملك
يزيد بن الوليد بن عبد الملك
ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك
مروان بن محمد
الدولة الاموية في الاندلس
احوال الاندلس في الدولة الاموية
امراء الاندلس في الدولة الاموية
الدولة العباسية
الدولة العباسية *
خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى
ابو العباس السفاح
ابو جعفر المنصور
المهدي
الهادي
هارون الرشيد
الامين
المأمون
المعتصم
الواثق
المتوكل
خلفاء بني العباس المرحلة الثانية
عصر سيطرة العسكريين الترك
المنتصر بالله
المستعين بالله
المعتزبالله
المهتدي بالله
المعتمد بالله
المعتضد بالله
المكتفي بالله
المقتدر بالله
القاهر بالله
الراضي بالله
المتقي بالله
المستكفي بالله
عصر السيطرة البويهية العسكرية
المطيع لله
الطائع لله
القادر بالله
القائم بامرالله
عصر سيطرة السلاجقة
المقتدي بالله
المستظهر بالله
المسترشد بالله
الراشد بالله
المقتفي لامر الله
المستنجد بالله
المستضيء بامر الله
الناصر لدين الله
الظاهر لدين الله
المستنصر بامر الله
المستعصم بالله
تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام
شخصيات تاريخية مهمة
تاريخ الأندلس
طرف ونوادر تاريخية
التاريخ الحديث والمعاصر
التاريخ الحديث والمعاصر للعراق
تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي
تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني
تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق
تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى
العهد الملكي للعراق
الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق
قيام الجهورية العراقية
الاحتلال المغولي للبلاد العربية
الاحتلال العثماني للوطن العربي
الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية
الثورة الصناعية في اوربا
تاريخ الحضارة الأوربية
التاريخ الأوربي القديم و الوسيط
التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر
المجتمع الإغريقي في مصر خلال القرن الثالث ق.م مستخلَصًا مما جاء في سجلات (زينون)
المؤلف:
سليم حسن
المصدر:
موسوعة مصر القديمة
الجزء والصفحة:
ج14 ص 631 ــ 644
2025-08-31
32
والآن نرى لزامًا علينا أن نبحث في هذا الفصل عن علاقة الإغريقي بالإغريقي لتكون الموازنة كاملة والموقف بَيِّنًا جليًّا، ولأجل أن نفهم هذا الموقف لا بد أن نرجع قليلًا لنرى باختصار إلى أي مدًى كان نفوذ الإغريقي في مصر قبل احتلال البلاد على يد «الإسكندر»، وذلك على الرغم من أننا عالجنا هذا الموضوع فيما سبق.
ولا نزاع في أنه في مدة عصر الانتقال التي تقع ما بين القرن الرابع والقرن الثالث ق.م قد وُلد عالَم جديد في الجزء الشرقي من حوض البحر الأبيض المتوسط؛ إذ الواقع أنه قد نمت بعض ممالك هيلانستيكية بسرعة خاطفة لتصل إلى قمة مجدها وغايتها في خلال القرن الثالث ق.م.
وقد انتشر إغريق شبه جزيرة البلقان والمستعمرات الإيطالية والصقلية وقبل كل شيء كل أهل المدن الإغريقية البحرية الممتدة كتلة واحدة في كل إقليم الدولة الفارسية القديمة، وهي التي فتحت أبوابها أمامهم بحد سيف الإسكندر الأكبر، وقد خلق هذا التدفق الجارف من السكان الإغريق أمام الممالك الهيلانستيكية التي نشأت حديثًا مشكلة حياة أو موت لهم، ومن أجل ذلك عمل ملوك هذه الحكومات المستحيل لجذب المهاجرين إلى بلادهم واستيطانهم فيها، ونجد أثر ذلك في الأدب الإسكندري، وذلك لأن الكُتاب الإغريق كانوا يعرفون أن تشجيع مواطنيهم على التواطن في مصر يعتبر من الأمور التي تروق في أعين الحماة الملكيين، وقد كان ذلك بالضبط ما حدث في البلاد المصرية التي سنحت فيها الفرص بصورة رائعة للإنسان أن يرى أمامه تكوين المجتمع الهيلانستيكي، ويرجع الفضل في ذلك إلى المواد التاريخية الغزيرة التي تكشفت عنها تربة أرض مصر بصورة منقطعة النظير في أيامنا.
ونتساءل مرة أخرى ما هي الدوافع التي جذبت الإغريق إلى مصر؟ والجواب على ذلك سهل ميسور، فقد أكد لنا المؤرخ «تارن» باختصارٍ ذلك بقوله: إن الإغريق أتوا إلى مصر ليصبحوا أغنياء، ولا غرابة في ذلك فإن سجلات «زينون» تقدم لنا الجزء الأكبر من موادها الخاصة بمصر في خلال القرن الثالث ق.م ما يوحي بذلك في كل وثيقة من وثائقها تقريبًا، ولكن السؤال المهم هو أن نعرف بالضبط كيف أن الإغريق أغنوا أنفسهم في مصر؟ وما هي مصادر الدخل التي هيأت لهم على شواطئ النيل جمْعَ هذا الثراء؟ وأخيرًا ما هو العامل أو العوامل التي ألفت من هذه الجمهورية المختلفة الألوان المجتمع الهيلانستيكي في دولة البطالمة.
والواقع أنه ليس في استطاعتنا أن نقدم حلًّا شافيًا لهذه المسألة بما لدينا من الآثار التي كُشف عنها حتى الآن، وقد لا يكون الحل أقل إيضاحًا إذا قصرنا جوابنا على ما لدينا من المعلومات التي نجدها في سجلات «زينون» فلماذا إذن نتوقف عن فحص هذا الموضوع من أوراق «زينون»؟ والواقع أن سجلات زينون تتمثل لنا في وحدة مؤتلفة متجانسة إلى حد كبير من الوثائق تهيئ لنا أن ننفذ بعمق في مسائل كان يمكن أن يخطئها التفاتنا إذا فحصنا متونًا خاصة لا رابط بين الواحدة بالأخرى، وعلى ذلك يظهر أنه إذا حللنا الوثائق التي تتألف منها هذه السجلات فإن ذلك لا يمكن أن يلقي ضوءًا ساطعًا على موضوع بحثنا.
ولا بد لمعرفة مجتمع ما من أن يرجع الباحث إلى أسسه الاقتصادية، وعلى ذلك يجب علينا قبل كل شيء أن نجيب على السؤال الأول الذي سألناه هنا وهو: ما هي مصادر الدخل التي وجدها الإغريق في مصر؟ وماذا عساه أن يكون في سجلات «زينون» خاصًّا بهذا الموضوع؟ وتدل شواهد الأحوال على أن العلماء قد بحثوا هذه السجلات من وجهة واحدة يمكن أن نسميها بالوجهة «الرسمية»، وهي المسائل الخاصة بنشاط «أبوللونيوس» بوصفه وزيرًا ومديرًا لضيعته بالفيوم، وكانت السياسة الاجتماعية والاقتصادية للملك تحتل المكانة الأولى في ذلك، ويعترف كل هؤلاء العلماء أن «زينون» وكذلك الإغريق الآخرين بما في ذلك الوزير كان في مقدورهم أن يهتموا بأحوالهم الشخصية وكذلك بماليتهم الخاصة، ولكنهم مع ذلك كانوا يعلمون تمام العلم أن هذه الوثائق كانت خاصة بأحوال زينون الشخصية، وعلى أية حال لا بد أن نلحظ أن الصورة التي يقدمها لنا المجتمع مستخلصة من سجلات زينون صورة مكبرة جدًّا، هذا بِغَض النظر عن صورة المجتمع الوطني الذي تحدثنا عنه في الفصل السابق، ومن ثم سنوجه كل عنايتنا هنا إلى السكان المهاجرين من الإغريق والمقدونيين بوجه خاص؛ ففي داخل المجتمع الإغريقي الحر في مصر كما نراه في سجلات زينون يمكن أن تميز بصورة عامة ثلاث طبقات:
أولًا: رجال البلاط الملكي، نذكر من بينهم «أبوللونيوس»، وكبار الموظفين والأشراف العظام الذين يظهرون نادرًا في بريد زينون مثل «ليزيماكوس» و«تلستس» ومن المحتمل كذلك «فيلينوس» Philinos وضيوف الإسكندرية الذين كانوا يأتون أحيانًا لزيارة الفيوم وهم الذين كانت زيارتهم تحدث نشاطًا عظيمًا بين السكان.
ثانيًا: الطبقة الثانية وهي التي تمتاز بكثرة عددها ووفرة الأفراد المعروفين لدينا منها، ونخص بالذكر منهم «زينون» نفسه ورجال حاشيته وهم رفاقه الذين في خدمة «أبوللونيوس» وكانوا في الواقع يؤلَّفون من رجال الإدارة الهامين في الحكومة، وكذلك كان منهم الجنود المرتزقون أصحاب الإقطاع.
ثالثًا: الطبقة الثالثة والأخيرة وتتألف من فقراء الإغريق والمُعْوِزين وهم العمال الكادحون وكانوا في العادة يتقاضون مرتبات من «أبوللونيوس» أو من الملك أو كانوا من صغار أصحاب المهن أو الزراع، وتدل شواهد الأحوال على أن الإغريق الذين كانوا في فقر مُدْقع قد فقدوا كل امتيازات بني وطنهم وألفوا مع المصريين والسوريين والعرب تلك الكتلة البشرية المجهولة من الناس الذين كان يعتمد عليهم الملك وأشراف مصر الأغنياء في إنجاز أعمالهم الشاقة مقابل أجر زهيد، ولكن هذه الأوساط الثلاثة التي ذكرناها تتصف بسمة واحدة مشتركة وهي تبعيتها لقوة أعظم منها سلطانًا؛ فقد كان رجال الطبقة الثرية جدًّا يرجع ثراؤهم إلى ما حباهم به الملك الذي كان يملك كل مصر من جاه ومال، كما أن الطبقة التي أقل منهم غنًى وكذلك الطبقة الممعنة في الفقر كان أفرادهما تابعين للملك مباشرة (ونعني بهؤلاء موظفي الإدارة وكل الخاضعين للإيرادات الملكية)، أو لموظف كبير مثل «أبوللونيوس».
وليس هناك شك في أن هذه التبعية العامة كانت أساس الحياة في مصر وبخاصة فيما يتعلق بالطبقتين الأخيرتين من طبقات المجتمع، ومع ذلك إذا ألقينا نظرة خاطفة أو حتى نظرة سطحية على ذلك لَشَاهَدْنا أن هذه التبعية لم تكن مصدر ثروة شخصية.
فنجد أنه فيما يخص «أبوللونيوس» وأشباهه كانت توجد لهم بطبيعة مصادر عديدة للدخل؛ مثال ذلك الضياع التي كانوا يملكونها والمشروعات الصناعية التي كانوا يقومون بها كصناعة المنسوجات المنفية التي كان يملكها «أبوللونيوس» وتجارة الغلال والمحاصيل الزراعية والتجارة الأجنبية، أما أفقر طبقة في المجتمع الإغريقي فإنهم إن لم يكونوا يعيشون من أعمالهم التجارية، فإنهم كانوا يشتغلون بوجه خاص بالزراعة وتربية الحيوان والحِرف اليدوية (وقد كان الإغريق بوجه خاص نساجين كما أن المصريين كانوا صناع فخار) وبتأجير الحمامات وحوانيت الجعة.
ولكن الجزء الأعظم من سجلات «زينون» خاص بالطبقة الوسطى، وكان «زينون» الذي يعد من هذه الطبقة يضع فيها أقرب رفاقه إليه ويقول المؤرخ «رستوفتزف» في كتابه عن تاريخ العالم الهيلانستيكي الاجتماعي والاقتصادي، عن «زينون» إنه كان يؤلف طرازًا لهذا العهد الذي تكوَّن فيه المجتمع الهيلانستيكي، فاستمع لقوله: «يُعد زينون مدير بيت «أبوللونيوس» طرازًا من الناس في ضيعة فيلادلفيا.» وفي نهاية عمره يظهر لنا من مراسلاته أنه لم يَعُدْ بعدُ في خدمة «أبوللونيوس»، بل كان رجلًا غنيًّا مشتغلًا بأعمال اقتصادية منوعة، ومن أجل ذلك فإن قصدنا من هذا الفصل هو تحليل دقيق للأسس الاقتصادية لموقف «زينون» في فيلادلفيا، وسنفحص رجال الحاشية المقربين منه جدًّا كلما سنحت الفرصة لإبداء ملحوظات أكيدة.
وأول وثائق في هذا الصدد تلفت النظر هي التي أُرِّخت بعام 260-259 حيث نجد فيها أن «زينون» كان فعلًا في خدمة الوزير «أبوللونيوس» وقد لقبه الأثري «إدجار» في هذه الفترة بأنه المشرف الأول على أعمال «أبوللونيوس» الخاصة في سوريا وفلسطين وفي المدن الواقعة في آسيا الصغرى. وفي عام 258ق.م أي في بداية عام 28 من حكم بطليموس قد أصبح فعلًا كاتم سر «أبوللونيوس»، ورجل ثقته في الإسكندرية وفي عام 256ق.م نجد زينون دائمًا بجانب الوزير «أبوللونيوس» وقد قام معه بعدة رحلات طويلة في أنحاء مصر، بعد ذلك نجده قد عُين في نهاية شهر أبريل من عام 256ق.م مديرًا لضيعة «أبوللونيوس» في الفيوم واتخذ فيلادلفيا محل إقامة دائم، هذا ولا نعرف على وجه التأكيد عمر هذه الضيعة، وتدل المناقشات التي جرت حول هذا الموضوع على أن «أبوللونيوس» على ما يظهر قد أنهى مجال حياته الوزاري بصورة مقتضبة في أوائل عهد بطليموس «أيرجيتيس» وأن ضيعته في فيلادلفيا قد صودرت، ومن المحتمل أن الوثيقة التي تحمل رقم 59832 في سجلات «زينون» ربما توضح لنا بعض الشيء هذه المسألة، غير أنها بكل أسف وُجِدَت ممزقة وغير مؤرخة، وقد كتب فيها دون شك طلبًا للملك جاء فيه: كنت مشرفًا على ضيعة فيلادلفيا التي كانت أُعطِيَت «أبوللونيوس» الوزير السابق حتى عام 38 (من حكم بطليموس الثاني)، وكل ما يمكن أن يحقق في هذه الوثيقة أنه منذ السنة الأولى أو الثانية من عهد «أيرجيتيس» لم يعد بعدُ «زينون» مدير الضيعة، وهذا أهم شيء في الموضوع وعلى ذلك يمكننا القول إنه في عهد «أيرجيتيس» لم يكن زينون إلا شخصًا حرًّا، والمراحل الثلاث المعروفة في حياة «زينون» هي: (1) حتى عام 256ق.م. (2) من 256 حتى 246ق.م. (3) ومن أول 246ق.م، وهذه المراحل ليست ذات قيمة متساوية من حيث فحص مصادر دخله الخاص:
(1) فالمرحلة الأولى وهي منذ العهد الذي بدأ عمله بجانب «أبوللونيوس» ليس لدينا فيها متون تقريبًا لها علاقة بأحواله الشخصية.
(2) المرحلة الثانية هي التي كان يعمل فيها مديرًا للضيعة، وقد اختلطت مصالحه الخاصة بأعمال الضيعة بدرجة كبيرة وبأعمال «أبوللونيوس» حتى إنه لا يمكن الإنسان أن يفصل الواحدة عن الأخرى إلا نادرًا.
(3) أما المرحلة الثالثة: فليس في مقدورنا أن نعرف إذا كان «زينون» يعمل باسمه لحساب نفسه بعد عام 246ق.م أو لا؟ وهذا هو السبب في أن هذه الفترة ينبغي أن نعتمد عليها عندما نريد أن نفحص مصادره الخاصة.
وقبل أن نشرع في تحليل نشاط «زينون» الحر وكذلك نشاط الإغريق الذين كانوا في محيطه يجب علينا أن نفحص الأهمية الاقتصادية التي من أجلها شغل «زينون» وظيفته في خدمة الوزير «أبوللونيوس»، ولا بد أن نلحظ هنا أولًا أن وظيفة «زينون» الرسمية التي كانت كثيرًا موضع جدل لم تكن محدودة بصورة أكيدة، ولكن لا يهمنا في هذا البحث إلا نقطة واحدة وهي ما هو الدخل الذي كانت تضمنه له هذه الوظيفة؟ والواقع أنه ليس في استطاعتنا أن نحدد مقدار مكاسبه التي كان يجنيها من «أبوللونيوس»، فقد ذكر اسمه مع أسماء أخرى من موظفي «أبوللونيوس» في قائمة مرتباتهم من الغلال، ومع ذلك فإن وظيفته كانت تهيئ له إمكانيات كسب لا حصر لها، وقد صدق «إدجار» عندما قال: وفي استطاعة الإنسان أن يخمن أن الميزة الرئيسية لمركز «زينون» كانت تنحصر في الفرص التي هُيئت له لِجمع المال بمغامراته الحرة، والموضوع الهام لدينا في هذا البحث هو أن نعرف كيف استخدم هذه الفرص وكذلك ما هي أهميتها؟ وتحليل الوثائق الخاصة بذلك يجيب لنا عن هذا السؤال.
فمن أهم مصادر أرزاق «زينون» الخاصة وأبسطها تأجير الأطيان، وبوجه خاص على ما يظهر في دائرة فيلادلفيا، وبخاصة إقطاعات الجنود المرتزقين وغيرهم من الإغريق الذين كان يمنحهم الملك أراضي، والجزء الأعظم من الوثائق المؤرخة في سجلات «زينون» يرجع إلى عهد بطليموس الثاني، ومع ذلك فإن صبغتها تبرهن غالبًا على أن «زينون» كان يشتغل لحسابه وفائدته هو وحسب، وقد وصف لنا «إدجار» هذا النشاط الذي قام به «زينون» في الفصل الذي يحمل عنوان: «زينون» وعلاقته بالمستعمرين من الجنود المرتزقين، ويظهر من رأيه أن زينون لم يكن يؤجر أرضي الجنود المرتزقة غير أن تحليل المتون لا يظهر في معظم الحالات إذا كان صاحب قطعة الأرض التي كان يؤجرها «زينون» هو من الجنود المرتزقين أم لا، ومما لا شك فيه أن الطبيب «أرتميدوروس» و«بلاتون» صديق «زينون» الإسكندري لم يكونا من رجال الجيش، ومن هنا تنشأ مسألة أخرى وهي هل كانت علاقات «زينون» مع الجنود المرتزقين تختلف عن العلاقات التي كانت بينه وبين المُلَّاك المدنيين؟
ومما يلفت النظر أن كل المتون في سجلات «زينون» المنسوبة بوجه التأكيد للجنود المرتزقين ترجع إلى عهد بطليموس الثاني، وعلى ذلك تكون في المدة التي كان يسيطر فيها «أبوللونيوس» على ضِيَعنا في فيلادلفيا فنجد في إحدى أوراق «زينون» بالقاهرة رقم 59325 المؤرخة 249 قائمة طويلة بأسماء الجنود المرتزقين وهم التابعون لمنف والتابعون لضواحي قرية أندروما خوص والتابعون لبلدة «باكخياس» وهم الذين كان لهم بقايا إيجار عام 36 من عهد بطليموس الثاني، فهل معنى ذلك أنه يمكننا أن نفرض أن نشاط «زينون» الحر الذي كان وقتئذ مدير الضيعة كان له قيمة كبيرة؟ وإذا كان «ميس» Mys الذي جاء ذكره في الوثيقة رقم 59132 من أوراق القاهرة قد استشار «زينون» فيما يجب أن يفعله مع «سيمبويس» الذي كان في نزاع مع Bassilikos Grammateus على تقدير مساحة قطعة أرض فإن ذلك إذن يعني أنه كان يخاف من فقدان المحصول، هذا وكان «ميس» وكيلًا معروفًا تمامًا «أبوللونيوس».
والأهمية التي نستخلصها من هذه الحالة وكذلك الْتجاؤه لزينون تسمح لنا أن نقترح أن مرؤوسي «أبوللونيوس» كانوا يشتغلون بزراعة إقطاعات من الأرض كذلك باسم الوزير، والظاهر أن مثل هذه الحالة ما نجده في ورقة «زينون» رقم 59389 بالقاهرة وهو عبارة عن دَين كان قد دُفع من قطعة أرض صغيرة في ضواحي «منف» ملك فرد يُدعَى ياسون Yason وزرعها «أرتميدوس» بن «سوخارس» (والأخير بدوره كان وكيل أبوللونيوس في «منف»)، وهو الذي كان لا بد له من استيراد هذا المبلغ منه، ومن المهم أن نشير هنا إلى أن المتون على ما يظهر ترينا أن «منف» بوصفها مركزًا لتأجير قطع أراضٍ ملك الجنود المرتزقين بوساطة عمال «أبوللونيوس»، ومن المحتمل أن ورقة زينون رقم 59716 من القاهرة وهي التي يعالج موضوعها توريد حبوب بلا شك لأرض الجنود المرتزقين لها علاقة بهذا النوع من الوثائق.
هذا ولدينا برهان على أن أراضي الجنود المرتزقين كانت تؤجَّر كذلك لحساب «أبوللونيوس»، وكما جاء في وثيقة أخرى، وهي مؤرخة بلا شك بعام 251ق.م ويمكن أن نقرأ فيها: تتبع الديون التي كانت مستحقة «لهرمولاوس» من حسابه الخاص بوساطة سوكلس عام 34 (من عهد بطليموس الثاني) وإذا قبلنا ترجمة الناشر لهذا المتن وهو الأثري إدجار فإنه يجب علينا أن نفرض أن الموضوع يُبحث هنا في جزء حصاد نباتات دهنية ورد إلى السكرتير المالي «هرمولاوس» Hermolaos هو حساب خاص لزينون عن حساب «أبوللونيوس»؟ ويمثل ذلك حصاد الأرض التي أجَّرها، على أن كون «سوكليس» Socles هذا الذي ذُكر في وثيقة زينون 59258 قد دفع الأجر إلى الجندي المرتزق باسم «زينون» يعتبر أمرًا يلفت النظر، وأن من المؤكد أنه إذا كان دفع هذه الحسابات قد حتم وجود دفتر حسابات منفصل لزينون، و«أبوللونيوس» فإن الوزير نفسه لا بد كان له فائدة ذاتية في زراعة قطع الأرض هذه.
وعلى ذلك يمكننا أن نستنبط أن عمال ضيعة «أبوللونيوس» كانوا يزرعون بالجملة — كما تدل على ذلك الوثيقة رقم 59325 من أوراق القاهرة — أراضي الجنود المرتزقين لحساب أبوللونيوس ولفائدته.
وبطبيعة الحال كان أصحاب النشاط والهمم بين هؤلاء الموظفين يربحون كذلك لحسابهم الخاص من هذه العملية المربحة، وتدل شواهد الأحوال على أن تأجير الأطيان على نطاق واسع من أراضي الجنود المرتزقة قد انتهى بانتهاء الضيعة التي كان يملكها «أبوللونيوس»، وينتج من وظيفة «زينون» في الضيعة أن علاقاته بأراضي الجنود المرتزقين كانت وثيقة، غير أنه من الصعب تعيينها كما هي الحال في الدور الرسمي الذي كان يلعبه في فيلادلفيا، وهذه العلاقات كانت تسمح له بإمكانيات كبيرة في تأجير أراضي الجنود المرتزقة بصفة شخصية، ومع ذلك يجب كذلك أن نواجه نقطة أخرى في ميدان هذا العمل الذي يقوم به «زينون»، وذلك أن عددًا من مرؤوسي «أبوللونيوس» ويحتمل كذلك رجال أغنياء من سكان الإسكندرية، وشخصيات من رجال بلاط الوزير كانوا يملكون أراضي في ضواحي فيلادلفيا، فهل لا يكون من السهل عليهم عند عدم قدرتهم على زرعها أن يطلبوا إلى زميلهم وصديقهم «زينون» أن يحل محلهم وبخاصة أنه الشخص الأول في فيلادلفيا صاحب الجاه؟ والظاهر أن «زينون» لم يفرق بين أراضي الجنود المرتزقين المستعمرين وبين أراضي المستعمرين المدنيين، والواقع أن الشيء الرئيسي هو المكسب الذي كان يحصل عليه، وهذا هو السبب كذلك في أن كل تمييز هنا يظهر في غير محله، ولكن مما يؤسف له أنه لا يمكن تحديد مدى هذه الإيرادات، والأدلة التي لدينا عن ذلك قليلة جدًّا، ومع ذلك نجد أن الإيجار المحدد في العقد هو إردبان من القمح عن كل «أرورا»، وإذا علمنا أن «بتوباستيس» كما جاء في متن (PSI. 400) قد قدم لزينون عشرة أرادب من القمح عن كل أرورا بشرط أن يتعهد الأخير بدفع الضرائب، فإن ذلك يعني أن نسبة ربح الإيجار للمؤجر على حسب ما جاء في بردية لزينون بالمتحف المصري رقم 59724 لا يختلف كثيرًا عن الذي جاء في وثيقة القاهرة رقم 59243 هو أن «زينون» يجب أن يتسلم الأرورات من زيت الخروع والثلث الباقي يكون لصاحب الأرض. هذا ونفهم من متون أخرى أنه يمكن أن نقترح على الأقل دخْل الزراعة من قطع الأرض لزينون، ولكن لا يمكننا أن نحدد المبلغ الإجمالي للدخل، هذا ولدينا في الواقع معلومات كثيرة جدًّا عن العلاقات التي كانت بين «زينون» وطبيب «أبوللونيوس» المسمى «أرتميدوروس» وذلك أن «أرتميدوروس» هذا كان يملك في «فيلادلفيا» أراضيَ وبيتًا وحيوانات، وكان «زينون» يقوم بأمر محصول أرضه كما كان يرعى في حالة غياب صاحب الملك الحيوان وكذلك يباشر إقامة بيته في «فيلادلفيا»، وفي بعض الأحيان كان يؤدي له أشياء مختلفة مثل شراء عسل.
ولدينا صديق آخر «لزينون» يُدعَى «بلاتون» يمتاز بلهجته الأتيكية الأنيقة؛ فقد طلب إليه على ما يظهر أن يراقب محصول أرضه في «الفيوم» (P.C.Z. 59217 (254)) ومن المحتمل كذلك كرومه (P.C.Z. 59839) وكذلك نقرأ في بردية أخرى أن «زينون» كان يقوم لكل من «نيكاندروس» Nicandros و«بيزيلكيس» Peisicles ببيع بيتهما وكرمهما، هذا بالإضافة إلى بيع دخلهما من زراعة السمسم، ونرى من الحالات السالفة الذكر أن «زينون» لم يتقيد بتأجير الأرض وحسب، ويمكن الإنسان أن يتساءل إذا كان المقصود هنا هو تأجير بالمعنى الحقيقي؟ ومن المحتمل أن «زينون» كان يؤدي فقط بعض الأشغال لأقاربه من أهل «فيلادلفيا» الذين لا يسكنون بصفة مستديمة في الفيوم، وكان يجب عليه في مقابل مبلغ من المال كما حدث مع «أرتميدوروس»، كما يشير إلى ذلك قول الأخير لزينون بألا يتردد في عمل كشف بالمصاريف الضرورية، ولا بد أن نشير هنا أن كل هذه المتون كانت من عهد إدارته لضيعة «أبوللونيوس» وحتى منذ السنين الأولى من مكثه في فيلادلفيا، فهل لا يحق لنا أن نفكر والحالة هذه أن زينون قد وجد مع مرور الزمن مصادر دخل أضمن وأسهل، ومن ثم ترك الأشغال بأعماله؟ (ومن الجائز كذلك أن الانقطاع الطبيعي عن انفصاله مع معارفه القاطنين خارج الفيوم قد أدى لمثل هذه الحالة).
وعلى أية حال فإن بعض هذه المتون الخاصة بالإيجار العادي لقطع الأرض — أي أرض الجنود المرتزقة على ما يُظَنُّ في كثير من الأحوال — يرجع عهدها إلى حكم «أيرجيتيس» وإن كان العدد الأكبر فيها يرجع إلى عهد بطليموس الثاني، وتفسير ذلك سهل ميسور؛ فقد كان لزينون بوصفه مدير الضيعة علاقات وطيدة رسمية مع الجنود المرتزقين أصحاب الأرض كما كان لديه تسهيلات أكثر للقيام بزراعة أراضيهم أكثر من زينون بوصفه رجلًا حرًّا من فيلادلفيا بعد عام 246 ق.م وقد وصل إلينا من عهد بطليموس الثاني سلسلة من الوثائق مثل الوثيقة رقم 59243 من أوراق زينون بالقاهرة، وهي التي نقرأ فيها أن «حوروس» يقترح على «زينون» أن يؤجر قطعة أرض من أراضي الجنود المرتزقين مهيئة لتُزرع شجر خرْوَع Kiki. هذا ونجد أن «دموفون» Demophon يعترف أنه تسلم من «سوكليس» Socles أربعين إردبًّا من الشعير مستحقة لزينون عن إيجار عام 34، هذا ونجد ثانية اسم نفس «دموفون» في وثيقة أخرى غير مؤرخة (P.C.Z 59725) وهي بلا نزاع تحتوي على ملخص دوَّنه أحد وكلاء زينون كان يزرع الأرض التي أُجرت بعقد لهذا الأخير، هذا ويؤكد الجندي المرتزق صاحب قطعة أرض أنه قد تسلم من زينون أربع درخمات على أن تخصم قيمتها من الإيجار الذي سيكون مستحَقًّا له في الفصل التالي بما يساويها غلة.
يضاف إلى ذلك أن أفيمدون Iphimedon، عندما كتب إلى «زينون» في موضوع تربية عجول (بالتأكيد ملك الضيعة) وبخصوص قطعة الأرض ماذا فعل فيها؛ إذ يقول لدينا قطعة أرض تقع تجاه الشمال وقد منحنا عشرين أرورا لزرعها بأشجار زيت الخروع، وليأخذ زينون ثلثيها والثلث الآخر لصاحب المِلك.
وأخيرًا نجد في وثيقة غير مؤرخة (P.C.Z 59724) عنوانها الحساب مع فيلاس Phileas، وذلك أن مالك أرض مساحتها مائة أرورا (وهو من الجنود المرتزقة) قد أجر أرضه بسعر إردبين من القمح عن كل أرورا وقد اعترف أنه تسلم 114 إردبًّا (قمحًا ونقدًا)، ويظن ناشر هذا المتن وهو الأثري «إدجار» أن صاحب هذه الأرض يجوز أنه «زينون» نفسه، وذلك على الرغم من أنه ليس صاحب هذا المتن، وقد يجوز مع ذلك أنه من الأسهل أن نفرض أن زينون هو المستأجر الحقيقي، وأن فيلاس Phileas لم يكن إلا مرؤوسه وأنه كان يقوم بدور مشابه للدور الذي كان يقوم به «سوكليس» في المتن الذي ذكرناه فيما سبق، وبذلك نفهم أحسن لماذا قد وُجِدَت هذه البردية بين وثائق «زينون» هذا ونلحظ رسالة أخرى لم تؤرخ (PSI. 584) مع أن شواهد الأحوال تدل على أنها وُضعت قبل عام 246ق.م؛ ففي هذه الرسالة نجد أن «أجيسيلاوس» Agisilaos قد كتب إلى «زينون» في موضوع إيجار حمام ويطلب إليه في الوقت نفسه أن يرعى شئون شعيره وقمحه.
والمتون التي من عهد «أيرجيتيس» أقل عددًا عن التي من عهد «بطليموس الثاني» فلدينا وثيقة وهي عبارة عن إيصال لفرد يُدعَى «توكليس» Theucles لأجل زينون و«هيراكليتيس» Heracleites خاص بقيمة إيجار أرضه للعام الخامس من حكم هذا الملك، وقد كتب «فيلون» خطابًا من الإسكندرية يرجع عهده إلى العام 240 ق.م وكان موضوعه سجن فرد يُدعَى «هرموكراتيس» (Cf. P. SI 392) وتدل شواهد الأحوال بوضوح على أن فيلون كان له مصالح في خطر وأن زينون كان مهتمًّا بها، وقد أعلن صاحب الخطاب أنه سيحضر في القريب العاجل ويختم رسالته بكلمات غير مفهومة كثيرًا، ومما لا جدال فيه أنه خلافًا لزينون كان في فيلادلفيا إغريق آخرون قد اهتموا كذلك بتأجير الأرض، وإذا فرضنا أن «ياسون» الذي نعرف أنه كان ساعد زينون الأيمن قد عمل لحساب سيده، فإنه من الجائز جدًّا أن دماس Demeas كان يعمل لحساب نفسه عندما أجر أرض «أريستيس» Aristeas.
ويتساءل الإنسان هل كان «زينون» يملك كذلك أرضًا؟ والواقع أنه وإن لم يكن لدينا أي برهان فإنه في استطاعتنا أن نفرض مع «إدجار» أن زينون لم يملك أية أرض، وذلك على الرغم من أنه يجب أن نعترف مع «إدجار» أنه توجد حالات يصعب معها أن يفهم الإنسان أن الأرض التي يدور الكلام حولها ليست ملكه، ومن جهة أخرى نعلم تمام العلم أن زينون كان يملك كرومًا، ومعظم المتون الخاصة بذلك مؤرخة بعهد الملك «أيرجيتيس الأول» يضاف إلى ذلك أنه لا بد من تأريخ عدد عظيم من المتون قبل عام 246ق.م.
وفي معظم الأحيان يكون الموضوع خاصًّا بكرم مساحته ستين أرورا يملكه كل من «زينون» و«سوستراتوس».وقد أجَّره يهوديان وهما ساموليس Samoelis و«ألكزندروس» Alexandros،هذا ولدينا متن آخر (P.C.Z 59367) وهو تسويدة لخطاب أرسله زينون إلى «سوستراتوس» حيث يوضح له خوفه من أن يراهما ينقضان العقد ويطلب إليه أن يفعل بالمثل، ولدينا وثيقة من نفس السنة (PSI 393) وهي عبارة عن بلاغ لهذين المؤجرين وفيها يبلغان رئيس شرطة فيلادلفيا عن سرقة 30000 عمود من الخشب، وقد جاء ذكر هذا الكرْم الذي مساحته ستين أرورا ملك زينون في وثيقة من وثائق زينون غير مؤرخة، وكذلك كرْم آخر مساحته ثلاثون أرورا، هذا ونعلم من وثيقة غير مؤرخة أن زينون قد أمر بزرع عنب على أرض أجَّرها، وكذلك نقرأ في وثيقة (PSI 624) خاصة بزراعة العنب؛ فقد أعطى فيها تعليمات مكتوبة بخط يده عن زراعة شتلة عنب، هذا ونعلم من وثيقة من نفس السجلات أن أخي زينون المسمى «أفارموستوس» Epharmostos قد زرع كرْمًا وذلك في السنة الثانية من حكم الملك بطليموس الثالث «أيرجيتيس»، وكذلك نجد في وثيقة غير مؤرخة أن مدير المصرف بيثون Python قد أعلن فيها رسميًّا زينون أنه أقرض «أفارموستوس» مبلغ 3700 درخمة، وقد رهن له المدين في مقابل ذلك كرمه الكائن في فيلادلفيا.
وإنه لمن الصعب في كثير من الأحيان أن نعرف إذا كانت الكروم التي نسمع الحديث يدور عنها تابعة لضيعة «أبوللونيوس» أو إذا كان زينون له فيها مصلحة، والإشارة الأكيدة نجدها في وثيقة بكلومبيا. وذلك أن «زينون» قد أجر كرْمًا من الضيعة، وكذلك نعرف أن «سوستراتوس» كان يهتم فعلًا بالكروم التي كانت على ما يظهر خاصة بضيعة الوزير «أبوللونيوس»، ومع ذلك إذا كانت ورقة ريلندز (P. Ryl. 564) المؤرخة بعام 250ق.م لا تحتوي إلا على قائمة طويلة لجِرَار من النبيذ (عند سوستراتوس) فلا بد أن نلحظ أن المقصود هنا هو مخزن خاص، ويفهم من البرديات أنه في شركة زينون-سوستراتوس كان الأخير يقوم بوجه خاص بأعمال مخازن النبيذ.
هذا وليس لدينا إلا متن واحد نتحدث عن نبيذ مِلك «زينون»؛ فقد بلغ في وثيقة، رئيس شرطة فيلادلفيا أنه سُرق منه في ليلة 19 جرة نبيذ، ومن المهم أن نعرف أن هذا المتن يرجع تاريخه إلى عام 240ق.م أي من العهد الذي لم يكن فيه بعد «سوستراتوس» مشتركًا مع زينون، هذا ونجد في خطابات مرسلة إلى زينون أن أصدقاءه يطلبون إليه أكثر من مرة أن يرسل إليهم نبيذًا، ولدينا متنان مؤرخان يرجع عهدهما إلى عهد الملك أيرجيتيس.
أما البردية رقم 59527 من أوراق زينون بالقاهرة فهامة بوجه خاص فقد طلب فيها فيلوكزنوس من زينون جرتين من بذر العنب وكمية من عصير العنب حتى يكون لدى الأفراد الذين يرسلهم نبيذ صابح، وذلك بعد أن بدأ خطابه بمداعبة لطيفة بقوله إذا كانت صحتك جيدة، وإذا كنت تصنع نبيذًا كثيرًا فهذا حسن، هذا ولا بد أن نلفت النظر هنا إلى أنه إذا كان «فيلوكزنوس» هو الذين نعرفه بوصفه مستخدَمًا في ضيعة أبوللونيوس فإن هذا المتن قد يثبت على الرغم من عدم وجود أدلة أخرى بأن زينون كان مشتغلًا بإنتاج النبيذ بمقدار عظيم، ومن ثم كذلك بزراعة الكروم بوصفه أنه كان لا يزال مديرًا لضيعة «أبوللونيوس» هذا ونجد كثيرًا في مراسلات زينون إشارات إلى كروم خاصة.
والظاهر أنه كانت تُزرع غالبًا شتلات على أرض بور، ونعلم أن الجنود المرتزقة أصحاب الأراضي كانوا يملكون كرومًا على إقطاعاتهم؛ ففي وثيقة تقرأ عن كرم مساحته مائة أرورا وهو يعد أكبر كرْم خاص جاء ذكره في سجلات «زينون»، وعلى أية حال فإنه عندما يكون الحديث في أوراق زينون عن تأجير كروم بكمية كبيرة فإن ذلك يُقصد به أراض من ضيعة «أبوللونيوس» وعلى أية حال لا بد أن نفرض هنا أن «زينون» كان يستغل بصورة ما كروم الجنود المرتزقة، وكذلك كروم «أبوللونيوس»، فمثلًا كان يؤجر من باطنه أجزاء حيث كان يمكن زارعتها بالخُضَر.
الاكثر قراءة في العصور القديمة في مصر
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة

الآخبار الصحية
